تناول قطعة الزجاج الحادة، يغرز طرفها في رقبته. يحمل بداخله يأسًا يكفي الكون. تحول من شخص نشيط مليء بالأحلام للمستقبل، لشخص لا يريد سوى أن ينهي حياته في لحظة. تصرخ نهر وهي تتقدم نحوه، تحاول منعه وهي تهتف برجاء ودموع: "لا يا إبراهيم، أرجوك، أوعى تعمل كده. أنت بني آدم مؤمن وعارف ربنا، بلاش تضيع نفسك في لحظة يأس." بدأت قطرات من دمه تسيل على رقبته نتيجة جرحها. ليتوقف عن إكمال ما يفعله. يبتسم بسخرية ليجيبها بحزن:
"أنا خلاص ضيعت يا نهر، مستحيل هقدر أكون حاجة بحالتي دي. وأنتِ أكتر واحدة عارفة ظروفي، مش هقدر أكون حمل على أبويا باقي حياته." يلتفت برأسه يحدث والده والدموع تغرق عينيه: "سامحني يا والدي، سامحني إني مش هقدر أكون لك الابن اللي تفتخر بيه وطول عمرك نفسك فيه. بس باللي أنا هعمله ده، هريحك." حرك رأسه محمود نافيًا، يهتف برجاء من بين دموعه:
"علشان خاطري يا ابني، بلاش تموتني. باللي أنت هتعمله ده، هتبقى قتلتني معاك يا إبراهيم. يرضيك تموتني يا ابني؟ لتتدخل نهر محاولة إقناعه: "بلاش تكون ضعيف ومستسلم، مش أنت الشخص اللي أول خبطة توقعه؟ لو مش علشانك، يبقى علشان والدك." ليضحك إبراهيم عاليًا بسخرية، وكأنها ألقت على مسامعه إحدى الطرائف المضحكة. ليصرخ فيها بغضب، غير مهتم لمدى قسوة كلامه عليها:
"أنتِ آخر واحدة تتكلم عن الضعف والاستسلام. أنتِ واحدة جنبك أبوك الدكتور المعروف وبيساندك وبيدعمك، ومع ذلك جبانة ضعيفة مش عايزة تتغيري. قبل ما تقولي الكلام ده ليا أنا، قوليه لنفسك يا دكتورة وفوقي من اللي أنتِ فيه."
سكتت نهر وثبتت مكانها، كمن تلقى صفعة قوية مفاجئة على وجهه. كلامه صحيح وأثر بها بشدة، لكن طريقته معها عنيفة. فهو أكثر شخص يفهم مشكلتها، أهو الآخر يسخر منها كما يفعل الجميع، ولا يفهمها. كان من الممكن أن يخبرها نفس الكلام بطريقة ألطف، فعلى من يريد أن يقدم نصيحة أن يكون لين القول.
وفي تلك الأثناء، كان تجمع عدد من المارة والعاملين بالمستشفى أمام الغرفة، على أثر صرخات نهر وصوتهم العالي المنبعث من الغرفة. وفي نفس الوقت، كانت داليا تساند كنان، ليخطو بعض الخطوات في ردهة المستشفى، ليتخلص من ملله لحبسته بالغرفة من أيام، فهو لم يعتد على المكوث في مكان بتلك الطريقة. ليفاجئ بصوت صراخ نهر وينخلع قلبه لصراخها، خوفًا أن يكون مكروه أصابها. ليتجهوا ناحية مصدر الصوت ويسرع في خطاه متحاملًا على وجعه. ليصلوا عند
الغرفة ويشاهد ما يدور من بدايته. ولكنه فضل عدم التدخل ليرى كيف هي تتصرف. ليندهش عند سماع كلامها لإبراهيم، ولكن أعجب كثيرًا بصراحتها معها. هو طريقه عنيف، ويعلم أنها أحزنتها، ولكن اللين معها لم يجدي نفع، فهم حاولوا كثيرًا دون فائدة. فمن وجهة نظره، أن أحيانًا تكون طريقة الهجوم والمصارحة بالعيوب، بالرغم من صعوبتها، أفضل.
