سهر بلجلجة: أنا لسه راجعة مصر من كام يوم، يخلق من الشبه أربعين. يمن بشرود: جايز… بس عندي إحساس قوي إني شفتك قبل كده. سهر وهي تحاول الهرب من هذا المأزق، فتوجه حديثها إلى حاتم قائلة: بس حقيقي فرصة هايلة يا حاتم بيه إننا اتقابلنا النهاردة.
حاتم بتهذيب: أنا أسعد إني اتعرفت على الباشمهندس نوح، كان نفسي اتعرف عليك من زمان، واضح إن عيلتكم مليانة عباقرة، لأن أمانة، شهادة لله، من يوم ما دخلت الشركة وهي شغلها يعتبر علامة من علامات شركة عبد الراضي. نوح وهو ينظر بفخر لأمانة: الحقيقة أنا إجازتي دي أمانة فاجأتني بحاجات كتير ماكنتش واخد بالي منها. أيمن وهو يقبل أمانة من رأسها: أشوفك لما أصحى بقى أحسن مش قادر أفتح عيني أكتر من كده. هدى: أنت مش هتتغدى معانا؟
أيمن: مش قادر ياماما.. معلش بقى لما أصحى، ثم نظر للجميع وبطريقة تمثيلية قال: كل سنة وأنتم طيبين ودايما متجمعين على الخير… أشوفكم بكرة بقى. ثم استدار متجها إلى الداخل ولكنه توقف في منتصف الطريق ورجع إلى سهر مرة أخرى قائلا: في نيس السنة اللي فاتت في رأس السنة بس ماكنتيش لابسة حاجة على شعرك وكنتي عاملة شعرك أحمر وفي بار. نظر نوح بجمود إلى سهر التي ارتبكت ولكنها حاولت
التظاهر بالعكس وقالت: يمكن أختي.. أصلها شبهي أوي، ماما أصلها متجوزة وعايشة في نيس. نوح لسهر بخفوت: بس انتي كنتي فعلا هناك في رأس السنة. سهر: الحقيقة مش فاكرة. لينظر لها أيمن بنصف عين ولكنه نظر لحاتم مرة أخرى الذي كان يبادله بنظرة ذات مغزى، فعاد إلى الاتجاه للداخل مرة أخرى وهو يشير لهم بالتحية بظهر كف يده. لينتهض حاتم هو الآخر وهو يحاول الاستئذان للانصراف،
ولكن عامر أوقفه قائلا: أنت مش متفق مع أسامة إنك هتقضي اليوم معانا؟ حاتم: معلش يا خالي، حاسس إني أنا كمان عاوز أنام. هدى: نتغدى سوا وبعدين اعمل اللي انت عاوزه، ثم إن كلهم عندك مسافرين وماحدش موجود منهم، هتروح تلاقي البيت فاضي. عامر: خلاص بقى يا حاتم… اقعد ولما نتغدى اعمل اللي انت عاوزه.
ليجلس حاتم مرة أخرى ولكنه في هذه المرة جلس بجوار نيللي التي كانت تمسك بيدها قلم من الفحم ولوحة متوسطة الحجم وتقوم برسم صورة جماعية تضم الجميع، ولكنه لاحظ أنه يكاد يكون الوحيد باللوحة الذي يبدو وجهه واضح الملامح بشدة، ولاحظ أيضا أن نيللي لم تضع نفسها معهم باللوحة، ولكنه وجد بطرف اللوحة شيئا يشبه الصندوق الزجاجي المعتم وبداخله شخص ما يراقب الجميع دون أن يلتفت إليه أحد أو يعيره انتباها.
وقد شعر حاتم أنها تقصد نفسها بهذا الصندوق المعتم، وراح يتذكر نيللي في طفولتهم، فكانت دائما متكومة على نفسها، لا تشاركهم لعبهم وتجمعاتهم ولهوهم، بل كانت بطيئة الحركة بسبب بدانتها المفرطة وقتها، فكانت في طفولتها ذات جسد ممتلئ بشدة نتيجة تعاطيها لبعض الأدوية المحتوية على مادة الكورتيزون، مما كان يسبب لها حرجا دائما في التعامل مع من يحيطون بها، ولكنها الآن تتمتع بجسد رشيق فتان جذب انتباهه، رغم ارتدائها لملابس محتشمة
فضفاضة، لكن الهواء عندما حرك ملابسها لفت انتباهه أن تلك الفتاة لا تمت بأي صلة لطفلة الماضي، ونضجها أثر أيضا على ملامحها فأصبحت جميلة الملامح إن لم تكن فاتنة، فلم تحتفظ بشيء من ملامحها إلا عيناها، تلك العيون التي تشبه حبة البندق العائمة في نهر من اللبن الصافي برموش كجيش من الحرس يصطف على جانبي طريق ممهد.
