بعد انصراف الجميع وملاحظتها لشرود نوح الكبير، قالت سهر: "ايه كل السرحان ده؟ ده انت حتى مارديتش السلام عليهم وهم خارجين وممكن يتضايقوا." بدهشة، رد نوح: "ومن امتى ياسهر؟ قالت سهر ببرود وهي تتجه إلى حجرة نومها: "هو ايه اللي من امتى ده؟ قال نوح: "من امتى بيفرق معاك إن ممكن حد يتضايق؟ قالت سهر: "ماتنساش أن الوضع دلوقتي اختلف، لازم تفهم الكلام ده كويس." بلا فهم، سأل نوح: "وضع ايه ده اللي اختلف؟ انا مش فاهم."
وهي تستدير له بعدم صبر، قالت سهر: "وضع أمانة اللي بالصدفة البحتة طلع في صلة قرابة بين اخوها وبين عبد الراضي، واحنا لازم نستغل الكلام ده لمصلحتنا." قال نوح: "كلام ايه ومصلحة ايه؟ احنا اللي بينا مشروع مشترك … شغل وماهواش خاص بينا، ده بين الشركة اللي بنشتغل فيها والشركة اللي أمانة بتشتغل فيها، يبقى ايه بقى اللي مصلحتنا ومصلحتهم والكلام الاهبل ده؟ بامتعاض، قالت سهر: "اهبل!
انت ناسي أن بيبقى ليا كوميشن عند كل تعاقد واللا ايه؟ بصدمة، قال نوح: "طب ما انتي خدتي الكوميشن بتاعك خلاص." قالت سهر: "ده على المشروع اللي هنبتدي تنفيذه بس." باستغراب، قال نوح: "ما تجيبي اللي عندك على طول ياسهر وبلاش اللف والدوران ده." قالت سهر بنعومة:
"يعني يا حبيبي لما العلاقات تتوطد بينا وبينهم ممكن يبقى في مشاريع تانية وتالتة ويتعرف عندنا أن احنا السبب في زيادة الشغل ده والكوميشن بتاعنا يعلى ويعلى … والايه، مش هتصحصح بقى معايا كده؟ قال نوح: "قلتلك ستين مرة انا مابحبش الشغل بالطريقة دي، وبعدين مش اتفقنا من قبل ما ننزل مصر انك عاوزة تتغيري … ايه بقى؟ بامتعاض، قالت سهر: "وما انا اهوه اتغيرت واتحجبت عشان تبقى مبسوط، عاوزني اعمل ايه تاني؟ قال نوح باشمئزاز:
"بقولك ايه ياسهر … انا كل اللي يهمني انك ماتضايقيش أمانة عشان ماما ماتزعلش، موضوع بقى الشغل ده بيبقى رزق من عند ربنا." قال وهو متجها إلى الحمام: "انا هتوضى واصلي الفجر والحق انام ساعتين … عاوز ابقى فايق وانا نازل الصبح." قالت سهر: "وانت رايح فين الصبح؟ قال نوح: "لازم انزل الشغل الصبح." قالت سهر: "بس احنا لسه معاد نزولنا بعد العيد." قال نوح:
"مش رايح اشتغل، رايح أثبت رجوعي واسلمهم الحاجات اللي معايا واخلص شوية مشاوير." قالت سهر: "طيب، بس ماتبقاش تعمل قلق لما تقوم تلبس." قال نوح: "ماشي، بس انتي مش اصحابك مديينك حاجات توصليها لاهلهم؟ قالت سهر: "بعدين، الدنيا مش هتطير." قال نوح: "دي أمانة يا سهر، وصليهم واخلصي." قالت سهر بعدم اهتمام: "بعدين بعدين مش هتفرق." قال نوح: "طب بصي، انا كمان معايا حاجات هوصلهم بكرة معايا لأصحابها، تحبي اوصل لك حاجة؟
قالت سهر بقلة صبر: "الشنطة الهاندباج الصغيرة فيها كل الحاجات اللي عاوزة توصيل .. طالما شاغل بالك قوي كده .. خودهم ووصلهم، بس سيبني انام بقى." بدهشة، قال نوح: "انتي مش هتصلي الفجر قبل ما تنامي؟ قالت سهر بامتعاض: "بقولك عاوزة انام." ليجذبها نوح من يدها برفق قائلا: "لما هتتوضي وتصلي الأول هتنامي وانتي مستريحة، يالا يا حبيبتي روحي اتوضي ماتخليش الشيطان دايما غالبك كده."
