الفصل 17 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
20
كلمة
1,744
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

نظر إليه نوح نظرة مليئة بالكُره، وجاء يقبض على قميصه حتى يلكمه، لكن رن في أذنه صوت ارتطم بالأرض. كان ذلك صوت الكأس الزجاجي الذي كانت ترتشف منه. استدار لها وجد وجهها مشحوب، يداها التي ظهرت بها عروقها بشكل واضح. نظر في الأسفل وجد الدماء على قدميها نتيجة لأثر الزجاج على قدميها. قفز عن المقعد واقترب يلتقط كفيها بين كفه، لكن وجد يدها مثل الثلج، البرودة تتمكن منها. ارتجفت وابتعدت خطوة ولم تُبالي لجروح قدميها.

تقدم خطوة أخرى حتى يضمها لكن كانت ترتجف وتهز رأسها بالنفي. كان يستمع صوت ضحكات سليمان وهو ينظر إليه بالسعادة، كسر نوح الباشا ليست سهلة، الآن تمكن من كسره وقهره. "عاوزة أرجع مصر." كانت هذه الجملة التي تفوهت بها فقط. اقترب وهو يشعر بالحزن، يعلم أنها سوف تتركه. همس لها: "طب اسمعيني." عضت على أسنانها وهتفت بعصبية: "رجعني مصر بدل ما أقسم بالله أفرّج عليك اللي في الفندق كله يا نوح، أفضحك هنا."

كان حديثها جاد للغاية من هيئتها، لكن لم يُبالي لأي أحد، ما يهمه هي فقط. جاء ليحملها لكن صرخت في وجهه ووقعت مغشيًا عليها. ارتطم جسدها بالأرض، وبدأ الناس ينظرون إليهم. انحنى بجزعه ليحملها بين ذراعيه. قلبه ينفطر عليها، الحديث وهيئتها وقع على نوح كأنه دلو مملوء بالثلج وسقط عليه. حملها بين ذراعيه، وهو يشعر أن أحدهم فتح صدره وأخذ قلبه يلتحمه وهو حي.

خرج نوح من الفندق سريعًا وهو يحملها بين ذراعيه، والناس تنظر إليه بدهشة، بعضهم يلتقط صورًا وبعضهم يهمس بخوف. وصل إلى السيارة، وضعها برفق على المقعد الخلفي، وجلس خلف عجلة القيادة، ممسكًا بها بقوة وهو يستعد للانطلاق. انطلقت السيارة بسرعة فائقة بين المركبات، نوح يراقبها بكل دقيقة، والخوف يدق في قلبه مع كل حركة لها. كل ثانية كانت تمر وكأنها ساعة، لكنه لم يلتفت لأي شيء حوله سوى الحفاظ عليها.

وصل أخيرًا إلى الفندق، ترجل من السيارة سريعًا، حملها مرة أخرى، واندفع نحو المدخل، كل خطوة كان قلبه ينزف معها، والناس يلتفتون بدهشة لرؤيته وهو يسابق الوقت ليصل بها إلى الأمان. وصل إلى الجناح دلف سريعًا وضعها على الفراش، واقترب من الحقائب، يُخرج ما فيها على عجلة حتى أخرج زجاجة العطر. اقترب منها جلس على ركبته أمام الفراش وقام برش العطر حتى تفيق لكن كان دون فائدة. حاول مرة في الثانية في الثالثة لكن كان دون فائدة.

أخرج هاتفه وقام بالاتصال على الطبيب. تحدث سريعًا عندما رد الطبيب: "سيد ماركوس، زوجتي وقعت مغشي عليها، يجب عليك أن تحضر الآن على الفور." جاءه الرد سريعًا من الطبيب: "أمرك سيد نوح، لكن دعني أسالك، هل وضعت رائحة قوية ولم تفيق؟ رد نوح سريعًا: "نعم، لكن دون استجابة." "حسنًا أنا في المستشفى، يجب عليك جلبها إلى المستشفى الآن." أغلق الهاتف وحمل موج مرة أخرى وهبط إلى الأسفل متوجهًا إلى المستشفى.

بعد مرور الوقت كان نوح يقف أمام الغرفة، يرى جسدها النائم على الفراش، لا حول ولا قوة. بعد دقائق، خرج الطبيب يدعى "ماركوس" وهتف بجدية: "سيدي، المريضة الآن في حالة إغماء نفسي ناجم عن صدمة حادة، والفحوصات العضوية والصور الشعاعية لم تُظهر إصابات تهدد الحياة؛ من المتوقع أن تستعيد وعيها تدريجيًا مع مرور الوقت وتحت المراقبة والدعم الطبي والنفسي، لذا نُوصي بالهدوء والمحافظة على استمرار المراقبة والرعاية."

تنهد نوح بقوة عندما شعر إنها سوف تفيق، ثم هتف: "سيد ماركوس، أنت تعلم حالة زوجتي، هل بعد استعادها للوعي، سوف تسترجع ذاكرتها؟ رفع الطبيب يده يخلع قفازاته الطبية، ورد: "هذا بنسبة كبيرة سيد نوح، الصدمة النفسية قوية، وهذا سبب يجعلها ترجع لها الذاكرة، لكن هي تحت الملاحظة سوف نرى كل شيء، عند الإفاقة." غادر الطبيب ووقف نوح أمام الغرفة يُراقب موج من خلف الزجاج السميك الذي يُفرق بينه وبينها.

