شعرت شمس بارتياب وقلق وهي ترى صندوقًا أسود متوسط الحجم موضوعًا على الفراش، مغلفًا بطريقة أنيقة ومميزة. اتجهت نحو الفراش، لكن تملكها شعور بالشك أكثر عندما وجدت اسمها على الصندوق. قامت بفك تلك العقدة، ساحبة الغطاء. وجدت غلافًا ورقيًا، فسحبته. ظهرت ابتسامتها تدريجيًا وهي تخرج ذلك الثوب الأسود المتلألئ بخيوط فضية تبدو في غاية الجمال. ثوب مميز، ناعم، وأسفله حجاب نبيتي اللون. شعرت بقلبها يخفق من شدة السعادة.
لوهلة، وهي تتجه نحو المرآة بسرعة، تحاول وضعه على جسدها تتأمل مظهرها به. وكأنه أذهب عقلها من شدة جماله ونعومته. لكنها توقفت فجأة واختفت ابتسامتها وهي تضع الفستان على الفراش، تفكر بعقلانية وهدوء. شمس: طب إيه ده بقى؟ يا ربي أنا ناقصة توتر. لا لا اصبري، ممكن يكون مقلب من اللي اسمها هند. كلامها معايا آخر مرة بتقول إنها مش هتسكت إلا لما تعمل مصيبة. مفيش حل غير إني أسأل صفاء هانم.
وضعته مرة أخرى في الصندوق، ورتبت وضعه، ثم وضعت عليه الغلاف الورقي وأغلقتها جيدًا. خرجت من الغرفة وهبطت للدور الأول حيث غرفة صفاء هانم. طرقت على الباب عدة مرات، ثم دلفت إلى الداخل بعد أن سمحت لها السيدة سلمى بالدخول. ابتسمت بود قائلة بحب: مساء الخير يا هانم. صفاء بطيبة: مساء الورد يا شمس، تعالي. شمس: ألف مبروك لحمزة بيه وعقبال يا رب ما تفرحي بأولاده ويملوا البيت فرح وسعادة. صفاء برجاء:
يارب يا شمس، يارب. ويا رب كمان أحضر فرحك. متعرفيش أنا حبيتك قد إيه وكأنك بنتي. شمس بابتسامة بريئة: إن شاء الله. بس كنت عايزة أسأل حضرتك عن الصندوق ده؟ أنا لقيته في أوضتي وكمان عليه اسمي. سلمى: بس ده أستاذ... نظرت صفاء للسيدة سلمى بتحذير وحدة لتصمت مخفضة رأسها. وشمس تبدل النظرات بينهما لتغمغم صفاء بجدية: ده فستان أنا جبته مخصوص عشان تحضري بيه حفلة الخطوبة، وإن شاء الله يبقى على مقاسك. شمس: ليه حضرتك عملتي كده؟ صفاء:
مش عايزة تحضري حفلة خطوبة حمزة ولا إيه؟ شمس: بس ده كتير أوي. صفاء: لا كتير ولا حاجة، أنتِ تستاهلي كل الخير اللي في الدنيا. أنا من أول مرة شفتك وأنا مرتاحة ليكي. صحيح الميكب ارتست هتخلص مع هند كمان شوية وأنا طلبت منها تجهزك، عايزة تكوني زي القمر النهاردة. ابتسمت شمس بتأثر ووضعت الصندوق جانبًا. لتجثو على ركبتيها بجوار صفاء الجالسة على كرسيها المتحرك. مسكت يدها بين كفوفها:
أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي، بس حقيقي أنا هفضل طول عمري فاكرة حضرتك وإزاي بتعامليني. أنا بجد متشكرة أوي. ابتسمت صفاء قائلة: طب سيبك من الشكر والكلام ده. وبعدين كفاية إنك مليتي عليا حياتي من تاني. حمزة كان طول اليوم في الشغل ومفيش حد معايا، وأنتِ تستاهلي كل خير يا شمس. يلا بقى قومي جهزي. -طب ده معاد الدواء، ثواني هجيبه. بعد دقائق، غادرت الغرفة وهي تحمل العلبة بسعادة. بينما نظرت سلمي لصفاء بارتياب.
