-أنت هتخطب..!! هتف بنبرة ساخطة: -وأنتِ كنتي عملتي إيه ها؟ لو كنتي وافقتي كان زمانا اتجوزنا من بدري. أغمضت عينيها بألم وهي تهز رأسها بعنف نافية: -عشان مينفعش.. مينفعش أوافق خالص وخصوصًا إن بابا رافض. -قالك: لو عايزة خلاص موافق... لكن أنتِ وقفتي قدامي وقدام جدك وأعمامك وباباكِ وقولتي مش عايزة أتجوزك... بعد ما كنا متفقين يا ميرا... كنا قبلها متفقين إني هروح أتقدملك وأقف قدام أي حد عشانك بس انتي توافقي تتكلمي...
متخافيش... تدافعي عن حقك... طالعته بصدمة وقالت بقوة من بين أسنانها: -وكنت أوجعه؟ بابا قالي كده عشان مش عايز يشوفني مكسورة.. بس أنا شوفت في عينيه وجع كبير أوي.. شوفت إن كل حاجة هتروح. تأوهت عندما اعتصر ذراعيها ليقربها منه قائلًا:
-وانتي بقى عايزانا نتجوز بس في السر بمعرفة أمي وأخواتي وأبوكي وأمك.. لكن لأ كله إلا ده.. أنا عايزك تبقي مراتي قدام العالم كله.. مش أهلي بس.. عايز أشوف فرحتك زي كل البنات.. مش عايزك تيجي يوم وألاقيكي مكسورة أو حد يبصلك وكأنك عملتي حاجة غلط. نفضت ذراعيها منه وهي تبتعد قائلة بنبرة باكية:
-عشان أنا مش زي كل البنات يا مروان.. ولا أهلي زي كل الناس.. عشان جدي شايف إن أنا مينفعش أتجوز واحد بره عياله الولاد عشان هما اللي شايلين اسم العيلة لكن أنت عشان ابن بنته شايفك من بره العيلة وهما أولى عشان بابا مخلفش غيري.. حتى لو كان ابن بنته برضه لأ.. عشان أهلي فاكرين إنهم هياخدوا الأراضي والفلوس معاهم في القبر.. أنا تعبت.. تعبت من كل القرف والظلم ده.. مش ذنبي إن أمي معرفتش تخلف غيري ولا ذنبي إن أبويا راجل عنده ضمير وبيحب أمي ومش عايز يتجوز غيرها.. اكتشفت إن الدنيا عايزة الواحد يبقى ظالم ومفتري عشان يعرف يعيش وياخد حقه.
ربت على وجنتيها وهو يمسح دموعها: -ميرا اهدي.. أنا آسف بس أنا كمان تعبت.. أنا مش صغير يا ميرا.. أنا بقى عندي 27 سنة.. والعمر بيعدي وحبيبتي مش عارف أتجوزها.. ومتوقع إنها في أي لحظة هتروح مني.. وانتي مش موافقة على شرطي.. وأمي عايزاني أتجوز وأبطل أبص ورايا. ابتسمت بحزن وهي تجيبه بنبرة حازمة:
-يبقى اسمع كلام عمتو.. وإحنا فعلًا لازم نبعد.. لازم نبعد خالص عن بعض يمكن ننسى.. بابا وعمتو عندهم حق إحنا مش لبعض.. وحبنا ده مستحيل يكمل.. _في المساء، كان الجو في منزل مروان متوترًا. بمجرد عودة جومانة من دروسها، سادها جو من التوتر والغضب. وكانت والدتها تحاول تهدئة مروان بشأن ما سيفعله مع سليم. حسنًا، إنها قلقة على سليم وتخاف من غضب مروان عليه. أنهى مروان مكالمته الهاتفية فسألته أمه بلهفة: -عرفت هو فين؟
قال بتمالك أعصاب: -بره وجاي. ارتفع حاجبيها لتسأله باستغراب: -بره فين بالظبط؟ قالك هو فين يعني؟ صرخة انطلقت منه بحدة:
-معرفش.. أسيب أنا شغلي وأقعد أدور وراه أشوفه رايح فين وبيحضر كل دروسه ولا لأ.. أنا تعبت من الولد ده.. أنتي متخيلة الأسيستنت بتاع مدرس الكيميا يكلمني يقولي إنه مبيحضرش بقاله فترة وإنه محضرش الامتحان والمدرس إداله مدة شهر يمتحن وبرضه اتهرب ومراحش.. لحد ما اتصل بيا وقالي أخوك ميجيش تاني.. وده أحسن مدرس كيميا في إسماعيلية.. يوريني بقى هيروح لمين ومين هيقبله وخلاص الترم ده قرب يخلص والامتحانات داخلة خلاص.. أكيد ماشيلي مع عيال فاشلة فالح بس يروحلي النادي بانتظام بحجة التدريب.