بعد انتهاء كلام إبراهيم لها، التفت بنظره لها يتفقد حالها. وكما توقع، كانت انهارت واستسلمت كعادتها، وهو مصمم على قراره. فمن الواضح أن ذلك الشاب لا يتراجع بسهولة أبدًا. عند تلك النقطة، لم يستطع أن يقف يشاهد من بعيد. اقتحم التجمع المحتشد أمام الغرفة، ليقف أمام فراشه بطلتها الطاغية. فالرغم من الإجهاد الظاهر عليه، ولكن يوجد لديه كاريزما معينة لا يفقدها بسهولة. ليهتف بثبات ولهجة واثقة: "وأنت فاكر لما هتعمل كده هترتاح؟
بالعكس، هترتاح أبوك؟ بالعكس." ليصرخ فيه إبراهيم بغضب: "أنت مين أنت كمان علشان تتدخل؟ هو خلاص بقى أي حد معدي كده يجي يديني نصايح؟ "كنان؟ هتفت بها نهر باستغراب عند سماع صوته جوارها، لتفتح عينيها تتأكد من ما سمعت. ألقى نظرة سريعة عليها، ليعود بنظره لإبراهيم يحدثه بجدية: "مش هيفرق كتير بالنسبالك أنا مين. أنا كلي، اللي طالبه منك فكر شوية بالعقل. بص على والدك وشوف حزنه، هل كده أنت هتبقى بتساعده فعلاً؟
بص عليه وشوف قهرته وابنك عايز يدبح نفسه قدامه. ده غير عقابك من ربنا في الآخرة على إنك مرضيتش بقضائُه واستحملت ابتلاءك برضا. فكر، هتلاقي نفسك بتخسر دنيتك وآخرتك، بتقهر والدك عليك. في ألف شخص زيك وعاشوا وكملوا حياتهم، مش أنت الوحيد في العالم اللي عنده مشكلة. بس الشاطر اللي بيكمل."
كلامه لامس قلب إبراهيم، فطريقته المنظمة الواثقة في الكلام تجعله مقنع. من الممكن أن يبعث الله لك رسالة على لسان شخص، ليكون لك الدافع للاستمرار. وهذا الشخص كان هو. ارتخت قبضته تدريجيًا الممسكة للزجاج، وظهر عليه التراجع، ولكنه انهار في البكاء بشدة، ليخرج كلامه متقطعًا من بين بكائه: "كان نفسي أوصل لحلمي، كان نفسي أكون بطل الجمهورية في التنس. تقدر تقولي ممكن إزاي أعمل كده وأنا في حالتي دي؟
كنت الأول على دفعتي، قولي هرجع أعمل اللي كنت بعمله ده إزاي؟ تنهد كنان بحزن على حالته، ليجيبه بثبات: "صادقني، تقدر. عمر الإصابة ما منعت حد من وصوله لأحلامه. العاجز عاجز بتفكيره، مش بجسمه." ليقترب منه بخطوات هادئة، ينتزع قطعة الزجاج من يده بهدوء دون أي مقاومة. وإبراهيم ينظر في عينيه يريد أن يسمع ما يطمئنه أكثر. ليتابع كنان كلامه: "ارضي بنصيبك، وما فيش حاجة بعيدة على ربنا. صادقني."
ليستسلم إبراهيم كليًا ويعطيه ما بيده. فايقترب منه يضمه لصدره، يشدد من احتضانه بقوة، ويبكوا سويا في مشهد درامي مؤثر. فيصيح معتز في الواقفين يبعدهم عن الباب. ليستأذن كنان للخروج وهو يتكئ على داليا، راغبًا في العودة إلى غرفته، فجرحه يؤلمه بشدة. لتخرج خلفهم نهر سريعًا بعد ما أخبرت الممرضة المسئولة عن إبراهيم، أعطائه بعض المهدئات لينام.