قبل قليل، وصلت لي لي إلى القصر لحضور الحفلة ومرافقة هند طوال الحفل كما وعدتها بالأمس. سارة: أهلاً يا لي لي هانم، نورتي القصر. آنسة هند قالت أول ما توصلي لازم أوصلك للجناح بتاعها، هي الميكب ارتست معاها دلوقتي. ردت لي لي بتعالٍ وهي تخلع نظارتها السوداء قائلة بتكبر واضح: مدام صفاء في أوضتها؟ -أيوه. = خالص، روحي شوفي شغلك. أكيد مش هاجي لحد هنا ومأسلمش عليها.
لم تنتظر رد سارة عليها، بل اتجهت نحو غرفة صفاء. لكن وجدت تلك الفاتنة باهرة الجمال تخرج من الغرفة بسعادة وحماس. عقدت ما بين حاجبيها وهي تراها تصعد للدور الثاني. اقتربت من غرفة صفاء وكادت أن تطرق على الباب، إلا أنها سمعت صوت صفاء تتحدث بنبرة محذرة: شمس مش لازم تعرف أن حمزة هو اللي اختار أو اشترى الفستان ده ليها يا سلمى. لحد ما أفهم بيحصل إيه وهو بيفكر في إيه، إزاي يعمل حاجة زي دي!
وأنا أعرف بالصدفة من دار الأزياء إن حمزة دويدار بيختار بنفسه فستان للمحجبات! بس لازم يبقى فيه كلام بينا من غير ما شمس تعرف حاجة. فاهمة؟ أومأت لها السيدة قائلة بلباقة: تمام يا صفاء هانم. ابتسمت لي لي بشر لتهمس بحماس وسعادة: حلو أوي ده، اللعبة هتحلو.
انتهت شمس من تجهيز نفسها، فشعرت للحظات بالذهول وهي تدور حول نفسها بنعومة أمام المرآة. كانت في غاية الجمال والرقة بذلك الثوب الذي يعكس جمال بشرتها البيضاء المتشربة قليلًا من أشعة الشمس. كحيلة العينين، لم تضع أدوات التجميل بل اكتفت بوضع كحل لتبدو عيناها ذات لمعة خاصة خاطفة للأنفاس والعقول. رونق ابتسامتها خاص ومميز، وضعت أحمر شفاه خفيف. ابتسمت بثقة وسعادة، فلأول مرة ستحضر حفل كهذا.
نظرت شمس إلى الساعة، وجدتها الثامنة مساءً. بدأ الحفل قبل قليل، نعم، هي سمعت أصوات ضجة كبيرة مع صوت الموسيقى. على الناحية الأخرى، هبط حمزة الدرج بهيبة تليق به، وبجواره هند التي ارتدت فستان سنييه أزرق طويل، ضيق قليلًا من الخصر ثم يتسع بعد ذلك، مكشوف الذراعين. وارتدت أفخم طقم ألماس لديها، وقد جلبت للمنزل أحسن ميكب ارتست لتبدو في المجمل جميلة لا شك في ذلك أبدًا.
التقطت الصحافة صورة لهم وحمزة يحاوط خصرها. بالتأكيد، هذا زواج الموسم. خرجت صفاء مع السيدة سلمى من غرفتها وهي تبتسم لحفيدها بسعادة، لكن قلبها مرتجف وكأن اليوم لن يمر على خير أبدًا. ابتسم سالم، والده، وهو يحتضنه قائلًا: ألف مبروك يا حبيبي، عقبال لما أفرح بيكم في الفرح. حمزة بهدوء: الله يبارك فيك يا بابا. اقتربت لي لي من سالم وهي تمسك في ذراعه مغمغمة بسعادة: ألف مبروك يا حمزة بيه. حمزة:
الله يبارك فيك، عقبالك يا لي لي. أومال فين عديلة هانم؟ ردت لي لي بنعومة وهيام: مامي تعبانة شوية وبتعتذر إنها مش هتقدر تيجي، وبعدين إيه، هو أنا مكفّيش؟ لم يجيبها حمزة، بل نظر لها بوجه خالٍ من التعبيرات وهو ينظر للدرج، لعل تلك اللعنة التي أصابته تنزل. شعرت لي لي بالإحراج لتضيف بغل خفي: بس طالعة زي القمر يا هند، ألف مبروك يا حبيبتي. ابتسمت هند بغرور قائلة بخبث وهي تتشبث بذراع حمزة:
ميرسي يا لي لي، وحقيقي متشكرة جدًا على الهدية اللي قدمتيها لي النهاردة. نظرت لها لي لي بخبث مماثل لتقول: مفيش شكر بينا، أنتي زي أختي يا هند. ابتسم سالم قائلًا: طب مش يلا يا حمزة تلبسها الشبكة. زفر حمزة بضيق، في نفس توقيت دخول يونس، وقد لفت انتباه بعض الفتيات بوسامته وكاريزمته المرحة. ابتسم يونس وهو يقترب منه محتضنًا إياه بحب أخوي: معقول تلبسوا الشبكة وأنا مش موجود؟ ده حتى يبقى فيها زعلة جامدة أوي. ألف مبروك يا حمزة.