-يا مروان ما كل الشباب في سنه بيروحوا النادي.. وبعدين أنت إيه دورك ها؟ كل اللي بتعمله إنك بتديله أوامر والأوامر دي مبتنفعش مع واحد في سن مراهقة أو بشخصية أخوك.. من يوم ما أبوك مات وأنت قررت تبقى مسؤول عن أخواتك.. وتشيل معايا المسؤولية والأمانة دي.. قرب منه.. خليه يقلل النادي بطريقة مناسبة وهادية مش بالزعيق والعصبية. قاطع حديثهم صوت سليم: -أنا جيت. التفت الاثنان نحو سليم الذي كان بالصالة ولم يشعرا بدخوله.
بينما واصل سليم كلامه: -أنا عارف أنا بعمل إيه.. نجحت ولا سقطت أنا اللي هتحمل نتيجة أفعالي. أجابه مروان بعصبية: -يا بجاحتك يا أخي.. مش مكسوف من نفسك.. ده بدل ما تبقى راجل وتشيل مسؤولية معايا.. بس هستنى إيه من حتة عيل.. لسة بياخد مصروف مني. -والله بقى ده من فلوس أبويا. صوت مروان كان مستهزئًا وهو يقول: -أبوك؟ أبوك فين معلش؟ أبوك مات وأنا اللي بشتغل وشايل الحمل كله لوحدي.. ما تقوليله يا ماما أبويا كان سايب الشركة إزاي؟
قوليله الشيكات اللي كانت لازم تتدفع في ميعادها.. قوليله السنة اللي راحت مني في الجامعة عشان أقدر أوقفها تاني وأسدد الشيكات وفلوس الموظفين.. وأنتوا كنتوا لسة عيال.. وادي النتيجة! ثم أكمل بحدة وهو ينظر لكل من سليم وجومانة:
-إذا كنت فاكر إن أنا هدخل حد فيكم جامعة خاصة فده مستحيل يحصل.. عشان بس متقعدش تتدلع وتتمرقع وتيجي تقولي دخلني يا مروان جامعة خاصة.. الجامعة دي يدخلها اللي كان بيذاكر وبيتعب فعلًا واتظلم في تصحيح ولا نقص درجات غصب عنه.. لكن واحد زيك مقضيها وبيتهرب من دروسه يبقى يتحمل نتيجة غلطه بس جامعة خاصة انسى.
-أنا أصلًا بحضر كل دروسي وأنت عارف.. بس حصل حوار كده معايا وكان بقالي كام يوم مروحتش درس الكيميا وبعدين حاضر هرجع أحضر تاني وأذاكرها. -المستر بتاعك حاولت معاه عشان يرجعك قالي بشرط إنه بعد أسبوعين يجي يمتحن الامتحان اللي هو كان عامله وخلع منه.. ولو مجبتش فيه درجة حلوة مش هيدخلك عنده تاني وأبقى دور بقى على مدرس تاني وتبقى ضيعت أشطر مدرس كيميا في إسماعيلية. حديثه الأخير هبط على سليم كدلو ماء بارد ليرد بصدمة: -نعم؟؟
أسبوعين إيه.. أسبوعين!!! _سمعت صوت رنين الهاتف وأيقظتها من نومها في منتصف الليل. أجابت بصوت نعسان بعد أن رأت اسم المتصل سليم. ولم تتلق إجابته، بل استمعت إلى صوت تنفسه المضطرب لتعرف أنه ليس بحالة جيدة. ولم تفهم ما كان يحدث له فهو لا يتصل بها في ذلك الوقت. بصدمة قالت: -سليم أنت كويس؟ أول مرة تتصل في وقت متأخر كده.. هي عمتو وأخواتك بخير؟ صوته جاء مضطربًا وهو يغمض عينيه قائلًا: -أنا مش بخير يا بيلار.. وقعت في ورطة.
