ذهبت نعمة لتفتح الباب لتتفاجئ أمامها بشاب في العشرينات من عمره وخلفه سيدة محجبة. قالت نعمة: أفندم. حضرتك عاوز مين يابني؟ رفعت المرأة رأسها قائلة: ازيك يانعمة. حاولت نعمة معرفتها: اهلا وسهلا. مين حضرتك؟ تقدمت المرأة من نعمة حتى تستطيع رؤيتها جيدًا وهي تقول: أنا هدى يانعمة. مش فاكراني؟ شهقت نعمة عاليًا وهي تقول: هدى؟ هدى بصوت مخنوق: أيوة يانعمة. هدى. لترتمي هدى بأحضان
نعمة وهي تبكي بحرقة قائلة: سنين طويلة بدور عليكم لحد ما فقدت الأمل وحسيت إني هموت من قبل ما أعرف طريقكم. ربتت نعمة بحنو على ظهر هدى قائلة: تعالي ادخلي واستهدى بالله. ما تأخذينيش إني ما عرفتكيش بسرعة. أصل أنا نظري بقى على قدى شويتين. ثم نظرت إلى الشاب الذي كان معها قائلة: اتفضل يابني ماتأخذنيش. ابتسم الشاب ودخل تاركًا الباب ورائهم دون إغلاق. عندما تقدموا للداخل، كانت أمانة قد وقفت ووضعت نقابها. وما
إن رأيتهم حتى قالت بدهشة: باشمهندس أسامة. خير حضرتك؟ قالت هدى بدموع: ده أسامة أخوكي يا أمانة وأنا أمك يا حبيبتي. أمانة بصدمة: أمي مين حضرتك؟ خرجت هدى ببطاقتها الشخصية وقدمتها لأمانة قائلة: بطاقتي أهي يابنتي عشان تصدقيني. أخذت منها أمانة البطاقة ونظرت إليها ثم أعادتها إليها مرة أخرى بجمود وهي تقول: هو عشان اسمك موجود عندي في خانة الأم يبقى خلاص بقيتي أمي؟ تعرفي إيه انتي عني عشان تبقي أمي؟
كنتي فين السنين اللي فاتت دي كلها؟ وانتي حتى ما حاولتيش تعرفي إني كنت عايشة ولا ميتة؟ أسامة ببعض الغضب: أمانة. اسمعي ماما الأول وبعدين اعملي اللي انتي عايزاه. أمانة بأسى: ماما. الكلمة دي عمري ما عرفتها ولا دوقتها. حتى لما حاولت أقولها للست الوحيدة اللي عوضتني عن يتمي، لقيت اللي بيمنعني منها لأنها مش من حقي. تعرف إيه هي عني عشان تبقي أمي؟ ده حتى شكلي ما تعرفيش.
أسامة: ماما بتدور عليكي من يوم أبوكي ما خدك منها وما عرفتش طريقك غير النهاردة لما ذكرت اسمك قدامها بالصدفة. وما هديتش غير لما اتأكدت إنك فعلاً بنتها. وصممت ما تنامش غير لما تشوفك. فلو سمحتي. اسمعي بهدوء وعقلك زي ماعودتينا في الشغل كلنا وحبيناكي بسببه وخلتيني ماليش سيرة غيرك. واللي كان السبب إن ماما عرفت مكانك. كان هذا وسط بكاء ونشيج متواصل من هدى وهي تجلس دافنة وجهها بكفوفها. أما نعمة فقد جذبت
أمانة من يدها وهي تقول: أنا زي ما قلتلك قبل كده. أبوكي لما جابك عندي ما قال لنا سبب الطلاق ولا عرفنا أي حاجة. ولما سافر حصلت له الحادثة ومات وسره معاه. اسمعيها يا أمانة. مهما كان دي أمك يابنتي. نظرت أمانة إلى أسامة وتقول بهدوء: انت أخويا بجد؟ أسامة بمرح: ممكن أحلفلك لو تحبي. ولسه لينا كمان اتنين إخوات. أيمن ونيللي. يعني بقينا أربعة. ربتت نعمة على كتفها بحنان وعيناها تترقرق بالدموع: ربنا كريم يابنتي.