ابتسم حمزة بحب وقد شعر ببعض الهدوء بوجود صديقه، احتضنه قائلًا: الله يبارك فيك، وعقبالك. ابتسم يونس وغمز له بشقاوة قائلًا: عن قريب إن شاء الله.
ابتسم حمزة بشك، لكن لم يسأله عن شيء الآن بين كل هؤلاء. مد يده يمسك يد هند متجهًا نحو تلك الأريكة المميزة والمزينة بطريقة أنيقة. جلست وجلس هو إلى جوارها وهو يشعر بالاختناق بالمعنى الحقيقي، وكأن الهواء ينسحب من حوله، وكأنه كان يركض في ماراثون للجري لمدة طويلة جدًا وفجأة توقف، والآن رئتاه غير قادرة على أخذ نفس واحد.
نزلت شمس الدرج بتوتر من كل هذه الترتيبات وكل هؤلاء الأشخاص، والتي شعرت بينهم بعدم الأمان. أخذت نفسًا عميقًا محاولة منها للهدوء. وقعت عيناها عليه، فكان يبدو وسيمًا، بشرته الخمريّة المتشربة، وعيونه السوداء، ذقنه الناعمة، وبذلته السوداء الأنيقة.
رفع حمزة عيناه الضارية، فهي تشبه عيون النمور، حادة ومفترسة، مع اختلاف لونها الأسود. تلاقت أعينهما في نظرة خاطفة، فابتسمت شمس بارتباك كنوع من التهنئة له، بينما هو شعر بالهدوء وبدأ يتنفس بانتظام.
احتدمت عينا حمزة حين رأى يونس يقترب منها، فشعر ببداية نيران تملكه. لاحظت هند نظراته المصوبة عليها، فتملكها الحقد والغضب، وكادت أن تنهض وتضرب تلك الفتاة، بل وتشوه وجهها. بينما ابتسمت لي لي متذكرة حديث والدتها وخطتها في التخلص من هاتين الفتاتين اللتين تقتربان منه دون أن تتدخل. احتدمت نظراته بغضب عاصف. لأول مرة يشعر به!
لم يتوقع أنه من الممكن أن يكون عصبيًا لهذه الدرجة، ولكن نظرات يونس الموجهة لشمس جعلت الدماء تغلي في عروقه. منذ متى وأنت كذلك يا رجل؟! منذ متى وأنت تشعر بهذا الحد من الجنون؟ يونس: إزيك يا شمس؟ ردت شمس بابتسامة تزين ثغرها: بخير الحمد لله. يونس بابتسامة: على فكرة، أنتِ زي القمر. شمس بحدة: لو سمحت، أنا مبحبش الطريقة دي. يونس بسرعة: أنتِ زعلتي ولا إيه؟ أنا أقصد إنك بجد شكلك حلو أوي... الصراحة أوي، هي دي حاجة تزعل؟
شمس بخجل وارتباك: بس الكلام ده مينفعش... وبعدين أنا مبحبش حد يعدي الحدود المسموحة بيني. لأن لازم دائمًا نحط حدود بينا وبين اللي حوالينا، وإلا هنتأذى. يونس بإعجاب: أنتِ عقلانية أوي. شمس: الموضوع كله إني مش عايزة أكسر أمي. هي تعبت أوي وبابا الله يرحمه كان دائمًا يقول الإنسان لازم يفكر في أفعاله ويكون قد المسؤولية، وأنا بحترم مسؤوليتي، لأن كل حاجة بنعملها تعتبر مسؤولية. سارت بجواره وهو يبتسم بود ويتناقش معها.