لتتجه سهر لكى تتوضأ وهى تتمتم بعبارات ساخطة جعل نوح يستغفر مرارا وتكرار وهو يدعو لها بالهداية والصلاح. *** في شقة أمانة، أعطت نعمة ملابس بيتية رجالية لأسامة أحضرتها من حاجيات نوح. وأدخلته أمانة إلى غرفة نوم بفراش صغير وهي تضحك قائلة: "تصدق لما اشتريت الأوضة دي اشتريتها عشان السرير ده عجبني عشان صغنن كده وقمر، بس أكيد لو كنت عرفتك قبلها كنت جبت سرير كبير شوية، إيه الطول ده يابني ما شاء الله." قال أسامة بضحك:
"وكنتي هتتطولي السرير إزاي بقى؟ قالت أمانة: "كنت هجيبه من غير زوايا ولا شبابيك .. على الأقل رجلك ماتبقاش مشعلقة وانت نايم." قال أسامة: "لا مانا بنام بالورب." قالت أمانة: "ماشي يالا نلحق ننام لنا شوية قبل الشغل." قال أسامة: "طب ماتيجي ناخد إجازة بكرة وتقضي اليوم كله سوا." قالت أمانة: "تصدق إني عمري ما اخدت إجازة من يوم ما اشتغلت." قال أسامة: "ليه يعني؟ قالت أمانة: "اصل كنت هاخدها ليه واعمل فيها ايه؟ قال أسامة:
"طب اهو جاتلك الفرصة، إيه رأيك، أنا هكلمك حاتم وهقول…" مقاطعة إياه، قالت أمانة: "أوعى يا أسامة .. أنا مابحبش أخلط شغلي بأي حاجة شخصية، بس عموما احنا خلاص هم يومين وهناخد إجازة العيد، خلينا نخلص اللي ورانا عشان الشغل ما يتكومش على دماغنا، وماتنساش أن المشروع الجديد هيبتدي وهنتسحل كلنا." قال أسامة: "ماشي … بس فكريني بعد الفطار أبقى أسألك على حاجة." قالت أمانة: "طب ماتسأل دلوقتي." قال أسامة ضاحكا:
"لا يا ستي عاوز أحتفظ بصيامي الله يبارك لك." لتضحك أمانة وهي تتجه إلى خارج الغرفة قائلة: "اللهم ثبت أقدامك وقوي إيمانك يا أخ أسامة، تصبح على خير يا أوزعة." ليضحك أسامة عاليا وهو يغلق الباب من وراءها، وهى تتجه للغرفة الأخرى التي بها هدى ونعمة. وما أن رأتها نعمة حتى نهضت قائلة: "أنا هروح انام في شقتي بقى." لتسرع أمانة إليها محتضنة إياها قائلة: "أبدا، أنا هنام وسطكم الليلة دي." قالت نعمة بحرج:
"يابت اقعدي مع مامتك شوية واشبعي منها وخليها تشبع منك." قالت أمانة وهي تصعد إلى منتصف الفراش: "أما ارجع من الشغل بقى، أنا محتاجة انام ساعتين دلوقتي عشان اعرف أصحى للشغل." قالت هدى: "طب ماتخليكي معايا دلوقتي وأنا ممكن أكلم حاتم …" قالت أمانة بتنهيدة: "مامال" لتبتسم هدى بسعادة وهي تسمعها للمرة الأولى تناديها بماما وتقول: "يا عيون قلب ماما." قالت أمانة وهي تبادلها الابتسام:
"أنا لو محتاجة إجازة .. هكلم المهندس حاتم بنفسي، حتى مش هدخل نيرة بينا، ومش عاوزة ده يتغير، أنا بشغلي ومجهودي مش بقربى من حضرتك وأسامة." قالت هدى وهي تربت على يدها: "حاضر يا حبيبتي .. زي ما تحبي." *** في اليوم التالي، أمام شركة عبد الراضي، يهبط أسامة من سيارته ويجذب أمانة من كف يدها ويتجه إلى داخل الشركة. ليقابلهم شاب في أوائل الثلاثينات من عمره ويبدو عليه الوقار. ليقف أمامهم ويقول وهو ينظر ويشير لأيديهم ببعض الحدة:
"صباح الخير، إيه ده؟ قال أسامة بابتسامة وهو ينظر لأمانة ويقول بمرح: "ونقابل أول فضول على الصبح ونقول وزة." قال حاتم بحدة: "ممكن أفهم إزاي داخلين الشركة بالشكل ده؟ قالت أمانة بحدة: "جرى إيه يا باشمهندس، حضرتك إزاي …" قال أسامة بتأنيب وهو يرفع يده أمام أمانة حتى يهدئ من انزعاجها ويوجه كلامه لحاتم قائلا:
"يعني المفروض تتكسف من نفسك لما تبقى عارف إننا بندور عليها السنين دي كلها وهي شغالة معاك طول الفترة دي وكمان تبقى صاحبة الهانم أختك وانت نايم على ودانك." قال حاتم وهو يزوي بين حاجبيه بتعجب: "أنا مش فاهم حاجة." ليضم أسامة أمانة إلى أحضانه قائلا: "ماهي دي أمانة أختي يافالح." قال حاتم بدهشة: "انت بتتكلم جد، بس أنا اللي أعرفه أن أمانة باباها ومامتها متوفيين." قالت أمانة بحرج:
"الناس هي اللي كانت بتفترض ده عشان عايشة مع مرات عمي." ليتنحنح حاتم بحرج ويقول: "أهلاً بيكي بصفتك الجديدة يا باشمهندسة، واعذريني بس الحكاية عمرها ما كانت تخطر على بالي أبدا." قالت أمانة بصدق: "حصل خير، بس أسامة اللي …" قال أسامة: "بصراحة حبيت أشوف رد فعل ناس معينة." قال حاتم وكأنه فهم شيئا ما: "اممممممم قلتلي ناس معينة، ماشي يا عمنا، اللهم إني صائم."
ليضحك الجميع ويتجهوا إلى الداخل مع إصرار أسامة على عدم ترك يد أمانة من بين يديه حتى وصلوا إلى غرفة ضخمة مليئة بطاولات الرسم المعماري ويصطف على كل منهم مهندس أو مهندسة. ويطلق الجميع على الغرفة "ورشة الرسم". لينتبه الجميع إلى دخول أمانة وأسامة وهما متشابكين الأيدي وتختلف تعبيراتهم ما بين اندهاش وغيرة وغضب. لكن أسامة يركز عينيه على وجه واحد وهو وجه خديجة .. إحدى زميلاتهم والتي علا وجهها الوجوم وترقرقت عينيها بالدموع فور رؤيتهم كذلك.
ليقول أسامة بسرعة: "يا جماعة أحب أعرفكم إني أخيرا عرفت أن المهندسة أمانة تبقى هي نفسها أمانة أختي من والدتي اللي كنا بندور عليها من زمان." لتتبدل تعبيرات الجميع وسط عبارات التهنئة على لم الشمل. ثم عودة الجميع لعملهم. في حين ذهب أسامة إلى طاولة خديجة وهو يدعي النظر إلى الرسومات أمامها وقال بصوت خافت:
"النهاردة بس اتأكدت إني مش لوحدي على الخط … عاوزين نقرا الفاتحة بقى ونتجوز، عاوز معاد مع أهلك تاني يوم العيد واعملي حسابك إن هو شهر واحد ونتجوز." ليتركها ويذهب إلى طاولة الرسم الخاصة به وكأنه لم يفعل شيئا وسط ذهول خديجة وابتسامته التي لم تفارق شفتيه بقية اليوم. في مكتب آخر، كانت تجلس أمانة إلى طاولة أمامها تراجع رسوما لأحد المشاريع. ليستأذن حاتم في الدخول وهو يحمل بيده بعض الأظرف قائلا: "باشمهندس أمانة من فضلك."