رفعت أمانة نقابها ليقول أسامة بصفير عالٍ: اوباااا. ده انتي مزة ياشمهندسة ومحدش عارف. تيجي نيللي اللي قرفانا ومفكرة نفسها ست الحسن تتفرج. ابتسمت أمانة لأسامة وتقول بحب: تصدق إنك ممكن تكون أحسن حاجة حصلتلي من يوم ما اتولدت. تقدم منها أسامة ضامًا إياها ومقبلاً لها برأسها قائلاً: اسمعيها يا أمانة. نظرت أمانة إلى أمها وتقول بهدوء: اتفضلي اتكلمي. أنا سامعاكي. رفعت هدى عينيها إلى أمانة تتأمل ملامحها وتمسح عيونها
من أثر البكاء وتقول: أبوكي الله يرحمه لما اتقدملي كان أكبر مني بحوالي عشر سنين. وكان بيحبني وبيغير عليا بجنون. وأنا ما كانليش حد في الدنيا غير أمي وأخ واحد من أمي. يعني مش أخويا شقيقي. زيك انتي وأسامة كده. أنا كنت من سفاجا. ولما أبوكي اتجوزني أخد شقة إيجار قريبة من شغله في نويبع. لما اتجوزنا. كان عمك ومراته في القاهرة. وأنا وأبوكي عمرنا ما زورناهم. عشان المسافة. يعني ما كنتش أعرف بيتهم ولا حتى مكان شغل عمك. وكان سعيد أخويا مسافر العراق وكانت أخباره شبه مقطوعة زي مصريين كتير.
وبعد ما ولدتك بكام شهر اتفاجئت بأمي داخلة عليا هي وسعيد وإنه رجع من العراق وبخير. وجه عشان يزورني ويتطمن عليا. ولما جيت أقوم عشان أحضرلهم غدا. كان في حاجات ناقصاني في البيت. وأمي مارضيتش تنزلني عشان أبوكي ما كانش بيرضى يخرجني لوحدي عشان كان بيغير عليا. فصممت إن هي اللي تنزل. فضل أخويا معايا يحكيلي على اللي حصل معاه وهو مسافر. وفجأة أبوكي دخل. ولما لقاني قاعدة جنب أخويا يهدوم البيت وبنتكلم ونضحك سوا اتجنن. ومن غير أي
مقدمات مسك سعيد وفضل يضرب فيه. ووسط ضربه وأنا عمالة أزعق وأقوله سيبه ده أخويا. لكن هو كان سادد ودانه وفضل يضربه لحد ما سعيد اغمى عليه. ووسط ما أنا بحاول أسعف سعيد. بصيت لقيته اختفى واخدك معاه من غير ما يسمعني ولا يعرف ولا حتى يحاول يفهم حاجة.
لما أمي رجعت نقلنا سعيد على المستشفى وعلى ما أسعفوه وفاق تاني يوم. لأن أبوكي كان ضربه على دماغه واتفتحت لدرجة إن الدكاترة قالوا إن ممكن يكون حاله تربنة. لكن الحمدلله ربنا ستر. وطبعًا في المستشفى بلغوا واتحفظوا علينا لحد ما فاق. وأمي نبهت عليا ما أجيبش سيرة حاجة غير إنه وقع من على السلم. عشان كان عندها أمل إن أبوكي يعرف الحكاية وينصلح الحال.
وعلى ما فاق سعيد واتخدوا أقواله ورجعت البيت تاني يوم لقيت أبوكي باع العفش كله بكل ما فيه. حتى الهدوم ورجع الشقة لصاحب البيت. بقيت هتجنن عليكي. ولما رجعت بيت أبويا لقيته بعتلي ورقة طلاقي. ولما سعيد سأل عليه في شغله. لقاه واخد إجازة. واتنقل بلاعيم. فامي قالتلي اصبري عليه لحد ما يرجع من إجازته. وأخوكي هيروحله وهيفهمه كل حاجة. والمية هترجع لمجاريها. لكن عشان النصيب بعد يومين اتنين بس البيت بتاع أمي وقع علينا وأمي وسعيد
راحوا فيها. وعلى ما فقت من الصدمة وعرفت ألاقي متوى ليا وشغل عشان أعرف أعيش. كان عدى شهور. وقررت إني أسافر لابوكي شغله. لقيت أبوكي كمان مات. وما عرفتش أوصل لأي معلومة عنك. وأنا لوحدي ومش عارفالك طريق لا انتي ولا عمك. وحالتي كانت تصعب على الكافر. لحد ما ربنا بعتلي أبو أسامة واتجوزنا. وربنا عوضني شوية بإخواتك. لكن عمري ما نسيتك يابنتي. ولا يوم واحد. وربنا شاهد وعالم. ومستعدة أحلفلك على المصحف دلوقتي إني ما كذبتش في ولا
كلمة قلتها.