ابتلعت ريقها وهي تريح رأسها على الوسادة: -ورطة إيه؟ سليم بغيظ: -الواد أسامة الواطي كلم مروان وقاله إني مجتش بقالي كام حصة واتهربت من الامتحان ودرويش رافض يدخلني الدرس تاني وقاله قدامي أسبوعين وامتحن الامتحان بتاعه تاني ولو مجبتش فيه درجة حلوة مش هيدخلني تاني. أجابته باندفاع: -أحسن تستاهل.. عشان قولتلك يا سليم ذاكر واحضر وأنت رفضت.. وقولتلك هراجع معاك الدروس اللي مفهمتهاش. زفر سليم بضيق:
-ما أنتي كنتي هتدبسيني أشرح لك أنتي وصحابك عربي وأنا الصراحة مبحبكيش معاهم.. لو أنتي بس ماشي لكن هما لأ. -طيب ودلوقتي هتعمل إيه؟ -مش عارف هحاول أذاكر بقى. -خلاص وأنا هساعدك. ابتسم سليم بقهر: -ماشي وأنا هلبس كده. بيلار بعدم فهم: -ما أنت أكيد هتلبس أمّال هتيجي قالع؟ أغمض عينيه قائلًا بحدة: -بيلا تصبحي على خير. -مش فاهمة هو أنا فهمت غلط؟ -لا ده قلش مصري ومتسألينيش يعني إيه قلش عشان مش قادر أشرح.. باي.
_بعد مرور عدة شهور.. أول يوم امتحانات.. كان يصلي الفجر مع أخيه في المسجد القريب من المنزل. وبعد انتهاء الصلاة رفع يديه ودعا من قلبه: -يارب استودعتك مستقبل أخواتي فجمله كما شئت. خرج من المسجد مع أخيه، ليجده شاردًا قليلًا وملامحه جادة على غير عادته. وبمجرد دخولهم المنزل جلس في غرفة المعيشة، وبعد ذلك دخلت أخته وأمه. وكانوا لا يزالون يرتدون إسدال الصلاة، وربت مروان على كتف أخيه قائلًا:
-أنا فاكر آخر مرة زعقتلك فيها كنت متضايق عشانك.. بس أنت أثبتلي بعدها إنك فعلًا بتسمع الكلام وخايف على مصلحتك. نظر إلى شقيقته التي جلست بجانبهم فوضع يديه على كتفيهم قائلًا بنبرة حانية: -قبل أول امتحان ليكم في الثانوية العامة أنا عايز أقولكم إني فخور بيكم أوي وأنتوا تعبتوا لحد ما وصلتوا لليوم ده وأي نتيجة إحنا هنفرح بيها. همست سعاد بتأثر: -وأنا واثقة إنكم هتفرحوا وهتفرحونا. -يارب يارب. لتردف سعاد قائلة بتمني:
-إحنا هنرضى باللي ربنا كتبه، والمجموع اللي هتجيبوه هنصلي ركعتين شكر لله عليه ونحمد فضله.. بس ربنا قال اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك وأنتوا سعيتم وتعبتم وربنا هيقدر تعبكم ده. عانقتها جومانة بحب: -شكرًا يا أحلى ماما في الدنيا.. شكرًا على إنك بتطمنينا أنتي ومروان. _في الصباح.. ذهب كل من شكري مع ابنة أخيه. بينما شعر بتوترها فهي ستؤدي امتحان اللغة العربية لأول مرة في مصر. قبل رأسها وقال بنبرة مشجعة قبل أن تنزل من السيارة:
-بيلا يا حبيبتي مالك.. -خايفة يا عمو.. قلقانة أوي. -ليه بس يا حبيبة عمو.. ادخلي الامتحان بقلب جامد واعتبري إنك داخلة امتحان درس عادي. -شكرًا يا عمو إنك موجود.. كفاية إنك وصلتني لحد الامتحان كمان. -عشان تطمني يا حبيبتي.. وعايز أقولك حاجة قبل ما تدخلي الامتحان. ليردف قائلًا: -فكري في الشهر ده على إنه نهاية الرحلة، نهاية كل التعب، ودايمًا خليكي فاكرة إن مش السنة دي هي المقياس. ابتسمت له وهي تقبله من وجنته بتأثر.