بعد دقائق، اقتربت شمس من حمزة وهند حتى تبارك لهما، رغم نفورها من زواجهما. فهما لا يشبهان بعضهما أبدًا. أحيانًا تشعر وكأنهما مختلفان وأنه لا يريد ذلك، أحيانًا تشعر وكأنه يفرض على نفسه شخصًا لا يناسبه. رغم ذلك، تشفق على هند من هذا الغرور الذي يتملكها وهي مستسلمة تمامًا لنفسها التي تقودها لطريق مجهول، لكن النهاية ليست جيدة أبدًا. وقفت أمامهم ثم ابتسمت بلباقة قائلة: ألف مبروك يا حمزة بيه، ألف مبروك يا آنسة هند.
ردت هند بخبث قائلة: الله يبارك فيكي يا شمس، عقبالك يا رب. ضغط حمزة على قبضته وشعر أن أزرار قميصه ستنفجر من شدة غضبه وخفقاته. متى كنت ذلك؟ منذ متى وأنت كذلك؟! هل وقعت بها عشقًا؟! بل أنك غرقت. ربما ليست أجمل فتاة على الإطلاق، لكنها تملك ما يميزها عن غيرها. ربما أحببت ابتسامتها! ربما أعجبت بكبريائها! ربما، ربما!
غيرتك غير المبررة وأفعالك العشوائية التي لم تعتد عليها، كل هذه الأفعال التي باتت حديثه، عليه ستودي بك إلى طريق طويل، طريق تختار فيه السير على حافة الهاوية. ابتسمت شمس بخفة وذهبت نحو صفاء، التي ابتسمت تلقائيًا ما إن راتها.
بعد مرور وقت، كان حمزة يتحدث مع بعض رجال الأعمال برفقة والده. رغم زواج والده بعد وفاة والدته، لكنه لم يحزن أو يظن أن والده تخلى عنه، بل بالعكس، شعر أنه حقه أن يحيا حياته كما يشاء. وظل سالم بالنسبة لحمزة والده وصديقه. كانت شمس تجلس على إحدى الطاولات في الحديقة بعيدًا عن الأجواء المتكدسة بالداخل. تنهدت بحزن وقد عادت ذكرياتها إلى الماضي، حيث كانت تعيش مع والدها وأمها وشقيقتها. شمس بابتسامة جميلة:
الله يرحمك يا بابا، الله يرحمك. استغلت هند وجود شمس وحدها وبعيدًا عن الجميع. رفعت ثوبها قليلًا بأناقة وهي تسير نحو شمس، وعلى وجهها ابتسامة شر، وخصوصًا عندما أخبرتها لي لي بحديث صفاء عن شراء حمزة ذلك الرداء مخصوصًا لها. نهضت شمس عن كرسيها بعدما رأت هند تقف أمامها مردفة بعنجهية: شمس قاعدة لوحدك ليه؟ صحيح شكلك حلو أوي. ردت شمس بامتعاض وضيق قائلة: شكرًا يا آنسة هند. هند بخبث:
بس يا ترى حمزة دويدار خد مقابل إيه حق الفستان الرائع ده؟ شمس بعدم فهم: أفندم؟! هند بحدة: أنتِ هتستعبطي يا بت أنتِ! انطقي، إيه اللي بينكم اللي يخليه يشتريلك فستان زي ده؟ شمس بحدة: أنتِ إنسانة مش متربية، وأنا ميشرفنيش أتكلم معاكي، ولا حتى فاهمة بتقولي إيه. بعد إذنك. كادت أن تغادر، لكن انفجر الغضب والغيرة بداخل هند لتجذبها من ذراعها بعنف قائلة: أنتِ بتستهبلي! فكراني هسيبك كده؟ وبعدين مين دي اللي مش متربية؟
اللي متربتش هي اللي تسمح لواحد غريب عنها إنه يديها حاجة زي دي وهو ميقربلهاش أي حاجة. لا دي تبقى رخيصة أوي وخطافة رجالة! اقتربت شمس منها بخطوات حذرة وعيون مليئة بالشر جعلت هند ترتد للخلف بخوف. صكت على أسنانها قائلة بغضب وشراسة:
قسماً بالله العلي العظيم لو ما احترمتي نفسك، لكون أنا قليلة الأدب وأعرفك حدودك كويس. أوعى تفكري إنك كده بتقللي مني، بالعكس، أنتِ بتقللي أوي من نفسك لأنك إنسانة فاضية من جوه. بتحاولي تعوضي النقص اللي جواكي وتشبعيه بأنك تهيني اللي حواليك وتذليهم. وبالنسبة لحمزة بيه، فأنا ماليش علاقة بيه، تصدقي أو لا، ده شيء يخصك. لكن سمعتي وكرامتي فوق الكل، خليها حلقة في ودانك.