وصلت إليهم بعد أن وصلوا الغرفة، وداليا على وشك إغلاق الباب، لتضع يدها قبل أن تعيق إغلاقه وتدفعه بغضب، لتصيح بحدة مخرجة فيهم ما بداخلها من غضب: "أنتم إزاي تتحركوا من سريركم؟ أخذتوا إذن مين أنتم علشان تعملوا كده؟ ولا أنتم مبتعرفوش تعملوا حاجة غير إنكم تعملوا عكس اللي أنا بقوله؟ "يا نهر! هتفت بها داليا محاولة تهدئتها، لتقاطعها نهر بحدة: "أنتِ كمان هتتكلمي؟ هو ده اللي أنا سيباه أمانة معاكي؟ اتجننتي أنتِ وهو؟
مش عارفة إن ما ينفعش يتحرك؟ ليصيح كنان معترضًا بحدة: "أنتِ إزاي بتتكلمي معانا كده أصلاً؟ أنا حر أتحرك متحركش، حاجة تخصني." لتهتف نهر بحدة: "الكلام ده تقوله وأنت بره في بيتك، لكن طول ما أنت هنا، فأنت تحت مسؤوليتي، وأي حاجة هتحصلك أنا اللي هتحاسب عليها." تنهد كنان بغل، ينظر لها بطرف عينيه بغضب. فمن أين أتتها كل تلك الجرأة؟ هل كلام إبراهيم معاها أتى بثماره بتلك السرعة؟
داخله سعيد بتحولها وعدم سكوتها، ليقرر أن يضغط عليها أكثر، ليخرج أقوى ما لديها. ليهتف بتحدي: "تمام، وأنا هخرج من هنا دلوقتي حالا وهرجع بيتي أعمل اللي أنا عايزه. تمام كده؟ لتضغط هي على أسنانها بغيظ، فهي تموت رعبًا داخلها عليه، خائفة من إصابته بأي مكروه. فعد روايته يقف جوارها بالغرفة، نست كل شيء وكادت تجن لإهماله في صحته، فجرحه ليس بهين. تخاف عليه وهو كالبله يعاند مع غير مهتم بنفسه. لكتفت ذراعيها أمام صدرها، تهتف بثقة:
"ومين سمحلك إنك تخرج أصلاً؟ مافيش خروج غير بإذني، بما إني الدكتورة بتاعتك، وأنا مش موافقة. أنت هنا هتنفذ أوامري بس." رفع حاجبه الأيسر بتعجب، ليصيح بغيظ: "نعم ياختي، أوامرك؟ أنا؟ على آخر الزمن هبقى تحت رحمتك أنتِ؟ نظرت له بتحدي أكبر: "ومالها؟ أنا إن شاء الله مش عاجباك؟
داليا تتابعهم من بعيد، تضع يدها على فمها تحاول كبح ضحكاتها بصعوبة على منظرهم كطفلين مشاكسين يحاولان إغاظة بعضهم. وفي داخلها فرحة كبيرة بتغير نهر وعدم سكوتها، وتحدثها بتلك الثقة. فهي في الفترة الأخيرة تقربت منها جدًا، وأخبرتها نهر بكل تفاصيل حياتها، وهي ألقت عليها بعض النصائح، ومن الواضح أنها تعمل بها الآن. لينظر لها كنان من أسفل لأعلى باستخفاف، يتعمد إظهاره، يرسم ابتسامة ساخرة على طرف فمه، يهتف بسخرية:
"بقى أنا هسمع كلام واحدة جبانة زيك؟ ده أنتِ كنتِ شايفة الولد بيموت نفسه قدامك، وأول ما قالك كلمتين وهزقك سكتي؟ حتى محاولتيش تدافعي عن نفسك؟ أنا مش عارف واحدة زيك مخلينها دكتورة مسؤولة عن أرواح الناس إزاي؟ لنتصرخ فيه نهر بغضب، تخرسه. فهي تلقت من الإهانة ما يكفيها اليوم. لا يوجد من يرحمها، الجميع لا يفهمها، لا يقدر حالتها.
ليثبت كنان نظره عليها، يراقب رد فعلها. فهو يعلم صعوبة كلماته عليها، يخرج لسانه وقلبه يعنفه على قسوته معها، لكنه يقسم داخله أنه يؤلمها ليساعدها، فلا يوجد علاج من مرض بدون الألم. وكان كلاماته كانت العاصفة التي حركت مياه النهر الراكده. يكفي عليها ما تلقته من ضغوط طول حياتها، لتفجر بوجهه كالبركان. تحركت نهر ناحيته بخطوات غاضبة وهي تصيح بقوة وإصرار: "أنا مش جبانة، سامع؟
مش جبانة، ومش هسمح لأي حد يقولي كده تاني أو يزعقلي كده. أنتم كلكم الأغبياء وفاكرين العيب فيا أنا؟ بكرهكم كلكم، بكرهكم. ومن النهارده هتشوفوا واحدة تانية. البني آدمة اللي الكل عين نفسه حاكم عليها علشان طيبتها الزيادة، النهارده اعتبروها ماتت، ماتت واندفنت، يا كنان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!