قالت أمانة: "أيوة يافندم اتفضل." قال حاتم وهو يعطيها الأظرف بيدها: "ده نيجاتيف الصور اللي اتخدت من فوق للقرية السياحية بتاعة دهب عاوزك تراجعيها مع الماكيتات واديني النتيجة قبل إجازة العيد." قالت أمانة وهي تتناول الأظرف من يده: "حاضر يافندم." ليظل حاتم بمكانه وهو ناظرًا أرضًا. لتنتبه له أمانة وتقول: "في حاجة تانية ياباشمهندس؟ قال حاتم وهو يحمحم بصوته:
"الحقيقة كنت عاوز أقولك أن يعني بعد ما وضعك اختلف وعرفنا مين مامتك، ما غيرتيش رأيك يا أمانة؟ لتحني أمانة رأسها في صمت وهي تتذكر نوح وزواجه وكل ما كان. ليقول حاتم: "أنا مش هضغط عليكي وهسيبك تفكري براحتك واتمنى إنك تردي عليا برد يفرحني." ثم يتركها حاتم ويذهب. لتجلس أمانة وهي تحدث نفسها قائلة:
"ما آن الأوان يا أمانة إنك تفوقي من الحلم اللي معيشة روحك فيه السنين دي كلها. عمره ما حبك، ولا عمرك حسيتي منه بحنية غير مرة واحدة بس ومن زمان أوي، وبعدها .. زي ما يكون ندم على حنينه معاكي وقرر إنه يقسى أكتر وأكتر ويوجعك أكتر وأكتر. حاتم بيحبني، ليه ما أديهوش فرصة؟ مش يمكن أحبه؟ طب ونوح .. نسيتيه؟
هتعرفي تحبي حد ولسه قلبك متعلق بغيره ولا هتربطي نفسك بواحد وقلبك مع واحد تاني. استغفر الله العظيم، يارب سامحني وساعدني إني ما أتعلقش أكتر من كده باللي مش من نصيبي." ***
في منزل أمانة، جلست نعمة وهدى تقص كل منهما ما حدث بحياتها للأخرى. وقصت هدى لنعمة عن زوجها وأنه الآن يعد من أثرياء البلد بعد مشاركته لزوج أختها والد حاتم في شركة المقاولات التي يمتلكها، والتي شاركه فيها في البداية بعدد قليلة من الأسهم ولكنه الآن يمتلك ربع الشركة ويمتلك عبد الراضي الثلاثة أرباع كاملة. ولكن الربع الذي أصبح من نصيب زوجها كان كفيلا بأن ينقل حياتهم بالكامل. وقد أحبها زوجها واعتبرها تميمة حظه، ولم يكف يوما عن مواساتها لفقدان ابنتها وكم كانت سعادته عند معرفة طريقها وأنه كان يريد الحضور معها ولكن أسامة أصر على أن تتفهم أمانة الموقف أولا ثم يتم التعارف على بقية الأسرة.
وفي المقابل قصت عليها نعمة طريقة زواج نوح وسهر وأنهم حديثي العودة لأرض الوطن بعد سنوات الغربة. قالت هدى: "بس مش عارفة أنا شفت سهر مرات ابنك دي فين قبل كده." قالت نعمة: "هي بتسافر كتير عشان شغلها واشتغلت مع شركتكم قبل كده." لتشرد هدى وهي تقول: "مش عارفة، الواحد الظاهر عجز وذاكرته عجزت معاه." قالت نعمة: "ربنا يديك الصحة والعافية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!