الفصل 16 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
19
كلمة
1,728
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

في أحد الفنادق المشهورة في "سويسرا"، الذي يتميز بالفخامة والعلو، وجهته من الزجاج الذي يعكس الرؤية، تصميمه الجبار، كاد يلامس نطحات السحاب، يتكون من عدة أدوار لا تعرف عددها، لا يُقام به إلا ذو سلطات كبيرة. وقفت في منتصف الجناح تنظر إليه بعيون متلألئة، لأول مرة ترى هذه الأشياء، كانت تراها في التلفاز فقط. اليوم أصبحت من هذه الطبقة بفضل "نوح" الذي ظهر في حياتها فجأة، لكن تتمنى أن تتذكر حتى تتذكر أول مرة التقت بـ"نوح".

ولج العامل يضع الحقائب في أرضية الغرفة، ثم قفل نوح الباب بقدمه، خلع عنهُ سترته، وجدها تقترب من النافذة تستنشق الهواء، ثم تزفره رويدًا رويدًا. اقترب ليقف إلى جانبها، وضع راحة يده على أحد كتفيها، فابتسمت ابتسامة عريضة، وقد رأى نضارة وجهها تتلألأ في ضوء المساء. سكنت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: -حاسة إني بحلم، معرفش ليه، نوح أنت ممكن تكون حلم؟

أنزل يده بجانبه ووقف أمامها، فتقل المسافة بينهما، مد سبابته برفق، ثم رفع ذقنها بخفة، كأنما يدعو ملامحها إلى أن تزهر في عينيه. تلاقت عينها بعينه، وهمس: -ولو طلع حلم يا موج هتعملي ايه؟ كانت علامات الاستفهام تتسابق في عقلها، وهمست له: -معرفش بس هفضل أدور عليك، ولو لقيتك وأنت متعرفنيش، هحاول أخليك تحبني، بس يا ترى ساعتها، نوح هيرضى يتجوز موج بتاعت السمك؟ رد وهو يربت على يدها برفق كما لو كان يختم وعده:

-لو كانت موج البحر هي اللي مفرحاني ومكفيني، أنا مستعد أعيش على شط حبها طول العمر. سكتت لحظة، ثم همست قريبة من أذنه: -لو حلم، أتمنى أفضل بحلم، ولا إني أصحى وأقابل حد تاني. أجابها وهو يقرب وجهه من وجهها حتى اكتسى الكلام بصوت شبه مختنق بالانفعال: -بموتي يا موج، بموتي إنك تكوني لحد تاني، أنا وبس. ثم مد يده بحنان فمسح خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم استطرد: -فاهمة؟ همست برفق: -فاهمة.

أغلقت عيناها لثانية، وابتسمت ابتسامة ترتجف فيها شجونة من الفرح، ثم مالت رأسها نحوه، فوضع شفتيه برفق على جبينها كما لو كان يبارك بداية عهد بين قلبين. قاطعهما صوت دقات الباب، فتحت عينها سريعًا وهربت من أمامه. ضرب كفًا على كف، وتحرك باتجاه الباب، وقام بالفتح، وجد العامل يمد يده بظرف مغلق وهتف: -سيدي، هذا الظرف جاء منذ دقائق. أومأ له برأسه، وشكره، ثم أغلق الباب.

استمع إلى خرير الماء، فاستدل على أنها تنعم بحمام دافئ يزيح عنها عناء السفر والألم. جلس على أقرب مقعد، قام بفتح الظرف المغلق، وجد بداخلها دعوة عن افتتاح "أتيليه فخم للأزياء في سويسرا"، أحد أحدث دور التصميم في العالم، حيث تعرض آخر صيحات الموضة وتقدم لمحات فنية راقية.

أخذ يقرأ الدعوة بتمعن، فتخيل الألوان والأقمشة والفساتين الفخمة التي ستتزين بها العارضات، وفكر في كيف سيكون الحدث مناسبة تجمع بين الفن والجمال والأناقة الرفيعة على ضفاف جبال الألب الساحرة. -الورق معايا، في أقرب وقت هيكون نوح على الحديدة، حتى الحديدة مش هيلاقيها. كان هذا حديث مجهول لم يكشف عن هويته إلى الآن. جاء الرد بنبرة واضحة حادة: -نوح لازم قبل ما يموت، يعيش أسوأ أيام حياته قبل ما يموت، الموت راحة.

-أكيد بس الصبر، وكل حاجة مع نوح الباشا هتكون ملك لينا. هتف الطرف الآخر بعد ما أشعل أحد سيجاره: -ومراته؟ هز رأسه بالرفض: -لا، ملناش دخل بالحريم، إحنا عاوزين ننهي على نوح وبس. شرد الآخر في الحديث وهو ينوي على كل الشر. في مصر… تحديدًا في الإسكندرية… في منزل "عبدالعظيم الباشا"… كانت سما تتسطح على الفراش بعدما تمت ولادتها على خير، وعادت بطفلتها الصغيرة.