كلما أسامة اشتغل مع حاتم. واللي بالمناسبة يبقى ابن عمته. لقيته بيحكي لأخته عنك. وقد إيه إنك إنسانة راقية وجميلة من جواكي. وأنه نفسه يعرفها عليكي. وقالها إنه كان يتمنى لو كان أكبر من كده شوية. يمكن كان اتجوزك. ولما كلامه عنك لفت نظري سألته عليكي. لقيته بيقولي اسمك. قلبي اتكهرب. وقلت ليه ماتكونيش انتي أمانة بنتي؟
ولما سألته عن اسمك بالكامل وقالهولي. وقعت من طولي من كتر رعب إني قلبي ممكن يقف من قبل ما أشوفك. وأخدك في حضني يابنتي. كانت أمانة تستمع لها وهي في حالة ذهول تام مما تسمعه. ودموعها بعينيها كالامواج. كلما علت أغرقت وجهها. وما أن فرغت هدى من حديثها نظرت لأمانة قائلة برجاء: مصدقاني يا أمانة؟ أومأت أمانة برأسها وهي تنشج بالبكاء. لينهض هدى آخذة إياها بأحضانها وسط بكائهم العالي وصوت أمانة
يردد بين كل لحظة وأخرى: اتأخرتي عليا قوي. هدى: سامحيني يابنتي. ما كانش بإيدي أبداً. ملعونة الغيرة اللي بتعمي العين والقلب. أسامة بمرح محاولاً إخراجهم من حالتهم: إيه يا جدعان الفجر قرب يأذن. إحنا مش هنتسحر ولا إيه؟ أنا هطلب لكم سحور حالا. انتو نورتونا. التفتوا على صوت نوح الذي لم يشعر بوجوده أحد. لترفع أمانة رأسها لتلتقي أعينهم لأول مرة منذ سنوات طوال.
نسي نوح نفسه وهو يحاول تذكر ملامحها القديمة ولكنه لا يستطيع أمام ما يراه. فكانت أمانة ذات بشرة برونزية متوردة الوجنات وكأنها تجلس نهارها بين أمواج البحر وتحت أشعة الشمس. وعينان كعيون المها برموش بنية كثيفة. والتي على ما يبدو أنها بنفس لون شعرها الذي أطلت أطرافه من تحت حجابها. وأنف صغير مرفوع الطرف بكبرياء. أما شفتاها فكانت قصة أخرى. فكانت شفاه مغوية ذات سحبتي ابتسامة بجانبيها. ليسأل نوح نفسه. متى حدث كل ذلك الجمال وكيف؟
ليتفاجأ بأمانة تعيد نقابها بعد أن تمالكت نفسها من المفاجأة. ليتملكه صقيع داخلي. وكأنه سكنته ريح باردة قبضت على قلبه. ليفيق على صوت نعمة وهي تقول: تعالي يانوح سلم على ماما أمانة وأخوها. هدى بابتسامة واسعة: ماشاء الله يانوح. كبرت ياحبيبي. إحنا كنا أصحاب على فكرة وانت صغير. نوح: اهلا يا طنط. ازي حضرتك؟ أنا فاكر حضرتك كويس.
ثم حيا نوح أسامة بترحاب شديد وهو ينظر لأمانة بشغف وكأنه يتخيل ملامحها من تحت نقابها. ليميل عليها قائلاً: أنا فرحانلك من كل قلبي يا أمانة. وحقك عليا ماتزعليش مني. نظرت أمانة لنوح وهي لا تصدق أذنها ولكنها تومئ برأسها قائلة: شكراً يا ابن عمي.