_يوم ظهور النتيجة.. كانت جومانة جالسة أمام جهاز الحاسوب في الصالة وأمامها والدتها. سعاد بتوجس: -ها يا جومانة مفيش أخبار يا حبيبتي؟ زفرت جومانة بضيق: -لا لسة ربنا يستر النت الزفت ده مبيجمعش. دخل مروان في تلك اللحظة ثم قال: -متقلقيش كده خير واللي يجيبه ربنا خير. جومانة بتوتر: -خير اللي مكتوبلي عند ربنا هشوفه. رن هاتف مروان: -أيوة يا علا. -سليم وجومانة عملوا إيه؟
-جومانة بتجمع في الشبكة مش بتجمع والنت تقيل أوي على الموقع وسليم عند خاله بس سايب رقم جلوسه. -طيب هات أرقام جلوسهم.. أنا جبتها لابن عمي من موقع كده وفتح. -حاضر هبعتهولك في مسدج. -تمام.. متقلقش إن شاء الله خير. بعد مرور ربع ساعة.. هاتف مروان فأجابه بسرعة: -أيوة يا علا. نظر كل من جومانة وسعاد تجاه مروان بتوتر.. فقالت جومانة بشك: -شيلت تاريخ دور تاني صح؟ رمقتها والدتها بغضب: -إيه الفال الوحش ده اسكتي.. مروان إيه حصل؟
مروان بجدية: -تمام شكرًا يا علا.. يلا سلام سعاد بلهفة: -إيه حصل يا مروان؟ مروان بنبرة ساخطة: -بنتك الدحيحة. -مالها؟ -جابت 75%. صرخت جومانة بسعادة عارمة: -الحمد لله يا أخي خضتني افتكرت شلت تاريخ. مروان بسخرية: -ودا إن شاء الله تدخلي بيه إيه! ضحكت جومانة قائلة: -كليات الشعب طبعًا... لتردف قائلة:
-وبعدين مين اللي كان بيقولي المجموع اللي تجيبيه يا جوجو وبراحتك يا جوجو يا حبيبتي وأنا معاكي ولا أنت بقى بتخلع من الهدية اللي هتجيبيهالي ها؟ كتم مروان ضحكته قائلًا: -مفيش فايدة فيكي ما بتنسيش أبدًا. سألتْه أمه بقلق: -سليم عمل إيه جابتيهاله؟ -آه صحيح نسيتوني... سليم جاب 95%. والدته بفرحة عارمة: -الحمد لله يا رب... الحمد لله. مروان وكأنه تذكر شيئًا ما: -آه صحيح... علا معزومة النهاردة على الغدا... بمناسبة نجاحهم.
-طب وأنت قررت إيه من حوار علا يا مروان؟ -علا ما تعرفش إني كنت عايز أخطبها أصلًا وأنا لما ألاقي مفيش حاجة في دماغي غيرها هأخطبها. _في شقة شكري... دخل سليم قائلًا: -صباح الخير. أمل وشكري: -صباح النور. جلس سليم وهو ينظر إليهم ثم قال: -أومال فين بيلار؟ -في أوضتها ومعاها ميرا... أصلها متوترة عشان النتيجة والموقع لسه بيجمع. -مروان جاب لي نتيجتي من موقع تاني. خاله بلهفة: -بجد وعملت إيه أنت وجومانة؟
-الحمد لله أنا جبت 95% وجومانة 75%. أمل بفرحة عارمة: -مبروك يا سليم يا حبيبي. نهض شكري وهو يعانق سليم بفرحة: -الحمد لله يا رب... ألف مبروك يا حبيبي. سليم وهو يهم بالنهوض: -الله يبارك فيك يا خالي أنا هأطلع أقول لهم وبالمرة أجيب نتيجة بيلار... بعد إذنك يا خالي. -اتفضل يا حبيبي وعقبالها يا رب. _في غرفة بيلار. جالسة أمام اللاب توب والدموع في عينيها وبجانبها ميرا تحاول أن تجمع الشبكة... سمعت طرقات على الباب.
قالت بيلار بصوت خافت: -ادخل. دخل سليم بابتسامة: -ها جبتوها ولا لسه؟ -لا الموقع مش مجمع... أنت جبتها؟ -95%. شهقت بيلار وميرا بسعادة: -بجد مبروك يا سليم... ألف مبروك. -الله يبارك فيكم. لاحظ بعض قطرات من الدموع على وجنتي بيلار فسألها بقلق: -أنت مالك بس كنت بتعيطي ليه؟ -خايفة قوي يا سليم من النتيجة. مسح دموعها المتبقية برقة: -ما تخافيش أنت عملت اللي عليكي وبعدين تفاءلوا بالخير تجدوه صح ولا إيه؟ -اممم صح.
