الفصل 15 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
16
كلمة
2,166
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

في صباح يوم جديد في منزل "الباشا"، كانت وفاء تقف في المطبخ تحضر الكثير من الأطعمة، الفرحة تغمرها. اليوم سوف تطل الشمس على منزل "الباشا"، منذ مغادرة نوح والظلام تمكن من المنزل، والآن بعد اثنا عشر عامًا عادت العائلة كما كانت، بل زادت أفرادًا. كان عبدالعظيم يستند بجذعه على الحائط في مقدمة المطبخ، يستنشق رائحة الطعام التي كان يستنشقها منذ أعوام. هل زوجته سوف تسامحه على ما حدث منه؟

غياب طفلها أعوام وعودته شاب مقبل على الثلاثين من عمره؟ لكنه هو طفلها، كان يريد أن يكون مهندسًا مشهورًا، لكنه عاد وهو يحقق حلمه ويتفوق على الجميع، يكفي أنه فعل شيئًا يحبه. -مالك يا عبدالعظيم هتفضل واقف تبصلي كده كتير ولا إيه؟ كانت وفاء تتحدث وهي تقطع حبة البصل، تلاحظ نظراته دون كلام. عقد يداه أمام صدره وأخذ نفسًا عميقًا واردف:

-حاسس إني واقف في المطبخ من اتناشر سنة، ريحة الفول اللي بتعمليه بمزاج علشان خاطر نوح بيحبه، بعد ما نوح مشي كنتِ بتعمليه مرة في الشهر يمكن، العسل والطحينة اللي صحيتي مخصوص نزلتي جبتيه من نفس الراجل اللي نوح كان بيجيب من عنده، قد إيه أنا ظلمتك قبل ما أظلم نوح، كنت سبب إني أبعد ابنك عنك سنين.

كانت وفاء تستمع له، كان الجرح ينزف من جديد، وليس جرحًا أغلق عليه منذ أعوام. أغمضت عينيها بشدة، وهي تتذكر أول يوم ترك فيه نوح المنزل كيف مر عليهم. -خلاص بقى يا عبدالعظيم، اللي حصل حصل، المهم إننا سوا وخلاص، يلا بقى نكمل الفطار، لحد ما يصحوا الولاد. اقترب منها وهو يمسك الفراش الذي يضعه على السفرة وهم بالحديث: -البنت اللي ابنك اتجوزها دي لو رجعت لها الذاكرة تبقى كارثة على راس ابنك، هو اللي هينضر. اقتربت سريعًا

وضع كفها على فمه وهتفت: -بس اسكت لتسمعك، هو هيتصرف، الصراحة البنت كويسة ولطيفة وشكلها يا حبة عيني عاشت أيام زفت، معرفش إيه اللي حصل بس هو هيحصل مشكلة لما تفتكر بس خير، يارب تكون حبته. *** في غرفة نوح، كانت موج استيقظت قبل عدة دقائق، وقفت أمام مكتب نوح وجدت عليه جميع كتب الثانوية العامة مازالت في مكانها، كأنه أمس. جلست على المقعد وقامت بفتح أحد الأدراج، أخرجت دفترًا صغيرًا، يغمره الأتربة والغبار.

أخذت محرمة تزيل الأتربة، وقامت بفتح الصفحة الأولى وجدت تصميمات نوح القديمة، وأسفل كل تصميم يوجد بعض الجمل تصف التصميم. كان التصميم كنزة صغيرة من الصوف الناعم، نسجت بخيوط متشابكة كأنها تحتضن الدفء، كانت الألوان تبرزها كأنها واقعية. وتوالت الصفحات بعد ذلك، فإذا بها تكشف عن تصميم لطفلة صغيرة، فستان رقيق يزدان بزهور مطرزة على أطرافه، يبعث في الناظر إحساسًا بالبراءة والبهجة. أسفله يُدون

