ولا كلمة هتباتي انهارده في الڤيلا، ومتخافيش كده، أنا مش هبات في الڤيلا. خدي راحتك. كانت نبرة صوته مليئة بكتمان العصبية، الغضب يتمكن منه، لا يُريد أن يؤذيها. عقدت يداها أمام صدرها وعقدة حاجبيها، وهمست: عاوزة أروح بيتي يا نوح. اقترب وقام بالتقاط رأسها بين يده، حتى يتمكن من التحكم بها، وأردف: ما تهدي بقا، قولتلك هعملك اللي أنتِ عاوزاه، بس الأول نطلع على مأذون نكتب الكتاب تاني. بس أنا مش موافقة أتجوزك أصل.
صرخ بها وهو يقول: نعم نعم!! سمعيني تاني كده، مش موافقة إيه؟؟ تمتمت بنفس الكلمات بوجه خالي من أي تعابير، وجهها لا يدل على حزن أم فرح: مش موافقة، هو الجواز بالعافية ولا إيه. رفع يده، يمسح بها على وجهه، قد وصل إلى آخر درجة في صبره منها، يريد أن يهشم رأسها العنيدة، لا يريد تركها بفردها خوفًا عليها، أن أحد يقوم بالتعرض لها. ثواني وهو يُحاول التفكير في الخروج من هذا الموقف، همس مرة أخرى:
طب اسمعي الكلام، انهاردة بس، نامي هنا وأنا همشي، أبات في حتى تانية، وبكرة الصبح أول ما النهار يطلع، هبعت حد يوصلك لمكانك، حتى مش هتشوفي وشي. جاءت لتتحدث، لكن قاطعها قائلًا: لو سمحت يا موج، اسمعي كلامي، أنا مش هضرك، أنا نوح. كانت نظراته مليئة بالحنو، تُريد مساحته، لكن كثر ثقتها به، تسأل نفسها، ماذا كانت تفعل لو نوح لم يظهر!؟ لو فاقت ولم تجد أحد، ماذا كانت تفعل؟؟ أومأت له برأسها، دلالة على الموافقة.
تنهدّ براحة، شعر بالتعب في إقناعها، أخرج مفاتيح المنزل من جيبه، وتمتم: المفاتيح اهي، أنتِ عارفة إنها نسخة واحدة، ومعاكِ اهي، المساعدة مش موجودة، خدي راحتك. أومأت له برأسها دون حديث، وهمت بالرحيل، قام بالصياح عليها: موج. استدارت له ونظرت إليه، اقترب منها وتمتم: فكري تاني، أنت ماشي، لو احتاجتي حاجة رني عليا. صعدت السلالم بخطوات متعجلة، وقلبها ما زال يخفق باضطراب مما حدث.
دلفت إلى جناحها وأغلقت الباب خلفها في هدوء، كأنها تحاول أن تعزل نفسها عن العالم بأسره. نزعت ثيابها وأخذت حمام دافئ حتى يرتخي جسدها، ثم ارتدت ملابس مريحة، ثم جلست على طرف السرير شاردة النظر إلى السقف. كانت كلمات اللقاء الأخير تتردد في ذهنها كأنها صدى لا ينقطع، وخصوصًا تلك العبارة التي قالها بصوت خافت، "فكّري تاني".
غمرها شعور متناقض بين الغضب والحيرة، وكأن قلبها يرفض ما يمليه عقلها، شدّت الغطاء حول جسدها، واستسلمت لأفكارها التي كانت تتزاحم بلا هوادة، حتى أثقل النعاس جفونها، فاستسلمت للنوم وهي لا تعرف الغد سيكون مواجهة جديدة… أم على ندم لا يُحتمل. توالت الأيام يومًا بعقب الآخر، ثم الآخر. غادرت موج منزل نوح، والآن مر أسبوع، لم ترى فيه نوح. حاولت أن تشغل نفسها في الحياة القديمة، كأنها كانت تغفو في حلم، واستيقظت.
سقطت عبراتها غصبًا، لكنّ أزالتها سريعًا وارتدت عباءتها مرةً أخرى، وهي تضحك ساخرة على تبديل الحال. وضعت وشاح خفيف على رأسها وخرجت. وصلت إلى السوق وهي ترى الكثير من النساء تقف أمام بائع، من كثرة النساء والبنات المراهقات، عينها لم ترى البائع، نظرت بغرابة لكن لم تهتم. وضعت الطاولة في مكانها وقامت بفتح العُلبة التي تحتوي على الأسماك، قامت برصها ووضع قطع الثلج أسفله، وقامت برش الماء عليه، وصاحت بصوتٍ عالٍ:
السمك الطازه، قرب، قرب، الكيلو بـ 65. ظلت تصبح وتُنادي لكن دون أستفادة، زفرت بضيق، فضولها يأكلها، تريد أن تعرف من هذا!! جاءت فتاة تسير أمامها، أوقفتها قائلة: يا آنسة هو في إيه هناك؟ ردت الفتاة بهيام وسرحان: فيها حتة شوكولاته، عسل كده. عقدت حاجبيها بغرابة وردت: نعم يا أختي، هيا ريحة الظفارة دلوقتي شوكولاته.