رن هاتف ميرا في تلك اللحظة فاستأذنتهم وخرجت لترد على صديقتها. سليم بهدوء: -يلا نسمي الله قبل ما أحط رقم الجلوس. فتح سليم الموقع وتسمر للحظات بدون حركة. بيلار وهي تغمض عينيها بخوف: -ها عملت إيه؟ فتحت عينيها فجأة ونظرت إلى الشاشة لتجد مجموعها 84% فنظرت إليه بعينين غير مصدقتين... دامعتين... مرتجفتين... بينما هو يحاول تهدئتها... ففتحت الباب وخرجت بسرعة ثم دلفت إلى شرفة غرفة أخرى فارغة حتى لا تلتقي بعمها أو زوجته.
أسرع سليم خلفها وهي تهرول إلى الطريق المتجه لشرفة الغرفة: -بيلار اقفي. سارت في طريقها وهي تأمره ألا يذهب خلفها. -بيلار اهدي كده... صاحت به: -سيبني لوحدي. توقفت عن البكاء قليلًا... يعلم أن هذا كان حلمها... يعلم أنها كانت متعبة في ذلك العام... ويعرف كم أحبت تلك الكلية وكانت تتمناها... أحاط خصرها بيديه، واقترب وهو يسند ذقنه على كتفها. همست بقسوة: -عايزة أبقى لوحدي. رد همستها بهمسة أجشة: -ما أقدرش أسيبك. همست بحزن:
-كانت أمنيتي أدخلها! كان يريد أن يواسي حزنها، فيما دفنت وجهها بسرعة في صدره وهي تنفجر بالبكاء... حتى عانقها بقوة وربت على ظهرها... مسح على شعرها الناعم بحنان وهو يتركها تخرج كل آلامها... -كل حاجة هتبقى بخير وهتعدي. -I really appreciate it. "مقدر جدًا مساعدتك." _بعد مرور أسبوع... طرقات على باب غرفة بيلار. قالت بيلار بصوت خافت: -ادخل يا عمي. دخل سليم بابتسامة بجانب خاله: -طيب ينفع أنا وعمك؟ جففت بيلار دموعها بعشوائية:
-سليم... ادخل. سليم بقلق: -أنت كنت بتعيطي؟ مش المفروض اتفقنا تيجي إمبارح مع جومانة تعملي التنسيق بتاعك؟ اقترب منها عمها وهو يضمها لحضنه قائلًا بحنان: -بيلار... الثانوية العامة مش نهاية العالم... دي مجرد محطة من محطات قطر الحياة. أومأ سليم رأسه قائلًا: -صدقيني باقي الكليات ما تقلش قيمة عن طب ولا هندسة... لكن دي عادات وتقاليد...
وده مش معناه إني بقلل من الكليات دي إطلاقًا بس الناس دايمًا باصة إن دي كليات قمة وأي أحد دخل كليات تانية يبقى فاشل...
الثانوية العامة مش نهاية العالم نفس المواد اللي بناخدها كل سنة وبيزيد بس الضغط النفسي اللي علينا، ونبدأ ناخد دروس من شهر 7 لشهر 6 اللي بعده وإننا لازم نبقى فاكرين كل التفاصيل الصغيرة اللي بتتشرح عشان الامتحان مش هيجي غير من التفاصيل دي، وممكن برضه بعد ما نذاكر ييجي في التصحيح مصحح ضميره ميت ينقصك عشان هو مش شايف أن إجابتك مش صح من وجهة نظره... فأنت عملت اللي عليكي وذاكرت.
-الخلاصة يا حبيبتي إنك تكوني مؤمنة إن رب الخير لا يأتي إلا بالخير... حتى بعد ما مجموعك طلع أقل من هندسة فـ أنت حياتك ما خلصتش ولسه قدامك الفرص والمجالات كثيرة عشان تثبتي نفسك. بادلت بيلار عناق عمها في تلك اللحظة وسمحت لآخر دمعة تنزل لكي تمحي كل آلام تلك المحنة... وكأن بحديثه هو وسليم محى كل شيء... فربت شكري على ظهرها بحنان وهو يهدهدها ويقول لها بعض الكلمات المطمئنة... احتضنوا أبناءكم في تلك اللحظات...
