الجوازة دي باطل يا نوح، باطل. اقترب منها وقبض على يدها بقوة وهتف بجنون: -مش باطل، أنتِ مراتي يا موج، مراتي. أزاحت يده بقوة وردت: -نوح، أنا لحد دلوقتي ماسكة أعصابي، أنا ممكن أنزل مصر وأبلغ عنك كمان، إنك خطفني، كمان اتجوزتني والعقد باطل. نظر إليها بصدمة، مندهش من حديثها، وهمس: -تحبسيني؟ علشان إيه؟ علشان حبيتك؟ -نزلني مصر يا نوح، وسبني في حالي، أرجع لحياتك وأنا لحياتي. ثم استطردت: -نزلني مصر يا نوح.
رد عليها بجملة واحدة: -حاضر، أجهزي، هحجز التذاكر. غادر نوح وتركها بمفردها في الجناح. جلست أرضًا وضمت نفسها وهي تحاول منع عبرتها من النزول. تشعر بمشاعر تريد البقاء مع نوح، ومشاعر أخرى تريد المغادرة. الكذب كفيل بإنهاء علاقة للأبد. "عودة للماضي"
في أحد مربط الخيل، كانت تقف في المنتصف، ترى الخيول العربية الأصيلة. كل منها في مربط، منهم لونه أبيض، وآخر لونه أسود. كانت المزرعة مليئة بالخيول، واسعة، يوجد بعض أشجار الفاكهة. ويوجد أيضًا في آخر المزرعة، وفي آخر المزرعة كانت هناك جلسة صغيرة لطيفة، كأنها ركن لطيف بسيطة يجلس فيها الزائرون للراحة والتأمل، تطل على الخيل وهي تجري، وتحيط بها نسمات الهواء العليل وظلال الأشجار.
وجدته جاء وهو يقود أحد الخيول، لونه أبيض، ويوجد بعض الخصلات السوداء به، أحد عيونه باللون البني، والأخرى باللون السماوي الداكن. أقترب منها ووقف أمامها، وهمس وهو يمد لها يده: -تعالي! هزت رأسها بالرفض، تخاف من التجربة. ردت: -لا لا مش عاوزة، خلينا نروح نقعد هناك عند المكان دا.
أومأ لها وهبط عن ظهر الخيل، مسك بلجام الخيل بيد، واليد الأخرى التقط كفها. سار بها إلى المجلس الصغير. جلست وهو ترك الخيل يسير بمفرده. شمر ساعديه، فك أول أزرار القميص، جلس وهي بجانبه. همس عندما لاحظ شرودها: -مالك؟ سرحتي في إيه؟ رفعت يدها تضعها خلف رأسها، أخذت نفس عميق، وردت: -بفكر في اللي جاي، الحياة مخبية إيه.
-طب ليه، ما تسيبي المركب ماشية وخلاص، فكري في انهاردة، بلاش اللي جاي، سيبي اللي جاي على ربنا وعليا، مش عاوز منك حاجة غير إنك تكوني في حياتي وبس. ابتسمت له ابتسامة واسعة وتمتمت: -طب أحكيلي بقى باقي القصة بتاعتك. قهقه عليها، من جلسته معها هذه الفترة، علم أنها تحب تغيير الحديث، كأنها تخرج من مأزق. أعتدل في جلسته، وضع رأسه على قدميها، مثل كل مرة. -حكي يا ستي، كنا وقفنا لما اشتغلت أول يوم في المزرعة. "عودة للماضي"
كان يجلس على فراشه الصغير. مر أسبوع على عمله في المزرعة، جميع عظام جسده يشعر بعدم الراحة، كدمات على ظهره باللون الأزرق والأحمر، نتيجة لحمل الأوعية الخيشية. فتح أحد الكياس التي جاء بها من الخارج، أخرج علبة بها قطعة من الدجاج والقليل من الأرز، وخبز. ابتسم ساخرًا، لمدة أسبوع حتى يأتي بهذا. يالله... إين طعام أمي؟ رائحته التي كانت تفوح إلى آخر المنزل، والآن أكل بمفردي دون ونس. دق الباب، نظر بغرابة وهو يحدث نفسه...