رغم شعورها بالضعف والقهر بداخلها، ورغم لمعة الدموع بداخل عينيها، إلا أنها لم تسمح لهند بكسرها. تفاقم شعورها بالغضب تجاه حمزة وصفاء لأنهما تسببا في إحراجها. لكن لما يفعل ذلك؟ وبأي صفة سمح لنفسه بفعل ذلك؟ أدرفت إلى الداخل فوجدته يقف مع والده يتحدثان. تمنت لو ذهبت نحوه وأفرغت غضبها بوجهه. دموعها التي هبطت دون أن تدرك جعلتها تشعر بالانكسار.
كانت تقف وتنظر له بدون خوف من نظرات الآخرين نحوها وإعجابهم بها. ابتسم شاب وهو يقترب منها حتى وقف أمامها قائلًا بخبث: مساء الخير، ممكن نتعرف.. بدر الراوي، رجل أعمال. ردت شمس بحدة قائلة: وأنا مش عايزة أتعرف على حد، بعد إذنك. ابتسم بسماجة وهو يسحب يدها بقوة مع تشغيل الموسيقى محاولًا الرقص معها وسط تذمرها قائلًا بخبث: واضح إن حمزة بيه مزعلك أوي يا قِطة، بس أنا مش عارف هو بيفكر إزاي. هو في حد يسيب قمر زيك ويزعله؟
وسط تلك الأجواء المزدحمة، لم يلاحظها حمزة المنشغل بالحديث مع يونس. في حين ابتسمت لي لي وهي تتابع الموقف، وخصوصًا محاولة بدر في التقرب أكثر من شمس. حاولت شمس الابتعاد، لكنه كان يلتصق بها أكثر ويده تكبل خصرها، لتصرخ بوجهه بغضب قائلة: ابعد عني يا حيوان!
انتبه الجميع لصراخها الغاضب، فاقترب يونس وحمزة من مصدر الصوت، إلا أن الصدمة الأكبر كانت من نصيبه. كان يونس ينظر لبدر شزرًا، فهو شخصية معروفة بعلاقاته المتعددة، ولكنها رجل أعمال ناجح.
في لحظة خافتة، جذبه حمزة من سترته نحوه، ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة، حتى صرعه أرضًا، غير آبهٍ باحتجاجات الضيوف ولا بتجمهر الناس حولهم كي يشاهدوا هذا الصراع الدامي بين حمزة دويدار ومنافسه بدر الراوي، دون تحرك من أحدهم للتدخل لفض هذا الاشتباك. وضعت شمس يدها على فمها بصدمة ورعب وهي ترى حمزة وكأنه وحش غاضب. أما لي لي، فصرخت برعب على صديقها وابن صديقة والدتها، فقالت بتوسل:
حمزة هيموت في إيدك، سيبه أرجوك! لكنه لم يستمع لحديثها من الأساس، وعيناه تشتعلان من الغضب والغيرة، وصورة ذلك الرجل وهو يلتصق بها بتلك الطريقة ترتسم أمام عينيه، جاعلة منه جريحًا شرسًا لينقض عليه بقوة. ذلك الشعور يحرقه من الداخل. من هو ليسمح لنفسه بالتقرب منها بتلك الطريقة؟ صفاء بفزع ورعب: حمزة خالص يا ابني.
حاول يونس إبعاده، لكنه لم يستطع. كانت شمس تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه، لكن دون جدوى. فجلست بجواره وهو لا يزال يسدد لكماته لبدر الذي أوشك على فقد الوعي، تتوسله وهي تمسك كفه: سيبه الله يخليك... هيموت في إيديك... سيبه... عشان خاطري كفاية.
نظر لها بغضب لا يعلم سببه. هي تشفق على ذلك الحقير الذي حاول لمسها. تحرك من فوق بدر الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه. اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بهيبة وهيمنة، قبل أن يتحدث محذرًا بعد أن لاحظ وجود بعض الصحفيين: اللي يدخل بيتي يا إما يحترم أهله، يا إما ميستاهلش وجوده. وأنتِ يا شمس اتفضلي على أوضتك.