أخبروهم أن الحياة آتية لم ولن تتوقف في تلك اللحظة أو اللحظات الآتية... أخبروهم أن النجاح الحقيقي هو الإرادة والقوة والعزيمة... أخبروهم أننا نتعلم كي نعيش ولا نعيش كي نتعلم... قولوا لهم إن أعظم نجاح ذلك الذي ينهض من القاع وليس الثبات على القمة... أقنعوهم أن كلية قمة وقاع ما هي إلا عادات وتقاليد... والصعود للقمة الحقيقية هو نجاحهم في الكلية... احتضنوهم وأخبروهم أنهم أدوا ما عليهم وما زال لديهم الكثير ليؤدوه...
واحذروا أن تبكوهم فتبكوا عليهم... _بداية الدراسة لأول يوم جامعة... كانت واقفة أمام الدولاب وهي تجهز ما ترتديه اليوم... دق باب حجرتها... فهتفت قائلة: -اتفضل. شكري بابتسامة: -حبيبة عمو عاملة إيه؟ زفرت بيلار بتوتر: -عمو أنا متلخبطة ومتضايقة... مش عارفة هأعمل إيه... ربت شكري على ظهرها بحنان: -لا ما تضايقيش خالص هو ده إحساس طبيعي عشان أول يوم لكن بعد كده هيبقى عادي... وهتتعودي. -طيب. شكري بتذكر: -سليم كلمني...
وقال لي إنه هييجي معاكي عشان يوصلك اطمئني يعني... وقال لي ما تقلقش أنا هأوديها لغاية المدرج. عقدت بيلار جبينها بتذمر طفولي: -عمو أنا مش صغيرة ولا لسه في مدرسة عشان يوديني لغاية المدرج. -عشان أبقى مطمن عليكي... ولا تحبي أروح أنا معاكي؟ هزت بيلار رأسها بنفي: -لا لا عشان شغلك... ما تقلقش سليم راجل وهيتصرف. شكري بسعادة: -كبرت يا حبيبتي وبقيت عروسة زي القمر... وخلاص دخلت الجامعة...
نظرت بيلار باشتياق وألم إلى صورة والدها التي أمامها على التسريحة. تحشرج صوته قليلًا: -الله يرحمه كان بيحلم باليوم ده... وبيتخيلك وأنت نازلة الصبح أول يوم... وراجعة له تحكي له عن تجربتك في أول يوم ليكي في الكلية... الله يرحمه... أكيد هو حاسس بيكي دلوقتي... لم يستطع شكري إكمال كلماته فقد خنقته غصة شديدة وهو يتذكر شقيقه... تأمل تساقط الدموع على وجنتي بيلار ومسارعتها لتمسحها...
فربت على كتفها وهو يحاول التحكم في أحزانه وهو يناولها كارت فيزا بنكية: -إحنا هنحول اليوم نكد ولا إيه... كنت هأنسى صحيح... أنا حطيت لك فلوس فيها عشان تبقي تصرفي منها براحتك وقت ما تحبي. ابتسمت وهي تمسح بقايا دموعها وهي تهتف: -شكرًا يا عمو... ربنا يخليك لي... وبعدين أنا عايزاك تصرف من فلوس بابا... أنت لحد دلوقتي ما بتصرفش منهم خالص علي. قاطعها بنفي:
-لا يا حبيبتي أنا حاطط ورثه في وديعة في البنك وفاتح حساب ليكي بأحط الفلوس اللي جدك بيبعتها من نصيبه فيه ولما تكملي الـ 21 تبقى حرة بهم... وبرضه أنا معاكي في أي حاجة... قبلته من وجنته برقة: -ربنا يخليك لي... _كان جالس منتظرهم على مائدة الطعام... وهو ممسك بهاتفه يتابع بعض الأعمال... هتفت به والدته وهي تجلس بجانبه: -أنت هتروح الشركة من دلوقتي يا مروان؟ وضع هاتفه في جيب بنطاله:
-لا يا ماما هوصل جومانة الأول وبعدين هأبقى أروح... عشان عندها محاضرة الساعة 8 وسليم وبيلار عندهم الساعة 10 ما هتروحش معاهم. -طيب يا حبيبي خلي بالك منها. ركضت جومانة نحوه وهي تصيح: -يلا يا مروان نمشي. مروان بسخرية: -ما بدري... ضحكت جومانة قائلة: -يلا عشان متحمسة. _بعد مرور ساعتين... نزلت بيلار إلى الصالة... ووجدت سليم واقفًا في انتظارها. -صباح الخير. نظر لها سليم بذهول... ثم سألها بتوجس: -هو أنت رايحة فين؟
-الكلية يا سولي. رمقها من رأسها حتى أخمص قدميها... فكانت ترتدي بلوزة بيضاء بكتف واحد قصيرة... فقال بنبرة ساخطة: -كلية إيه دي اللي هتسمح بالبلوزة دي؟ -سليم. انتفضت بقوة عندما سمعت صوته يقول بغضب: -إيه الاستهبال ده ما اتفقناش على كده؟ ولا أنت فاكرة نفسك لسه عايشة في أمريكا! تلعثمت وهي تحاول الدفاع عن نفسها: -مالها البلوزة دي one shoulder ما رضيتش ألبس البلوزة الثانية الـ off shoulder.