"محدش خبط عليا من ساعة ما جيت". وقف واتجه باتجاه الباب، وفتح وجد شاب تقريبًا نفس عمره، نظر إليه بغرابة، علامات الاستفهام؟؟ دلف معتصم وهو يغلق الباب بقدمه، وهتف: -أنا معتصم يا عم، شريكك في الأوضة. تنهد نوح براحة وأومأ له برأسه، وقال: -أهلاً بيك، معلش بقى هشاركك في الأوضة. -لا يا عم ولا يهمك، تعال، الحجة باعتة معايا شوية فطير مشلتت عجب، وشوية عسل أبيض هيعجبك. ابتسم نوح على حديثه، وأنه مرح، واجتماعي.
-خلي للعشا، تعال أنا جايب غدا. جلسا سويًا وبدأ نوح في تقسيم الطعام بينهم. هتف معتصم بحرج: -هو أنا جاي أقسم معاك غداك يا عم. نوح وهو يضع الدجاج أمامه: -أمي ربنا يديهالها الصحة كانت على طول تقولي، اللقمة تنادي صاحبها يا نوح. "عودة إليهم" هتف وهو ينظر إلى عينها: -ودا كان أول موقف بيني وبين معتصم، من ساعة ما قسمنا اللقمة سوا، واحنا قسمنا كل حاجة. نظرت إليه بإعجاب، عن حديثه على صديقه ورفيق دربه، وهتفت:
-حلو أول علاقتكم سوا، ربنا يديم المحبة بينكم. رفع يده ومد أنامله باتجاه خصلاتها، همس: -ويديمك في حياتي يا "موج النوح". "عودة للحاضر" كانت تجلس نفس الجلسة، لم تتحرك، لكن سمحت لعبراتها بالهبوط، حتى تهون على نفسها. كانت تفرك يدها ببعض من التوتر والقلق مما هو آتي. ماذا تفعل عند العودة؟ لا تقدر على المسامحة ولا تقدر على الرجوع إلى الحياة القديمة. ماذا تفعل؟
جاء نوح من الخارج ونظر إليها وإلى جلستها، عبراتها التي تملأ وجهها، تحطم قلبه كالحجر. وقف أمامها يلوم نفسه على ما فعله بها، جاء بها من الأرض إلى السماء، ثم من سابع سماء إلى سابع أرض، دون أي تحذير. حمحم بخجل من نفسه، وهمس بخذلان: -الطيارة كمان ساعة. هبت واقفة عن الأرض وهي تزيل عبراتها بظهر كفيها، ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب.
تقدم نحو الشرفة، أسند كفيه على حديدها البارد، وترك عينيه تتجولان في الأفق الملبد بالغيوم، كأن السماء نفسها تشاركه ذلك الثقل الجاثم على صدره. ظل واقفًا هناك يراجع لحظاتهم، سقوطها من علو إلى هاوية، صمته الذي زاد الجرح اتساعًا، وعجزه الآن عن ترميم أي شيء. في الداخل، خلف الباب المغلق، جلست هي ترتب حقيبتها بعشوائية، يختلط أنين روحها مع صوت السحّاب وهي تغلقه. لم يعد هناك متسع للكلمات، حتى العتاب صار بلا جدوى.
ومع دقات الساعة، انقضت الساعة الأخيرة. بعد قليل، هبطا إلى بهو الفندق، خطواتهما صامتة، ثقيلة كأنهما يسيران وسط ضباب لا يزول. لا وداع للمكان ولا للذكريات، فقط هروب سريع. غادرا الفندق، وغادرت معهما بقايا أحلام كثيرة، ثم تبعها رحيل آخر... رحيل عن سويسرا بأكملها. وفي المطار، جلسا في مقعديهما داخل الطائرة. صمت مطبق، نظرات شاردة، كل منهما غارق في متاهته الخاصة.