مرت دقائق ثقيلة، كل ثانية تبدو كساعة، نوح لا يفارق عينيها. ثم سأل الطبيب هل يمكن الجلوس بجانبها أم لا؟ لكن كان الرد بالقبول. جلس على المقعد بجانبها، أمسك كفيها يُحاول يُشبع نفسه بالنظر إليها، يعلم عند إفاقتها، سوف تتركه، وهو لن يتمسك بها لأنه حقها. كانت تصارع أفكارها، تتزاحم الأفكار، مشاهد مختلطة تدور في عقلها، ترى نوح في محل الذهب، ثم تراه يشتري الأسماك منها.

تارة أخرى ترى عقد الزواج، حُب، حنو، نوح يقرب منها يقبلها على جبينها. تارة أخرى المال الباقي من مال الأسماك. تارة أخرى، الفساتين الفاخرة ذات الذوق والتصاميم الأنيقة، ملابسها التي تفوح منها رائحة السمك. تُريد الصراخ بكُل شيء، يوجد شيء يقيّدها، من الداخل، سلاسل من الحديد تُغلق عليها، تتألم وهى تُنازع تُحاول فك الحديد وتصرخ. مرت دقائق، كانوا أثقل شيء على قلب نوح، لكن ماذا يفعل؟

بدأت أصابعها ترتجف، وجفنها يتحرك بخفة، وكأن شيئًا يحاول أن يخرجها من الظلام. فجأة، فُتحت عيناها على مصراعيهما، وصرخت صرخة حادة، ارتجف معها المكان باكمله. نوح انحنى بسرعة نحوها، قلبه يخفق بشدة، بينما ارتجفت هي بين ذراعيه، تتنفس بعمق وبصعوبة، وعينها تنظر إلى المكان بحيرة ورعب. كل شيء حولها بدا يزداد وضوحًا فجأة: الضوء، وجهه، الأصوات… حتى صوت قلبه. بدأت تسترجع ما حدث معها منذ الحادث حتى الآن.

ضمها إلى صدره بقوة، يُحاول تهدئتها، حتى جاء الطبيب يُحاول الحديث معها لكن لا تفهم لغته. صرخ بها نوح وهو يضغط على أعصابه: "أهدي بقا، خلاص بصي أسمعي كلام الدكتور وأنا والله هرجع مصر واسيبك في حالك بس أهدى." كانت تُحاول الأبتعاد عنه وتضربه بما فيها من قوة لكن استمعت لحديثه. تركها وجلس بجانبها يستمع لحديث الطبيب ويُترجم لها: "بيقولك أنت….يعني الذاكرة رجعت." نظرت إليه وأغرورقت عينها بالدموع، وهمست:

"اه …افتكرت كُل حاجة يا نوح باشا." وقعت كلامتها على قلبه، كأنها خنجر لم يشُق صده إلى نصفين. نظراته لها كانت جميعها، اسف وحزن، لكن دون فائدة. أنهوا معًا الإجراءات الطبية، وتأكد الطبيب من حالتها، بعد أن أصبحت بخير، خرجوا من المستشفى، وكل منهما يشعر بالقلق مما هو آتي، وابتدأوا التوجه مرة أخرى إلى الفندق. ولج إلى الجناح والصمت سيد المكان، توجهت إلى الغرفة أخذت الحقيبة تضع فيها ملابسها لكن توقفت لحظه، وأخذت جواز السفر

الخاص بها وهتفت ببرود: "أنا جاهزة." حاول الأقتراب منها وهمس: "موج اسمعيني طيب." لكن رفعت يدها أمامه قائلة: "مش عاوزه أسمع، عاوزة أرجع مصر، بيتي وحياتي اللي خلعتني منها زي اللي بيخلع زرعة من جدرها، يبقى ترجع لحياتك وأنا لحياتي يا نوح بيه." أمسكها من يدها وهتف: "بس لازم تسمعيني أنا بحبك، كان غصب عني مكنش في فرصة غير كده." "ابعد عني يا نوح، الجواز دا باطل سامع باطل." رد عليها بعصبية: "يعني اي باطل؟ يعني اي؟

أنا جوزك وأنتِ مراتي." أرتفع صوتها وهتفت بصوت عالٍ: "لا باطل دا ألف باء يا نوح بيه، إن الزوج أو الزوجة يكون في كامل قواه العقلية، وأنا كنت فاقدة الذاكرة يعني موافقتي باطل، وأي حاجة حصلت كانت حرام." رد عليها بكُل ندم: "حتى لو باطل بس أنا مقربتش منك، أنا كنت واخد عهد إني مقربش منك إلا لما ترجع الذاكرة."

"لا قربت لما أقعد أكتر من ٣ شهور في بيتك وجوازنا باطل، لما تنام جمبي على سرير واحد دا حرام ولا مش حرام، قرب ولا مش قرب، شيلك ليا قرب ولا لا، فوق يا نوح بيه، الجوازه دي باطل يا نوح باااطل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...