طبعًا اللي سهل عليا دا السنيورة مراتك، لأن من بعد ما عرفتها وأنت تركيزك قل مبقتش تقرا كل الورق بدقة زي الأول، فا أنت مضيت بكل راحة. يعني ورقة واحدة دمرتك. وكمان يا نوح مش هفضل أنا ورا الستارة وأنت اللي ظاهر، لازم أظهر أنا كمان. يعني زي ما طلعتك فوق، نزلتلك تحت، فاهم؟
كان الحديث يقع على نوح كالصاعقة. يبدو أنه حلم، لا لا بل كابوس. كابوس مميت. صديقه الوحيد قام بخيانته. انهيار كامل. كأن عمارة فاخرة انهارت فجأة أصبحت أتربة. "ايه يا نوح؟ القطة أكلت لسانك ولا إيه؟ حاول نوح التماسك جيدًا، فالآن أصبح معتصم مثل الغرباء، لا يجب أن يرى ضعفه. فهتف:
"لو فاكر إنك لما تاخد ثروتي كلها إنك كده علمت عليا، غلطان يا معتصم. بس خدها، أنا نوح الباشا زي ما عملتها هعمل غيرها كمان. بس اللي مزعلني حاجة واحدة إنك خونت العيش والملح اللي كلناه سوا. دا أول لقمة بينا أنا قسمتها بينا بالنص، تقوم تطعني في ضهري. حلال عليك الثروة كلها وعارف إنك حطيت إيدك في إيد سليمان، بس هتلوث فلوسي بالدم يا معتصم."
لم ينتظر نوح الرد وأغلق الهاتف في وجهه. وقف أمام المحل، لا يعرف ماذا يفعل. أصبح لا يمتلك مالًا نهائيًا. وثق في شخص واحد منذ بداية عمله، كان صديقًا له وأخًا، والآن يقوم بسرقتي. مجرد أمضى على ورقة، جعلته لا يمتلك شيئًا. اقترب من أقرب حائط، أسند ظهره عليه، كأنه وقف على سُلم من الدرج، لا يقدر على التقدم أو الرجوع. لم يُظهر أي رد فعل، إلى الآن لا يصدق. تم استغلاله بطريقة قذرة. اعتدل في وقفته ودلف إلى المحل مرة ثانية،
وجه حديثه إلى البائع: "أنا آسف جدًا بسبب الموقف السخيف ده، بس في خطأ من البنك، وللأسف معيش كاش، فاستأذن حضرتك إني ألغي الأوردر." هتف البائع بكل احترام: "ولا يهم حضرتك يا فندم، ولو عاوزني أعمله من غير أي حاجة عادي، إحنا في الخدمة." ابتسم له نوح ورد بكل سرور: "شكرًا جزيلًا ليك، هاجي مرة تانية، السلام عليكم."
غادر نوح من المكان وهو تائه. وقف في منتصف الطريق لا يعلم إلى أين يسير. الهواء يضرب في وجهه كأنه يُحركه يمينًا ويسارًا. قدماه ثقيلة، لا يقدر على الحركة.
نظر حوله. كل الناس تسير في طريقها. قهقهة الأطفال، خطوات الدراجات، منبه السيارات. الحياة تسير دون توقف. هو فقط من تغيرت حياته رأسًا على عقب. رفع يده أمام وجهه، شعر بإحساس غريب. يده التي كانت تمضي العقود وتتحكم في المال كانت كأنها حبوب أرز. تصميماته. الآن اليد فارغة، ضعيفة، لا تمتلك ورقة واحدة. ابتسم ابتسامة مكسورة، وقال بصوت خافت: "معقولة يا نوح؟! معقولة بعد السنين دي كلها تبقى واقف في الشارع تايه كده؟!
جلس على الرصيف، وضع رأسه بين يديه، يسترجع الذكريات. أول مقابلة بينه وبين معتصم، أول سفر، أول مال استجمعوه سويًا. الضحك، الحزن، السعادة. لحظة عندما قسم أول طعام بينهم. كأن الشريط أمامه يُعيد كل شيء. منذ ساعات كان شريطًا سعيدًا لصداقة وافية، الآن شريط حزين لخيانة صديقه. سقطت عبراته غصبًا، لكنه أزالها سريعًا، وهو يلتفت حوله ينظر إذا رآه أحد. وقف عن الرصيف وهتف مُحدثًا نفسه: "خلص... أنا وقعت، بس مش هفضل واقع. هقوم...
هقوم مهما حصل." ثم نظر إلى السماء وهو يستنجد برب العالمين الذي لا يتركه في محنة أو ضيق، وقال: "يارب... في غرفة موج كانت تقف في منتصف الغرفة تضم الغطاء الناعم إليها. لأول مرة منذ رأت نوح تشعر بالبرد. القلق ينهش قلبها من الداخل خوفًا عليه، لكن الآن تريده بشدة. الآن تشعر بالوحدة والخوف والقلق. تعلم أنها عنيدة حد اللعنة، وهو لم يفعل لها أي شيء يحزنها.
أمسكت هاتفها الذي أصر عليها أن يظل معها، بعد أن قامت بإرجاع كل شيء جلبه لها. قامت بفتح المحادثة بينه وبينها وقامت بكتابة جملة واحدة: "نوح... أنت رحت؟ مرت ثوانٍ، دقائق، ساعة كاملة، ولم يجب نوح، وكانت هذه أول مرة لم يجب نوح. خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، قلبها خائف، وكأن جدران المنزل كلها تضغط عليها. خرجت للسُّطح، وقفت عند الحافة تنظر إلى الأسفل.