لا يا أبلة، الراجل اللي بيبيع، يخليكي تشيل الفرشة كلها تشتريها، وبعدين بيبيع حاجات حلوة أوي وأسماء إيه، عليوي خالص، أشي جمبري واستكوزا وكمان جندوفلي وكابوريا، دا بيبيع الكيلو بسعر البلطي، ولا الراجل ولا رجالة السيما، عضلات إيه وشعر إيه وعيون عليه جوز عيون يدوبوكي دوب. تحدثت الفتاة وغادرت ووقفت موج تُفكر في الحديث الغريب ونظرت مرة أخرى وجدت الشخص ظهر لكن بظهره، تعجبت وشبهت على هيئته.
استدار وهو يرفع الزجاجة يرتشف الماء، نظرت له بصدمة كاد بؤبؤ عينها يخرج من مكانه، "نــــوح". يرتدي بنطال أسود وعاري الصدر، يرتدي مئزر المطبخ، رفع عينه ينظر إليها وقام بالغمز لها واستدار يُكمل عمله. نظرت له بصدمة وكانت تُحدث نفسها: نوح؟؟؟ بيعمل إيه هنا، النسوان دي كلها علشانه. تحركت باتجاهه وقفت أمام النساء وقامت بالتفريق بينهم حتى تصل له وهتفت: بتعمل إيه هنا يا نوح. تحدث وهو يقوم بفتح الأكياس لوضع الأسماك:
بعمل إيه، باكل عيش يا آنسة. ووجهه كلامه لامرأة قائلًا: أوزن كام كيلو يا مدام. ردت السيدة وهى تُحاول إغراءه: آنسة يا عنيا، أوزن يا حبيبي اللي أنت عاوزه، أي حاجة من إيدك الحلوين دي حلوة، اله صحيح قولي، أنت بتدهنها فزلين ولا خلطات طبيعية. ضحك نوح بصوتٍ عالٍ وقال: لا دا أنا كده أقولك الوصفة بقا. كادت موج أن تنفجر من حديثه والنساء تنظر إليه وهيئته، تحدثت وهى تضغط على أسنانها من الغضب:
فض المولد دا يا نوح وكفاية كده، أنت إيه اللي جابك هنا أصلًا. علشانك. حاولت موج التماسك أمامه وغادرت دون حديث، وقفت أمام مكانها تُحاول البيع. نوح ترك الأسماك وكُل شيء واتجهه إليها، وقف أمامها وهتف: طازه دا يا عسل. نفخت بثقل وقالت: اللهم طولك يا روح، يا نوح أرجع لحياتك بقا، كفاية لحد هنا، أنت جاي هنا تعمل إيه، أنت ليك حياتك وأنا حياتي، مفيش سمكة تطلع من بحرها، لو طلعت تموت.
اقترب منها وامسك يدها رفعها ليُقبل باطن يدها قائلًا: خليكِ في بحرك وأنا هطلع وأجيلك، على الأقل الموت عندك هيبقى حلو، ادي حياتنا فرصة يا موج. كادت أن تتحدث لكن جاء معلم السوق ومعه بعض الرجال، وقال: أنتِ رجعتي تاني يابت أنتِ، مش كنا ارتحنا منك وخلاص. لأول مرة تهاب منه، وقفت خلف نوح، الذي نظر إليها بغرابه، لكن أراد أن تطمئن، رتب على يدها التي مسك ذراعه بقوة، وقال: خير؟ أنت مين؟ تقدم المعلم وهو يقول بصوت عالٍ:
ودا إيه إن شاء الله، فاكر نفسك في حواري لبنان ولا إيه، أنت مين يا جدع أنت وايه اللي دخلك السوق من غير إذني. سخر نوح منه وهتف: حد قالك إني داخل السلك الدبلوماسي ولا إيه، دا سوق سمك. اقترب المعلم منه ورفع عصاه يخبط بها على صدر نوح: بس بتاعي يا روح أمك. لم ينتظر نوح أن يفرغ من كلماته، بل اندفع برأسه في عظمة أنف المعلم ضربةً قاسية، جعلت صرخة مدوية تخرج من حنجرته، والدماء تنفجر من أنفه وهو يضع يده عليه في ذهول.
لكن نوح لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد قبض على ذراعه بقوة، ولفه خلف ظهره حتى سمع طقطقة عظامه وسط أنينه وصراخه. تقدم رجال المعلم محاصرين نوح من كل جانب، اندفع أحدهم مسرعاً، غير أن نوح فاجأه، فالتقط الإناء الحديدي المخصص لوزن السمك، وضربه به على وجهه ضربة هائلة أطاحت به إلى الخلف وهو يتخبط في الأرض.