حاتم وهو يحمحم ويجلي صوته: إيه الجمال ده، أنا ماكنتش أعرف إنك شاطرة كده، اللوحة تجنن، ماحدش أبدا يصدق إنك رسمتيها في نص ساعة مش أكتر. نيللي بوجل: شكرا. حاتم: بجد تحفة، اعملي حسابك إن معاد الإنترفيو بتاعك إن شاء الله يوم الأربع اللي جاي الساعة عشرة الصبح، أنا مش هتنازل أبدا عن موهبتك دي. لتنهض نيللي وهي تلملم أدواتها قائلة: إن شاء الله. حاتم: إيه ده…. أنتي خلصتي؟ نيللي: حطيت الأساس وبكمل مع نفسي براحتي بعد كده.
حاتم: ممكن أبقى أشوفها لما تخلصيه؟ نيللي: ليه؟ حاتم باستغراب: حابب أشوفها، بس ياريت لو تحطي نفسك وسطنا، هتبقى أجمل. لتنظر له نيللي بنظرة احتار في تفسيرها وقالت قبل أن تتصرف من أمامه: عمري ما كنت وسطكم. وتركته واتجهت إلى الداخل وغابت ما يقرب من العشر دقائق وعادت مرة أخرى للجلوس بجوار أمانة في صمت. لتأتي الخادمة من الداخل لتخبر هدى بأن الطعام جاهز، لتدعوهم هدى إلى تناول الغداء بالداخل.
وبعد الغداء يتجهوا للجلوس مرة أخرى بالحديقة لتناول المشروبات، ليقول أسامة: بكرة إن شاء الله معادنا مع الناس الساعة سبعة ونص. عامر: إن شاء الله، ربنا ييسر لكم الأمور ويتمم بخير. أمانة: على فكرة يابابا.. خديجة إنسانة محترمة وملتزمة جدا وأهلها كمان ناس طيبين جدا. عامر بطيبة: يبقى مش محتاج أسأل عنه. نعمة: دول جيراننا من زمان بصراحة عمرنا ماشفنا منهم غير كل خير، ربنا يتمم بخير إن شاء الله.
هدى: يبقى تنزل النهاردة بالليل أو بكرة الصبح إن شاء الله تختار هدية حلوة كده لعروسة. سهر بفضول: هدية زي إيه يعني؟ هدى: يعني أسورة أو خاتم شيك كده. أسامة: خلاص بالليل إن شاء الله أبقى أشوف كده. لينهض نوح قائلا: ألف مبروك يا أسامة ربنا يتمملك بكل خير، واحنا هنستأذن بقى. هدى وأمانة في نفس الوقت: لسه بدري. نعمة: كفاية كده، أنا ماجبتش العلاج بتاعي معايا، ولما باخده بنام، وكمان الولاد ماناموش من امبارح.
أمانة وهي تحتضن نعمة: خدي بالك من نفسك. نعمة ضاحكة: وانتي كمان، هيوحشني مناكفتك فيا. نوح: متأكدة إنك مش هتحتاجي العربية؟ أمانة برضا: لا مش هحتاجها، وأسامة هيجيبني على خمسة كده عشان ألحق أغير هدومي وأجهز. نوح: واعملي حسابك إني هاخدك معايا وأنا بجيب عربيتي، أكيد عارفة معرض كويس. أمانة: إن شاء الله، مبروك مقدما. وبعد وداعهم، يودعهم حاتم هو الآخر وينصرف بعد الاتفاق مع أسامة على اللقاء مرة أخرى مساءا.
وتتفاجأ أمانة بأسامة وهو يحملها ويعدو باتجاه الأعلى وسط ضحكات الجميع، ولم يتركها إلا أمام غرفتها وهو يقول: إحنا عندنا خدمة توصيل مجانا. أمانة بمرح: كنت فين أنت قبل ما أجيب العربية؟ أسامة: كنت شغال على خط تاني. لتأتي هدى من خلفهم وتفتح باب الغرفة وتدعو أمانة للدخول وهي تقول: يا رب الأوضة تعجبك يا أمانة، لو حبيتي تغيري أي حاجة قولي يا حبيبتي على طول. لتجد أمانة الغرفة غاية في الأناقة والرقي ولها حمام خاص،
لتقول: الأوضة جميلة ياماما، أنا متشكرة أوي، وحاضر لو احتجت أي حاجة هقولك على طول. هدى: طب يا حبيبتي ريحي شوية، وهصحيكي على صلاة المغرب. أمانة: ماشي. لتتركها أمها مغلقة الباب من خلفها، لتضع أمانة نفسها بفراشها بعد أن خلعت عنها نقابها وذهبت في سبات عميق. في غرفة نوح.