قاطعها سليم بسرعة تنم عن غضبه الشديد... وهو يضغط على قبضته في محاولة منه للتحكم بغضبه: -كنت اعمليها وشوفي كنت هأعمل إيه... قاطعته بيلار باندفاع: -في إيه يا سليم؟ -في إنك زي الشطورة كده اطلعي غيري البلوزة دي والبسي حاجة مقفولة... عقدت ذراعيها على صدرها قائلة بعناد: -لا بتهزر... مش كفاية بسببك غيرت حاجات في ستايل لبسي... وكذا حاجة تقولي عليها لا لأ. -يلا يا حبيبتي غيري هدومك... وعمومًا عمي راح شغله أصلًا...
وبراحتك أنا ما عنديش مشاكل ما أروحش الكلية من أول يوم... ولو عمتك سألت هأقول لها أنت السبب في غيابي أول يوم! -أنت ما حدش بيعرف يغلبك أبدًا. ابتسم سليم بانتصار: -يلا يا سنيوريتا غيري هدومك بسرعة. ضربته بيلار على كتفه بغيظ وهمست بخفوت وهي تتجه نحو السلم: -رخم. بعد وقت قصير... نزلت بيلار وهي ترتدي بلوزة بنفسجي بكم طويل وبنطال أبيض... -ها كده كويس؟ هز رأسه برضا: -أيوه كده ارجعي بيلار المصرية... زفرت بيلار بغيظ:
-رخم أصلًا. -بعد كده كلامي يتسمع على طول علشان ما يتقلبش عليكي. _بداخل الجامعة... وبالقرب من بوابة كلية الألسن... لاحظت بيلار دخول سليم معها. وقفت بيلار أمامه قائلة: -طيب امشي أنت بقى... خلاص عرفت المكان. سليم باعتراض: -أنا هأجي معاكي لغاية باب المدرج يلا... وهو أنا هأسيبك أول يوم لوحدك... لا طبعًا، أطمّن عليكي ونشوف جدول محاضراتك إيه والدنيا عاملة إزاي وهمشي. عقدت حاجبيها بتذمر:
سليم، أنا مش طفلة، خلاص عرفت المبنى، امشي أنت. سليم بصرامة: بيلا، أمشي قدامي، وبصي كده من أولها، ما تكلميش حد خالص، وملكيش دعوة بحد. قاطعته بيلار بسخرية وقهر: سليم، أنت طول الطريق عمال تحفّظني، والله حفظت، تحب أسمّعلك؟ هتف سليم بجدية: شاطرة. ضحكت بيلار: أنا مش هسمح لحد يتعدى حدوده. يلا امشي ومتقلقش، أنا مش صغيرة ومش هسمح لحد يكلمني. لا لا مش همشي غير لما أطمن عليكي. سليييم! هز رأسه نافيًا: والله أبدًا، رجلي على رجلك.