اشتعل الموقف أكثر، واندفع رجلان معاً هذه المرة، أحدهما يحمل سكينًا والآخر عصا خشبية، لكن نظرات نوح اتقدت ببرق الغضب، ووقف ثابتاً كأنه جبل لا تهزّه العواصف. اندفع الرجل الأول بالسكين نحو نوح محاولاً غرسها في جنبه، لكن نوح أمسك بمعصمه في اللحظة الأخيرة بعدما ترك المعلم يقع أو يئن ويتلوى من الوجع، ولوى يده بعنف حتى سقطت السكين أرضاً. لم يتردد لحظة، رفع ركبته بقوة إلى بطنه فانهار على الأرض يتلوى من الألم.
أما الآخر، فقد هجم بعصاه الخشبية محاولاً أن يهوي بها على رأس نوح، غير أنّ نوح انحنى بخفة وتفادى الضربة، ثم اندفع بجسده للأمام ليصدمه بكتفه في صدره، فسقط الرجل للخلف وارتطم بالجدار، يلهث غير قادر على النهوض. دقائق وكان الجميع يتلوى على الأرض، التفت نوح إلى موج التي تقف تُشاهده بصدمة، والناس تُشاهد كأنه فيلم سينمائي. اقترب منها وامسك يدها بقوة كأنه يبعث فيها الأطمئنان. لكن جاء شخصًا أخر يجري، غير واعيٍ له نوح،
لكن صرخت موج بقوة: حاسب يا نوح. لكن كان قبل فوات الأوان، صرخ نوح بقوة، عندما خبطه أحدهم على أحد كتفيه بأداة حادة، أمسك كتفه بقوة وهو يغمض عينه، واستدار حتى يمسكه لكن فر هاربًا. في منزل عبدالعظيم الباشا. كانت سما تجلس تُداعب صفا الصغيرة، والجميع يجلس جوارها. جاءت وفاء بإناء مليء بالمُسليات، وقالت: هو نوح مش هيجي بقا. رد عليها سامح وهو يمسك منها الأشياء:
هو قال هيسافر شغل يا حماتي، بس أكيد قرب يجي بقاله حوالي أسبوع وشوية. أومأت له وجلس بجانب زوجها وبدأت تُشاهد معهم الفيلم. بعد قليل تحدث سامح قائلًا: أنا بقول كفاية قاعدة هنا كده ولا إيه يا سما، أنتِ بقيتي قادرة ترجعي البيت. تحدثت وفاء سريعًا: ليه يا بني ما تخليكم شوية كمان على الأقل أخد بالي من العيال. لكن أسرعت سما وردت قبل زوجها: لا يا ماما كفاية كده، أنا بقيت كويسة وكمان هقدر متخافيش عليا، وعشان حضانة نوح كمان.
ماشي يا بنتي براحتك. أومأت لها سما، واستأذنت حتى تجمع أغراضهم، بعد قليل دلف سامح خلفها، أغلق الباب وقال: شكرًا. استدارت له وابتسمت له ابتسامة واسعة وقالت: على إيه؟ اقترب وعانقها من الخلف وهمس: علشان سمعتي كلمتي وهتيجي نروح. ردت سريعًا: من امتى مبسمعش كلمتك يا سامح، بس أنت هجادل ليه، دا الصح. عارف، وعارف أنتِ بتحبي والدك ووالدتك قد إيه. سرحت قليلًا وقالت: سنة الحياة يا سامح، هنعمل إيه.
في منزل موج، كان نوح يجلس على فراشها الصغير ينظر إلى غرفتها التي تُشبه غرفته القديمة في المزرعة. حزن بداخله على حياتها، كيف تعيش في هذه الغرفة، الطيور لا تريد الجلوس هنا. فتحت الباب ودلفت موج، معها كيس أسود صغير أخرجت منه كريم، قامت بشراءه من الصيدلية. اسفه على التأخير. أومأ لها ونظر إليها وإلى هيئتها التي تبدلت مائة وتمانين درجة، جلست بجانبه حتى تضع له الكريم لكن ابتعد قليلًا وهتف متسائلًا:
الراجل دا اتعرضلك قبل كده؟؟ قامت بفتح غطاء العلبة، ولم تُجيب، مدت يدها بالمرهم، صامتة، وكأنها بتحاول تتفادى عينيه. لكن هو سحب إيده فجأة وهتف بعصبية: أنتِ سامعة أنا بقول إيه ولا لأ؟! الراجل دا اتعرضلك قبل كده؟! ارتجفت أصابعها، وكادت العلبة تقع من يدها: أنا… أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع دا دلوقتي. اشتعل غضبه أكثر، صوته علا وهو بيزيح العلبة بعيد: لأ هتتكلمي! مش هتفضلي ساكتة كده! أنا لازم أفهم إيه اللي حصل! ……انطقي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!