بعض الكلمات: "سوف يكون هذا أول رداء لطفلتي الأولى، أول من يضع على جسدها الصغير، مثل عناقي الأول لها، سوف يكون الرداء الأول لها". "نوح والدك أيها الصغيرة سوف أنتظرك على أحر من الجمر، سوف أختار والدتك بعناية واضحة، حتى أقع في حبها مرتين، مرة عند اللقاء بها، وأخرى عندما تأتي أنت". كانت منسجمة مع الكلمات، لم تشعر به عند إفاقته من النوم، وجاء خلفها وجدها تقرأ كلماته. تمتم بهدوء حتى لا يخيفها: -عجبك الكلام؟

استدارت ونظرت لوجهه، خصلاته الغير مرتبة، دقنه التي أصبحت أجمل عندما كبرت قليلًا، ابتسامته الخفيفة، وهتفت: -جميل أوي. أراد مشاكسها، رد: -أنا ولا الكلام؟ رد عليه بمرح: -أكيد الكلام يعني. استمع حديث والدته من الخارج وهي تقول: -يلا يا نوح، يا موج الفطار يا ولاد، يا سامح أنت وسما، حد يشوف نوح الصغير هيصحى ولا زي كل مرة. ابتسم نوح بسعادة وتعالت صوت ضحكته، حتى نظرت إليه موج بغرابة وهتفت: -غريبة بتضحك على إيه؟ ابتسم

حتى ظهرت أسنانه بوضوح: -أصل وأنا صغير كانت أمي على طول تصحيني كده، يلا يا عبدالعظيم، يلا يا ولاد الفطار جاهز، يا عمي حد يشوف نوح هيقوم ولا لا، تقريبًا كده نوح الصغير كبر وبقى بدالي نسخة تانية نوح ابن سما، تقريبًا كده الزمن بيعيد نفسه من تاني، يلا قومي غيري هدومك عقبال ما أصحى نوح، وهنرجع الفيلا بعد الفطار، كفاية كده علشان عندي شغل. قال ذلك واقترب يضم وجهها بين يديه يقبل وجنتيها، ثم اتجه إلى نوح. ***

بعد مرور عشرين دقيقة، كان الجميع يجلس حول السفرة، عبدالعظيم على المقدمة، على يمينه نوح، وموج، على اليسار سامح، وسما، ووفاء. كانت وفاء كل دقيقة تقف تضع الطعام في طبق نوح، لاحظ الجميع سعادتها بعودة نوح. هتف سامح بجدية: -نوح أنت ناوي تفضل في مصر ولا ترجع سويسرا تاني؟ نظرت وفاء إلى نوح بصدمة، كيف! يتركها مرة أخرى؟ انتظرت رده. أخذ نوح كأس الماء، ارتشف منه القليل ثم هتف:

-لا ناوي أشتغل هنا أكتر، بس سويسرا حاجة تانية، عالم الموضة حاجة بعيدة عن مصر طبعًا، بس شركة سويسرا شغالة طبيعي كأني موجود بالظبط، وكل شهر أو أكتر أسافر كام يوم. ونظر إلى موج قائلًا: -وبالمرة أعمل شهر عسل كل فترة. اكتفت موج بابتسامة بسيطة، وقامت سما بالتصفيق له: -أيوه يا عم الرومانسي. ابتسم نوح على حديثها، وظل الحديث بينهم حتى انتهوا من الفطور. بعد قليل استأذن نوح وموج، لأن نوح يلتزم بمواعيد عمل. ***

بعد مرور عدة ساعات، كان نوح في مكتبه، ينظر إلى الأوراق التي أمامه. دق الباب ودلف معتصم بعد ما سمح له بالدخول: -فين يا عم، هو الجواز بيخطف كده؟ -لا يا عم، أصلي بايت في البيت القديم مع أمي وأبويا وأختي جت، وكمان موج. المهم سليمان جالي البيت. صدم معتصم من حديثه وجلس على أقرب مقعد وهتف: -يعني إيه جالك البيت؟ هي البجاحة وصلت لحد كده ولا إيه؟

-هو ده اللي حصل، علشان كده عاوزك تزود الحراسة على موج من غير ما تحس وعلى الفيلا، وعاوز كاميرات في كل ركن في الشركة، حتى مكان البوفيه والمطاعم اللي تحت تمام يا معتصم. أومأ له معتصم برأسه وهو يفهم خطورة الموقف جيدًا وهتف: -طب كويس جدًا، المهم بقى الشركة في سويسرا لازم تسافر تقعد على الأقل كام يوم هناك، متنساش إن دي الشركة الأم، حاول تسافر، علشان الناس اللي هناك متفتكرش إننا فكينا من إيدينا.