كان يضغط على كل حرف يخرج منه، مما جعل شمس ترتجف داخليًا وهي تنظر لذلك الفاقد للوعي، لا تفقه سبب فعلته. لو علمت أنها غيرة، لهربت من حياته على الفور قبل أن تقع هي أيضًا في مصيدة القدر. لكن حتى إن لم تكن غيرة، فهو لن يسمح بحدوث ذلك لأي فتاة في منزله، وأي فتاة أخرى. لكن القادم ليس هينًا أبدًا.
ساعدتها السيدة سلمى في الوقوف وهي ترتعش من شدة الخوف في وسط الأجواء المزدحمة والضيوف كلهم ينظرون اتجاهها. قاطعهم صوت سالم الغاضب من تهوره، ولكن لم يرد إحراج ابنه أو تصغيره أمام الضيوف: معليش يا جماعة، ده موضوع وهيتحل. أطلب الإسعاف يا يونس، وخلي الحرس ياخده من هنا لحد ما الإسعاف تيجي. مفيش حاجة يا جماعة. حمزة، أنا في مكتبي، يا ريت تحصلني.
نظر حمزة لشمس التي تصعد الدرج برفقة سلمي. زفر بحرارة قبل أن ينسحب من بينهم بلباقة. أغلق الباب خلفه، فقال سالم بغضب: إيه اللي أنت عملته ده يا حمزة؟ ممكن أفهم ده معناه إيه؟ حمزة بهدوء: أنا مش فاهم حضرتك تقصد إيه يا والدي. واحد اتجرأ على حد في بيتي أسيبه عادي كده؟ لا مش أخلاقي. أنا آسف. سالم بعصبية: متتلوّعش يا حمزة. في حاجة بينك وبين البنت دي؟
أنا آه مش عايش معاك، بس أنا بعرفك من نظرة واحدة، واللي شوفته في عينيك من شوية ملوش غير معنى واحد. ولو فعلاً هو ده الحقيقة، يبقى أنت نويت على دمار مستقبلك. حمزة بدهاء: مش فاهم قصد حضرتك؟ سالم بحدة: لا أنت فاهم، وفاهم كويس أوي. أنت دلوقتي بتخطب، فاهم يعني إيه بتخطب؟ يعني بتبني حياتك مع إنسانة تانية. بلاش دماغك وقلبك يسحبوك لمكان نهايته وحشة. أنا أبوك وخايف عليك يا حمزة. رد الآخر قائلًا بهدوء:
مفيش حاجة من اللي حضرتك بتفكر فيها دي. شمس بالنسبة لي مرافقة لجدتي، وأي واحدة غيرها لو في نفس الموقف هعمل اللي عملته. سالم بقلة حيلة: ماشي يا حمزة، ماشي. همشي معاك الطريق لآخره. حمزة بحب: خلاص بقى يا كبير، فك. ما حصلش حاجة. واحد غلط وعلمت عليه، مش أكتر. وبعدين أنت عارف إن بدر الراوي سمعته مش كويسة، ومع ذلك بعت له دعوة وأنا معترضتش. لكن لما يدخل حتتي ويحاول يقرب من حاجة تخصني، يبقى لازم نعمله شوية في الحساب. قسمة...
جمع... ضرب. أكد على كلمته الأخيرة مزمجرًا بقسوة من بين أسنانه. يهز سالم رأسه بتعب قائلًا: خلينا نطلع للضيوف الأول، وبعد كده نشوف موضوع الحساب ده.
تجلس على الأرضية الرطبة رغم برودة الجو تزرف دموعها بقهر وانكسار. تتذكر جيدًا نظرة الشر والشماتة في عيون هند وصديقتها المزعومة لي لي، وشفقة الباقين عليها وصدمتهم من فعلة حمزة. لأول مرة ترى الدماء على ثياب بدر ووجهه بالكامل. ضمت جسدها بقوة وهي تجلس خلف الباب. كانت تشعر أن ذلك اليوم لن يمر على خير أبدًا. لكن هل ستبقى في تلك الوظيفة مع كل هذا الإحراج والإهانة؟ لكن قلبها لا يتقبل كل هذا.