هي تحدق في النافذة، تتابع الغيوم تمر ببطء، بينما قلبها يرفض المسامحة ويعجز عن النسيان. وهو يغرق في بحر الندم، يفتش بين نفسه عن كلمة واحدة كفيلة بترميمها، فلا يجد. انطلقت الطائرة، لكن الحزن ظل أثقل من أن يتركهما. في أحد الشركات التابعة لشركة "نوح الباشا" الأقمشة تملأ المكان، صوت المقص هو السائد، من يقف أمام الموديل يضع عليها الأقمشة، واحدة تلو الأخرى، حتى يستقروا على لون يليق عليها.
وفي زاوية أخرى، الأحذية التي جاءت من أفخم الأماكن. "نوح الباشا" يهتم بأدق التفاصيل حتى يخرج تصميم رائع من ناحية الموديل إلى الحذاء إلى الإكسسوارات التي يصنع منها قطعة معينة. وقف معتصم في آخر المكان وهتف بصوت عالٍ:
-الشغل جميل جدًا يا شباب، طبعًا لأول مرة نطلع شغل زي كده في دولة عربية، ومش أي دولة، لا "مصر"، علشان كده لازم اللمسة العربية تكون مع كل موديل. "الغرب" أحنا أبدعنا فيه، لكن مصر غير، لازم نكون رقم واحد، "نوح الباشا" ما يقبلش بالثاني أبدا، أين كان في أي، الأول يا ما فيش، علشان كده لازم نطلع كل اللي عندنا.
عاد الجميع إلى العمل مرة أخرى بشغف وحب، كل شخص في العمل اختاره نوح بدقة عالية حتى يخرج عمل مميز، ليس قطعة من القماش، لا بل قطعة مليئة بالحب والرائحة المنعشة. كانت تستند برأسها على النافذة الصغيرة، ترى ناطحات السحاب. تذكرت عندما كانت تمسك في بنطال أباها وتحدثه، أنها تريد قطعة من السماء، كانت تتخيلها "الغزل البنات". أغرورقت عينها عندما تذكرت أباها وسيرته، وحنو قلبه الذي كان يحتويها دون انتظار مقابل.
رفعت نظرها تنظر إليه وجدت يده تسند رأسه على كفه، اختفت ابتسامته وظهر الحزن والألم والقهر، لكن حدثت نفسها قائلة: "من عمل الفعل لا يهاب رد الفعل". بعد مرور عدة ساعات، استقرت الطائرة على أرض الوطن "مصر الحبيبة". فتح الباب وخرج "نوح" بجانبه "موج" التي استنشقت الهواء، كان الروح عادت إليها، كأنها كانت غريبة ورجعت إلى هيئتها. كانت تهبط على درج الطائرة وكل خطوة كان قلبها ينبض بقوة مما هو قادم.
بعد ما انتهوا من الإجراءات، وجلسا في السيارة، همست بهدوء: -رجعني على بيتي، أكيد عارف مكانه. قبض على يدها بقوة من حديثها الذي يغضبه، ورد: -ياريت تسمعي الكلام وتيجي معايا على الفيلا، لكن ما أجيبلكش شقة. هزت رأسها وهي ترفض رفضًا قاطعًا وردت بصعوبة: -لا، أنا عاوزة أرجع الحارة يا نوح. استدار لها وهتف بعصبية: -أنا قولت كلمتي وتنفذيها يا موج، علشان ما تشوفيش مني وش تاني مش هيعجبك.
-وأنا عاوزة أرجع مكاني يا نوح، أنا مش مستنية شفقة من حد. أمسكها من ذراعها بقوة وأردف: -شفقة!!! من مين؟ مني أنا يا موج، أنتِ تقريبًا كده، الصدمة أثرت على مخك أكتر وأكتر. جاءت لتتحدث لكن قاطعها قائلًا: -ولا كلمة، هتباتي انهاردة في الفيلا، ومتخافيش كده، أنا مش هبات في الفيلا، خدي راحتك. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!