-فاهم يا معتصم حاضر في أقرب وقت هسافر. غادر معتصم وقد ارتسم على وجهه مزيج من العزم والاطمئنان. ظل نوح جالسًا أمام مكتبه، يطالع الأوراق بعين دقيقة، يتفحص الأرقام والتصميمات كأنه ينقب عن سر خفي. *** عاد نوح من عمله وقد أرخى الليل ستاره على المدينة، كان الشارع يزين بأضوائه الخافتة، ودلف إلى المنزل وهو يشعر بثقل يوم طويل.

ما لبث أن لاح له أثر ضوء دافئ يتسلل من تحت باب الغرفة التي اعتاد أن يجلسوا فيها، ضوء خافت، ورائحة قهوة بلمسة ياسمين، وأنغام هادئة تترنم في الخلفية. دلف نوح وهنا هدأت الموسيقى كأنها تنتظر لحظته، فرأى موج قد أعدت له مفاجأة بسيطة، سفرة صغيرة على الأرض، وسجادة ناعمة، ووسائد متناثرة، وشموع تترنم بلهيب صغير. كانت موج تقف قبالته بزي يرتاح له نور الشمع، وعيناهما تلتقيان قبل أن يعلنا أي كلمة.

وقف نوح للحظة يتأمل ثم ابتسم ابتسامة خففها التعب، ومال إليها بخطوات هادئة. -إنتِ عاملة كده ليه؟ قالها نوح بلهجة، وكأن السؤال ليس عن السبب بل عن الأحداث. ردت موج بصوت منخفض ومليء بالمزاح والصدق: -عشان اشتقتلك وأحبك ترجع تلاقي مكان يعيش القلب شوية. اقترب نوح منها حتى وصل إليها. مدت موج يدها لتمسك كفه، فلمسها بحب وأغلق على يدها بحب. كان اللمس قصيرًا لكنه كان كفيلاً بأن يوقظ أشياء منسية.

-تعال قعد معايا هنا شوية، خلي الدنيا برا تمشي. قالت وهي تشير إلى الوسائد. جلسا متقابلين، فمد نوح ظهره على الوسائد، ومدت هي قدمها لتستلقي متمددة وكأنهما في سماء صغيرة خاصة بهما. التقت أنفاسهما، وكان الكلام بينهما ينزلق إلى همسات تكاد تكون مسموعة. -أنا كنت بفكر فيك طول النهار.. وانتِ عارفة قد إيه؟ لم تكن هناك عجلة، كانت اللحظات تطوى كما تطوى صفحات كتاب محبوب.

يتقاصان أحاديث صغيرة عن نهاره وعن ما صنعته، وعن أغرب حلم رآه أحدهما. ثم مال نوح في اتجاه موج، ولم تكن سوى قبلة هادئة، طويلة بما يكفي لتخبر أن الكلام قد اكتفى للحظة. -نوووح…..نوح…. فاق نوح من غفوته ونظر أمامه وجد نفسه في السيارة لم ينزل، وكان كل ما يحدث هو مجرد حلم فقط. وجه الحديث لنفسه: -آخرتها بتحلم بيها وانت صاحي، كمان نادت علي في وقت رخيم ماشي يا موج. خرج من السيارة وهو ينظر إلى الأعلى وجدها تطل عليه من الشرفة:

-طالعة يا موج، كان معايا مكالمة شغل بس. *** -لقيتها لقيت العنوان. هبت واقفة عن مقعدها وهي تسرع إليه وتقول: -انطق ياض… لقيتها فين المخفية دي… هيا ولا حد خدها؟ -لا هيا… لقيتها قاعدة في بيت واحد اسمه نوح الباشا….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...