ولج سامح وهو يمسك بيده "شهادة الميلاد" للطفلة، كانت علامات الحزن تزين وجه سما، بسبب اختيار الاسم. وضع الورقة بجانبها وهمس بهدوء: -مش هتفتحيها؟ كانت تداعب طفلتها بهدوء، وردت: -ويفيد بأيه، مش عملت اللي في دماغك وسميتها على اسم طنط الله يرحمها، سميحة. -بس أنا مسميتهاش سميحة يا سما. التفتت له واختطفت الورقة وجدت الاسم "صفا سامح"، ابتسمت ابتسامة واسعة وردت بسعادة: -صفا!! سميتها صفا، زي ما أنا عاوزة، بجد يا سامح، بجد؟

جلس بجانبها واحتضنها بذراعه وهمس بصوت خافت: -مقدرش أزعلك يا سما، أنا معنديش غيرك، وعادي ياستي أنا مش زعلان علشان اسم يعني. دق الباب ودلفت "وفاء" وهي تمسك أحد الأواني وتقول: -عملت لك بقى الفرخة وشوية شربة علشان تتغذي كده. في سويسرا…

كانت تقف "موج" أمام "نوح"، ترتدي فستانًا من اللون الأسود الداكن يبدو عميقًا في الظل ولامعًا حيث يلتقطه الضوء، بحمالات رفيعة، مجسم عند الخصر، التنورة تنساب باعتدال إلى أسفل ركبتها، ملمسه ناعم وكأنه يحتضن الجسد، توازن الأنوثة دون مبالغة، مع شق جانبي طفيف يسمح بحركة أنيقة عند المشي. كان يقف ينظر إليها نظرات ثاقبة، نظرة مصمم الأزياء العالمي "نوح الباشا". -استنى.

دلف إلى الغرفة وجاء بعلبة سوداء أخرج منها صندل بكعب متوسط رفيع، انحنى أمامها ورفع أحد قدميها على ركبته، ثم ألبسها الصندل بعناية وأناقة. وقف وهو ينظر إليها ثم ولج مرة أخرى، جاء بوشاح أبيض قام بوضعه على كتفيها وهتف: -كده الأنوثة كلها اكتملت أكتر، قطعة مارشميلو اتحطت في الشوكولاتة السايحة. -نوح. هتفت بهذه الكلمة وهي في قمة الإحراج من تصرفاته. نظر إليها وهتف بحنان: -مالك يا موج، زعلانة؟ -لا محرجة.

-من إيه، اتعودي على كده، هلبس وأجي علشان ننزل. بعد مرور أقل من ساعة، كان باب الفندق يُفتح، ويدلف "نوح" يحتضن كفها بكفه، سلطت الأضواء عليهم، فهو "نوح الباشا"، ولأول مرة يحضر شيئًا ومع امرأة.

جلس على مقعده بعد ما تأكد من راحتها، كانت تنظر حولها تكتشف العالم الجديد، النساء التي تملأ المكان، سارت الفتيات بثبات واتزان، وجوههن هادئة تكملها ابتسامة خفيفة، تنوعت الأقمشة، كالحرير المنساب كالماء، الألوان تتقاسم بين الداكن والفاتح، توقفت إحداهن عند الطرف لتلتقط الأنظار، فامتزجت أنفاس الحضور مع نور خافت وموسيقى ناعمة، ثم تصاعدت الهتافات والتصفيقات مع ختام العرض. اقترب نوح منها وهتف بصوت عال نسبيًا:

-رأيك في الفساتين إيه؟ ابتسمت بسعادة وردت: -حلوين أوي يا نوح شكلهم يجننوا. جاء من الخلف "سليمان"، جلس بجانب نوح دون استئذان، نظر إليه نوح بنفس غير راضية وهمس: -خير؟ وضع قدم على قدم وهتف بتعالٍ وتفاخر: -جيت أرحب بيك، أنت سايب سويسرا من زمان بقالك خمس شهور ولا إيه يا مدام؟ قبض على ياقة قميصه، جحذ على أسنانه وهتف: -ماتختبرش صبري يا سليمان وقوم أخفى من وشي. تمسكت موج بذراع نوح وهتفت: -نوح الناس بتبص علينا.

خفف قبضته على "سليمان" وهو يرى الأشخاص ينظرون إليه. أمسك "سليمان" يد "نوح" وأنزلها بجانبه وهمس: -هدي أعصابك يا نوح ليطق ليك عرق، مش ده مثل مصري عندكم برده. ثم استطرد ووجه حديثه لموج: -هيا المدام متعرفش إنك بتضحك عليها وإن مفيش قصة حب وأن أول مقابلة بينكم كانت في المستشفى وإن دا كله بتضحك عليها يعني بتستغلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...