يجلس الجميع بشقة نعمة بعد إلحاح شديد من نوح لتناول السحور. وما أن علمت سهر بأن أسامة شقيق أمانة على صلة قرابة بحاتم عبد الراضي إلا واختلفت معاملتها تمامًا مع أمانة وظلت تتودد لها ولشقيقها. سهر: ماتتصوريش يا جماعة أنا بحب أمانة قد إيه وبعتبرها زي أختي بالظبط. هدى بطيبة: ربنا يكرمك يابنتي. كتر خيرك. أسامة وهو يحتضن أمانة: ها يا مونى. هتيجي معانا؟ أمانة باستغراب: أجي معاكم فين؟
هدى: تعيشي معانا ياحبيبتي. ده أنا ما صدقت عترت فيكي. مش هقدر أفارقك تاني أبداً. أمانة بحنان وهي تلتفت لنعمة التي تنكس رأسها بشرود: بس أنا ما أقدرش أبعد عن نعمة وأسيبها لوحدها بعد السنين دي كلها. ده لولاها ما كنتش بقيت كده. هدى وهي تربت على قدم نعمة: جميلك في رقبتي طول عمري يانعمة. قد الأمانة بصحيح. ربنا يديكِ ويكرمك زي ما كرمتيني وكرمتي بنتي. لترتمي
أمانة بحضن نعمة وهي تقول: هي كرمتني بس. دي كرمتني وعزتني وعلتني في نظري ونظر اللي حواليا. وعملتلي اللي أمهات كتير قوي مابيعملوهوش مع ولادهم. نعمة وهي تربت على كتفيها: وانتي كمان يابنتي عملتي أكتر من اللي كان ممكن تعمله معايا لو كان عندي بنت من بطني. هدى: بس ده ما يمنعش إن إخواتك عاوزين يعرفوكي وتعرفيهم. وأنا كمان محتاجة أشبع منك. العمر مابقاش فيه قد اللي راح.
أمانة بحب: ربنا يديكِ طولة العمر. بس سيبوني شوية أستوعب كل اللي حصل ده. وبعدين نتفق هنعمل إيه. أسامة: خلاص ياماما لو تحبي خليكي انتي معاها الليلة دي. وأنا هبلغ بابا وإخواتي. أمانة بسعادة: بجد ممكن تباتي معايا؟ هدى بسعادة: لو انتي موافقة أنا كمان موافقة. أمانة: إلا موافقة. طبعًا تنوريني. سبحان الله لما فرشت الشقة كان قلبي حاسس إن هييجي يوم وأحتاجها. ثم التفتت لأسامة قائلة: طب ماتخليك انت كمان يا أسامة وننزل سوا الصبح.
أسامة بمرح: تصدقي فكرة. وندخل الشركة سوا واحنا إيدينا في إيدين بعض. والكلام يكتر حوالينا واحنا صايمين ونلم حسنات بالهبل. أمانة: تصدق إني كنت بستناك تيجي كل يوم عشان تناغشني. انت الوحيد اللي كنت بضحك معاك. أسامة وهو يقبل رأسها: اومال يابنتي. الدم بيحن. ده أنا كنت شوية شوية هتقدملك. لتقول هدى وسط ضحكاتهم: حقيقي. ده أنا عرفت إن نص المهندسين الشباب عينهم منك.
أسامة: ده كله من غير ما حد يشوفها. اومال لو شافوها وعرفوا إنها موزة كده كانوا عملوا إيه. كان نوح يستمع إلى حديثهم بصمت ويرسم على شفتيه ابتسامة لم تصل لعينيه وهو شارد في أمر شغل قلبه قبل عقله. هل ستذهب أمانة للعيش مع أمها؟ هل ستتركهم؟ هل ستنساهم؟ هل ستغفر له ما كان منه تجاهها؟ كيف سيستطيع منعها من الابتعاد؟
يجب أن يبقيها إلى جوارهم ولكنه لا يعلم كيف السبيل. ليفيق من شروده على سهر وهي تتمعن النظر بوجهه. ويخلو المكان من حوله من الجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!