نهضت واتجهت نحو خزانة الثياب لتبدل ثوبها، ثم جمعت أغراضها. أخذت نفسًا عميقًا محاولة الهدوء. بعد أن انتهت وارتدت ثيابًا أخرى، جلست على الفراش تنتظر مرور الوقت حتى تغادر دون أن تراه، فهي تقسم بداخلها أنها لو رأت وجهه، ستفرغ به غضبها. في البحيرة، في منزل عيسى (عم شمس) ، كانت شهيرة زوجة عمها تجلس في بهو المنزل وبجوارها ابنها الأكبر سعد. شهيرة بغضب وخبث: و أبوك قال إيه يا سعد؟
معقول هيدي لمريم وبناتها ورثهم في الأرض والفلوس؟ ده يبقى خراب على الكل. الأرض لو راحت للبنات، كل واحدة فيهم هتتجوز وساعتها جوازتهم هما اللي هياخدوا الأرض وساعتها هتتقسم. لا... لا. سعد باحترام: ده حقهم يا أمي. وبعدين أنتِ مترضيش إنك تاكلي حقهم في الميراث ده. ده شرع ربنا. وبعدين شمس بمية راجل. كفاية إنها تربية عمي بكرى الله يرحمه. شهيرة بضيق:
بس دي بت يا نن عين أمك. والبت لا هتنزل أرض ولا هتراعي زارعة. ولما تتجوز هيجي الغريب هو اللي يتحكم في الأرض، وأنت عارف مريم وبناتها على نيتهم وأي حد ممكن يضحك عليهم بكلمتين. يبقى مالهمش إنهم ياخدوا في الأرض. سعد بجدية: يبقى ساعتها أبويا يديهم فلوس، نشوف تمن الأرض ونديهم حقهم. شهيرة بسرعة وبدون تفكير: وأنت فاكرني هسيب مريم تتهنى في العزا ده كله؟ بقا أنا اللي استحملت جدك وتحكماته؟
أتساوى مع مريم الفلاحة بنت الغفير اللي بكرى ساب الدنيا كلها عشانها، حتى وقف قدام أبوه وقال وقتها إنه مش عايز لا فلوس ولا أرض. هو اللي قالها بلسانه. مش عايز. سعد بجدية: أماه، أنتِ عايزة توصلي لإيه بالظبط؟ عايزة تاكلي عليهم حقهم؟
وبعدين عمي بكرى الله يرحمه قال كده لأبوه، يعني حاجة كانت بينهم. لكن هما الاتنين دلوقتي ماتوا، وشرع ربنا بيقول إن عمتي مريم وبناتها ليهم حق. وإحنا لازم نجيب مرات عمي وبناتها عشان يعرفوا إن ليهم حق. شهيرة: يا حبيبي، أنا بس بقول إن الأرض مش لازم تخرج برانا. وأنا عارفة إنك بتحب بنت عمك، يبقى نعمل إيه بقى؟ نخلي زيتنا في دقيقنا ونطلب شمس ليك، وساعتها الأرض هتبقى ليكم أنتم وعيالكم. رد سعد بضيق قائلًا:
أماه، اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، وقلت لك إني عرضت على شمس الجواز قبل كده، لكن هي مش بتشوفني غير أخوها الكبير، وأنا بحبها زي أختي ملك وزيها زي هدى. يمكن زايدة شوية غلاوة لأنها جدعة، لكن موضوع الجواز ده مش هيحصل. لأن مش هجبرها عليا، وأنا بنفسي اللي هسلمها لعريسها بصفتي أخوها وابن عمها. فبلاش يا ماما نتكلم في حاجات ملهاش لازمة. وخلي في علمك إن لما شمس ترجع من كليتها الإجازة الجاية هنروح ليهم ونقعد معاهم عشان يعرفوا هم ليهم إيه. ده أنا ما صدقت أقنعت أبويا. يلا يا ست الكل، أنا هروح أصلي العشاء في المسجد.
شهيرة بغيظ: ماشي يا ابني. ثم أضافت لنفسها بغيظ: بس أنا مش هسيب مريم وبناتها يلهفوا كل حاجة. يا إما تتجوز شمس، يا إما ساعتها أنا هوريك أنا ممكن أعمل إيه. لأن عيسى جاب ورا وناوي يديهم نصيبهم. مش كل مرة مريم تاخد كل حاجة. في الأول بكرى، ودلوقتي الأرض.
في فيلا دويدار، بعد وقت متأخر من الليل. أرتدت شمس حقيبة ظهرها وخرجت من الغرفة بعد أن تأكدت من خروج حمزة وهند إلى أحد الأماكن لاستكمال سهرتهما، وبالتالي مغادرة الضيوف وهدوء القصر تمامًا. لم تستطع حتى توديع صفاء أو سلمي وغادرت القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!