كان نوح يبحث بين حاجياته على شيء ما في صمت تام، بينما سهر قد دخلت الفراش وراحت في نوم عميق، أما نوح فكان قد وجد ضالته أخيرا في صورة فوتوغرافية تضم سهر مع أمها وشقيقتها التقطت لهم في آخر زيارة قامت بها سهر لأمها وكانت في رأس السنة ولم يتمكن نوح من الذهاب معها، حيث كانت ظروف عمله لا تسمح له بأخذ أي إجازات، فذهبت سهر وحدها وأمضت مع عائلة أمها ما يقرب من الأسبوعين.
وعندما رفع الصورة أمام عينيه كانت سهر تصبغ شعرها باللون الأحمر الناري، بينما شقيقتها والتي تصغرها بخمسة أعوام ولكنها شديدة الشبه بسهر كانت تصبغ شعرها باللون الأسود مع بعض الخصلات الزرقاء. وأخذ نوح ينقل نظره بين الصورة وبين سهر ولكنه في النهاية قام بلصق الصورة على المرآة وذهب هو الآخر إلى النوم. في اليوم التالي.
ذهب عامر وزوجته وأبناؤه بصحبة أمانة إلى خطبة خديجة وتم قراءة الفاتحة والاتفاق على موعد لعقد القران والزفاف بعد ستة أشهر، بعد أن رفض والدها لعمل أي احتفالية بالخطوبة وأصر أن يكون احتفالا واحدا بعد ستة أشهر، مع وضع محاذير على أي لقاءات قد تضم أسامة وخديجة خارج العمل أو الإطار العائلي. وكان أسامة شديد السعادة رغم تعنت والد خديجة، لكنه وافق مجبرا على تنفيذ أوامره وهو يدعو الله أن تمر تلك الأشهر سريعا.
وقد اتفق مع والد عروسه على أن يتم الزواج بشقة كان قد اشتراها أسامة بحي راق بعد أن يتم تجهيزها بالكامل، ثم إن أراد أسامة أن يعود للعيش مع والداه فليكن له ما يريد. وبعد ذلك صعدت أمانة إلى شقتها مع شقيقتها نيللي بعد أن أصرت على أن تأخذها معها للمبيت سويا، وعاد الباقي إلى منزل عامر. لتحضر لهم نعمة العشاء وتجلس معهم لبعض الوقت ثم تتركهم وتعود إلى شقتها مرة أخرى.
لتجد أن نوح وسهر ما زالا بغرفتهما بعد أن تشاجرت سهر مع نوح بشدة بسبب إصرارها على الذهاب إلى منزل خديجة بصحبة أمانة وأسامة، ولكن كلامها قوبل بالرفض الشديد من نوح، فغضبت سهر بشدة ودلفت إلى حجرتها، وقام نوح وذهب ورائها، واعتقدت نعمة أنه ذهب ليراضيها، ولكن الواقع كان شيئا آخر. دخل نوح مغلقا الباب خلفه بهدوء وهو يقول: أنت مش عاوزة تبطلي عادتك دي. سهر بامتعاض: عادة إيه دي اللي بتتكلم عنها؟
نوح: كل ما تتعرفي على حد معاه فلوس تبقي عاوزة تلزقي له بأي شكل. سهر: مش أحسن ما أجري على الفقر بالمشوار، ثم من جاور السعيد يسعد. نوح: اسمعي ياسهر، أنا مش عاوز أرجع للموال القديم ده ووجع القلب من تاني، اعقلي بقى انتي واحدة متجوزة راجل، مش شورابة خور. سهر بتهكم: وهو حد داسلك على طرف، إيه المشكلة يعني إني عاوزة أنبسط شوية. نوح: بلاش تستفزيني يا سهر لو سمحتي، مش كفاية إني ماحاسبتكيش على دي.
قالها وهو يشير إلى صورته التي قام بلصقها على المرآة. سهر بتوتر: وهتحاسبني على صورة إزاي يعني؟ نوح: بلاش استهبال، انتي عارفة كويس أوي أنا بتكلم على إيه. سهر: أنا مش عارفة حاجة. نوح: لما تبقي بعيدة عن جوزك بالأميال، ويبقى منبه عليكي إنك تتعاملي مع الكل بحدود، تقوم تروحي تصبغي شعرك وتقلعي حجابك وتسهرى في بار والله أعلم كنتي مع مين كمان. سهر بلجلجة: مش أنا، دي أكيد ريتاج أختي. نوح
وهو يقذف بالصورة في وجهها: أختك شعرها أسود ياسهر، انتي اللي كان شعرك أحمر.. والله أعلم كنتي بتعملي إيه يخلي واحد زي أيمن فاكرك لحد دلوقتي وبالتفصيل ده. ليشحب وجه سهر بشدة وهي تقول: هكون عملت إيه يعني…. أهي سهرة وعدت وخلاص. نوح بدهشة: يعني انتي… مش أختك زي ما كنتي بتقولي؟ سهر وهي تأخذ وضعية النوم: مش فاكرة وسيبني بقى عشان هنام. نوح: نامي ياسهر… نامي… لما أشوف آخرتها معاكي. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!