الأشخاص تسير بكل راحة، أصواتهم متداخلة. طفل يركض خلف الكرة، رجل ينادي على بضاعته، نساء يتشاجرن سويًا. الحياة تسير مثل كل ليلة. أما هي فكانت تقف تراقبهم بعينين غارقتين في التفكير، ثم همست لنفسها: "إزاي يا نوح؟! إزاي دي أول مرة ما تردش عليّ؟ هواء بارد يصد بها، ضمت نفسها بذراعيها، ثم أخرجت هاتفها من جيب المنامة. قامت بفتحه، نظرت إلى اسمه الذي يزين الشاشة، ترددت قليلًا لكن بالنهاية ضغطت على زر الاتصال.
وضعت الهاتف على أذنها، تسمع صوت الرنات. كل رنة كانت تدق في قلبها. فتح الخط سريعًا، قالت بصوت مهزوز: "يا نوح... لو سمحت تعال، أنا مش مطمئنة، أنا خايفة." "أنا جاي." كانت هذه الكلمة الوحيدة التي نطق بها نوح، لكنها حملت معها وعدًا صادقًا. أغلق الخط دون تردد، قلبه يسبق جسده. ركب سيارته وأدار المحرك بعصبية، ضغط على دواسة البنزين بكل ما أوتي من قوة، والطرقات أمامه صارت ضبابية من شدة القلق.
لم يفكر في شيء سوى أن يصل إليها، أن يكون بجانبها، أن يُطفئ خوفها قبل أن يُطفئ خوفه هو. دقائق كان أمام المنزل، صعد إليها سريعًا وجدها تقف تنتظره، هتف بكل خوف: "مالك؟ حصل حاجة؟ "مفيش بس قلقت عليك." عقد حاجبيه بغرابة من نبرة صوتها وقال: "لا أنا كويس ماتقلقيش، أنا لازم أمشي." "ليه؟ "هرد ساخرًا: مش جوزك دا أولًا، ثانيًا إزاي الناس تقول علينا إيه، وبعدين عندي مشاكل لازم أمشي." "مشاكل إيه؟ "رد
بكل برود: ولا حاجة، بقيت على الحديدة." "يعني إيه؟ "يعني بقيت على الحديدة، معتصم بورقة توكيل مني بالتصرف في كل حاجة امتلكها، باع لنفسه كل حاجة، مبقتش أمتلك حاجة نهائي، حتى العربية بكرة الصبح هتكون معاه، يعني معييش غير الهدوم اللي عليا وبس. عارفة قالي إيه كمان؟ قالي السنيورة اللي أنت حبتها، أكلت عقلك، لدرجة إن الورق اللي مضيت عليه مقراتهوش، شوفتي بقا قد إيه أنا كنت مغفل."
كانت موج في صدمة من حديثه، طريقته كانت باردة في الحديث، كأنه تحت تأثير الصدمة. همست: "إزاي؟؟ أكيد في حاجة غلط؟ معتصم يعمل كده وفي مين؟ فيك أنت؟ "آه عمل، وفيا أنا. الأخوات بيخونوا بعض. معتصم مش هيخوني، مجتش عليه. المهم إنه ميشغلش الفلوس في حاجة حرام، أنا مسامح." صاحت بصوتٍ عالٍ: "مسامح؟؟ مسامح في إيه؟؟ في شقا عمرك، في مالك اللي فضلت بعيد عن أهلك علشانه!؟ دا تزوير دا حرام؟؟
كلم أي حد يا نوح، كلم الناس في سويسرا، أكيد في حاجة غلط." "أيوه قوليلي، أروح أموته صح؟ دا حل؟ بس برده مش هاخد حاجة، بس لازم أشوف الورق، افهمي يا موج الورق لو صح يبقى أنا فعلًا مليش حاجة عند معتصم." ثم استطرد: "أنا لازم أمشي يا موج، خلي بالك من نفسك." جاء ليُغادر لكن أمسكت معصمه بقوة. "رايح فين؟ نظر إليها نظرة طويلة، مليئة بالحزن. "ماشي." "هتفت بكلمة واحدة: ماتمشيش، خليك أنت شكلك تعبان أوي."
"ماينفعش أفضل هنا يا موج، دا أفضل ليكي وليا." شعرت بكسرة قلبه، تعلم أنه لا يريد أن يرى أحد حزنه. همست: "طب هتروح فين؟ "صاح بها بصوتٍ عالٍ: هتصرف يا موج أنا مش عيل في أي." صمتت لبضع ثوانٍ، نظرت له واغورقت عينها، قلبها ينبض بقوة من الخوف. همست بخجل: "طب… طب ما تسيبنيش لوحدي يا نوح، أنا… أنا عاوزاك تفضل معايا، تكون جوزي بجد."
تجمد نوح في مكانه، صوته العالي لم يظهر، نظر إليها بصدمة لا يعرف، يفرح لقربها له وهي من تطلب، أول حزنه أنه لا يقدر على عيشها في نفس المستوى السابق، لكن اقترب وهمس بصوت هادئ: "موج… أنتِ فاهمة أنتِ قلتي إيه؟ هزت رأسها بخجل وهبطت عبراتها، وقالت: "آه فاهمة… مش عايزة تمشي… عايزة تكون معايا على طول." هو أخذ نفسًا عميقًا، وصوته أصبح مليئًا بالحنو:
"كنتِ لازم تقوليلي ده من زمان يا موج، قولتي متأخر يا موج متأخر، دلوقتي في الحال دا، مقدرش أشيل ذنبك…."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!