دخلوا إلى مبنى الكلية ودلف بالقرب من مدرج. هو ده المدرج بتاعك، حفظتي مكانه؟ أومأت برأسها بشرود: آه، تمام. لاحظ سليم نظراتها الممتعضة والضيق المرسوم على ملامحها فسألها قائلًا وهو يعلم الإجابة جيدًا: بيلار، مالك؟ أدارت وجهها حتى تخفي الدموع التي ترقرقت في عينيها: ما كنتش عايزة أدخلها، مش قادرة أنسى إن دي مش حلمي. أدار وجهها قائلًا وهو يمسح دموعها التي ترقرت قائلًا: ليه باصّالها كده؟
مش إحنا اتفقنا إن كل حاجة هتيجي هتبقى فيها الخير لينا؟ وبعدين كلية ألسن جميلة، وأي حد يتمنى يدخلها، وكلية قمة هيبقى فيها مستقبل حلو ليكي. إن شاء الله. _بعد مرور عدة أشهر... في غرفة شكري، تنحنحت أمل قائلة: اتجوز يا شكري، صدقني أنت لو اتجوزت أبوك هيلغي الشرط ده، ويمكن... قال بنبرة غاضبة: يمكن إيه؟ يمكن أخلف وأجيب ولد عشان خاطر إيه؟ عشان خاطر فلوس وأراضي؟ رمقته بنظرات قوية وقالت:
عشان بنتك تبطل تتوجّع، عشان تتجوز اللي بتحبه، ميرا اتغيرت أوي بعد ما مروان خلاص خطب علا من كام شهر. شكري بصرامة: وأنا مش هتجوز، مش هعاند إرادة ربنا، مش هروح أتجوز واحدة عشان تخلفلي عيل وأنا لا هحبها ولا هبقى عايزها، مش هتجوز عشان عادات وتقاليد وشروط ظالمة أبويا حاططهالي، جواز أنا مش هتجوز يا أمل، ولو على جثتي. أغمضت أمل عينيها قائلة بحزن:
بعد الشر عليك، أنا السبب في كل ده، لولا تعبي ده اللي جالي ومنعني من الخلفة ثاني كان زماني جبتلك عيال تانية. قبل جبينها برقة: أنتِ زي الفل، ما فيكيش عيب، وبالعكس أنا عمري ما ندمت على أي حاجة ربنا منعها عني، بالعكس بحمده على فضله ونعمه، عندي أحسن زوجة في الدنيا، وأجمل بنت، وهي عندي بمليون ولد. ابتسمت أمل بحنان: ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك أبدًا، بس قولي هتعمل إيه؟
والدك شارط إن ميرا لو متجوزتش حد من عيال عمها، وطبعًا عشان معتز بيتعامل معاها زي أخوها وهو أصغر من وجيه فهتتجوز وجيه، هيحرمك من الشغل عنده في الشركة ومن ورثك في الأراضي، أو الحل الثاني إنك تتجوز وتجيب ولد زي ما أخوك عمل.
بفكر يا أمل، بحاول أشوف طريقة أخليه ميجوزش ميرا لوجيه عشان عارف إنها لا بتحبه ولا عمرها هتحبه وأنا عمري ما هظلمها، وبما إن مروان خلاص شاف حياته من كام شهر وده أحسن حاجة عملها عشان ميرا تبطل تحط أمل في مروان وده أحسن. _في مطعم مطل على البحر، توجهت ميرا إلى طاولة مستديرة، ثم جلست على الكرسي المقابل لوجيه، وعندما رآها بدأ يتحدث بلهفة:
ميرا، طبعًا أنتِ طلبتي نتقابل عشان أكيد جدو استعجل باباكي عشان خطوبتنا بما إنك خلاص قربتي تخلصي دراستك أهو، بس أنا شايف إننا نعمل كتب كتاب معاها. قاطعت ميرا ثرثرته في الكلام: وجيه، استنى شوية. تنهد بقوة: آه، معلش يا حبيبتي، تشربي إيه الأول؟ أنا مش عايزة أشرب حاجة يا وجيه، أنا جاية عشان أتكلم مش أكتر. اندفع وجيه في الكلام مرة أخرى:
أنتِ عارفة أنا كنت مستنيكي تخلصي الكلية بتاعتك وفرحت لما جدو قال هنكتب الكتاب ونعمل خطوبة بعد امتحانات الترم الأول ليكي وخلاص الامتحانات كلها أسبوع وتخلص، و... قاطعت كلاماته وهو يحاول إفهامها ما يريد قوله: اسمعني بس يا وجيه، أنا لازم أتكلم معاك في موضوع مهم. فسألها بحذر: اتفضلي، ولا عندك اعتراض على إننا نأجل الخطوبة للترم الثاني؟ بس الصراحة أنا استنيت كتير أوي.
صمتت قليلًا، وهي تحاول أن تجد طريقة راقية لتخبره أنها لا تريد الارتباط به حتى لا تجرح كرامته ورجولته. كانت تعلم أن ما ستقوله خطأ، ولو علم والدها سيحزن بشدة بسبب ما فعلته، لكنها حتى لو لم تتزوج من مروان، فهي لا تريد الزواج من شخص لا تحبه. وجيه، أنا مش جاية عشان أتكلم معاك في اتفاقات الخطوبة، أنا جاية عشان... وضع قدمًا على قدم وهو يشعل سيجارته وهو يخبرها بنبرة قوية: جاية عشان تقوليلي عن علاقتك القديمة بمروان مش كده؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!