كانت أمانة تستعد للمغادرة مع نيللي ووالدتهما وسط الكثير من المرح والسعادة والغناء، ليستوقفها نوح وينتحي بها جانباً وهو يقول: "هترجعي امتى؟ "مش راجعة." "يعني إيه مش راجعة؟ "يعني البنات كلهم هيباتوا هناك لأن الميك أب أرتيست هيجيلهم هناك من بدري." "طب مش المفروض كنتي تفهميني حاجة زي كده؟ "معلش، ما جاش في بالي." "طب وإنتي مش محتاجة حاجة ولا عاوزة تشتري حاجة؟ "لا الحمد لله مش محتاجة حاجة."
"يعني مش محتاجة فستان تحضري بيه الفرح؟ "لقيت ماما جابتلي." "طب مش المفروض إن أنا اللي كنت جبتلك الحاجات دي؟ "الوقت كان ضيق وهي كتر خيرها وفرت عليا الوقت والتعب واختارتهولي هي ونيللي." ليصمت نوح وهو يحاول الوصول إلى عيني أمانة من خلف نقابها ثم قال: "ارفعي النقاب من على وشك يا أمانة… عايز أشوفك وأنا بتكلم معاكي." لترفع أمانة النقاب عن وجهها الذي يبدو عليه بعض الجمود ليقول نوح: "عايز أسأل سؤال وتجاوبيني بصراحة."
"من غير ما تطلب ده، أنا على طول صريحة." "لما أيمن قال إننا نتجوز معاهم وإنتي اعترضتي، كان عشان الشغل بصحيح؟ "لأ." "طب ليه؟ "إنت طلبت وقت، وأنا حبيت أديهولك… وأديه لنفسي كمان." "يعني…" "كلامي واضح يا نوح." "مش كله يا أمانة، فهمت إنك بتلبّيلي رغبتي، لكن فرصة لنفسك لإيه؟ "إني أصدقك يا نوح." "هو إنتي مش مصدقاني؟ أنا ما كدبتش عليكي يا أمانة."
"أنا ما قلتش إنك كدبت عليا، لكن محتاجة أحس بصدقك يا نوح، في حاجات ما ينفعش فيها الكلام، بتبقى لازم تتحس، وأنا محتاجة ده يا نوح، وبشدة." "بس لما كنا في المستشفى…" "لما كنا في المستشفى إنت كنت تعبان، وموجوع، وناس داخلة وناس خارجة، لا كان وقته ولا مكانه، وعشان كده أنا سمعت وبس." "ولو ما كنتش سألتك دلوقتي، ما كنتيش هتقوليلي الكلام ده." لتنظر أمانة إلى الأسفل لبرهة ثم ترفع رأسها وتنظر لنوح ببعض التركيز وتقول:
"اسمع يا نوح، أنا طول عمري ما بحبش المهاترات ولا المناقشات الكتير، لكن بحب آخد وأدي مع نفسي بما فيه الكفاية إني أطلع بقرار ما اندمش عليه بعد كده مهما حصل." "تقصدي إيه بكلامك ده؟ "أقصد إننا في كل الأحوال ولاد عم، سواء اتجوزنا أو ما اتجوزناش، وإنت أصلاً عمرك ما حبيبتني، يعني لو جه وقت وسيبنا بعض مافيش حاجة هتنكسر بينا، وهنفضل برضه ولاد عم." "إنتي بتفكري إننا ممكن ننفصل؟ "كل شيء وارد."
ليمسكها نوح من معصمها ببعض القسوة قائلاً: "إنتي شيلي الموضوع ده من دماغك نهائي." "عشان الوصية؟ "وعشاني وعشانك." ليصمت نوح وهو يتجول في معالم وجهها باستغراب ثم قال: "حبك ليا راح فينه؟ "حب إيه اللي بتتكلم عنه؟ "حبك ليا اللي كان في عيونك وتصرفاتك من وإنتي لسه في ثانوي، حبك ليا اللي حتى أيمن أخوكي اللي لسه يا دوب بيعرفك لاحظه واتكلم عنه، لدرجة إنه قلق عليكي لما عرف إني اتصبت ودخلت المستشفى زي ما قالي قدامك."
"سبحانه مغير الأحوال." "يعني إيه، لحق قلبك يتغير من ناحيتي كده بكل سهولة؟ "مش بسهولة أبداً يا نوح، ومش هنكر كل الكلام اللي إنت قلته، لكن هفكرك بكل اللي إنت عملته، وهسيبك إنت بنفسك تحكم على نفسك، وياريت كفاية كلام لحد كده. ماما ونيللي مستنياني." لتتركه أمانة وتنصرف بعد أن أسدلت نقابها على وجهها واتجهت إلى السيارة لتنطلق مع هدى ونيللي إلى وجهتهما. ***
كانت الحديقة بفيللا عبد الراضي مزينة بالورود والزينات وكان يحتلها الكثير من المدعوين، وكانت الشمس ساطعة والجو مليء بالبهجة وسط الأغاني والفرح والسعادة من الجميع بأجواء الحفل الذي اعتبره الجميع مميزاً لكونه مقام في الصباح.
وبعد عقد قران أيمن ونيرة، بدأت مراسم الاحتفال بالزفاف الثلاثي الذي كان يقوده أيمن بجدارة، فكان أيمن يبدو عليه السعادة الشديدة وكأنه فاز بجائزة اليانصيب، وقد أمضى معظم الحفل وهو يراقص نيرة محتضناً إياها بصدره. أما حاتم فقد راقص نيللي الكثير من الوقت هو الآخر ولكنه لبى نداء أصدقائه للاحتفال به كما يفعل الشبان في تلك المناسبات وترك نيللي بصحبة صديقاتها.
أما أسامة فكان يجلس بجوار خديجة التي رفضت رفضاً تاماً القيام من مكانها بعد رقصة السلو الافتتاحية، فبعد الانتهاء منها والعودة لأماكنهم، عندما طلب منها أسامة الرقص مرة أخرى رفضت تماماً متعللة بأنها خجلة من كل هذا التجمع، ليجلس أسامة بجانبها وهو متبرم.
أما أمانة فكانت تتنقل بين أخوتها تهنئ هنا وتشارك الفرح هنا وتسأل هذا وتساعد ذاك تحت نظرات نوح التي كانت تتابعها في كل خطوة وحركة وهو يتذكر عندما رفضت طلبه مراقصتها بحجة أنها لا تجيد الرقص ولكنه أحس بأن أمانة تفلت من بين يديه دون أن يستطيع السيطرة على ذلك. وعندما حانت لحظة انصراف العرائس والعرسان ودعهم الجميع بسعادة، ثم استعد المدعوون للمغادرة ليذهب نوح إلى أمانة طالباً منها اصطحابها للمغادرة معا ليجد هدى تقول:
"اصبر يا نوح، ده والد حاتم ونيرة عازمنا على العشاء." "معلش يا طنط، ممكن تعذريني أنا، إنتي عارفة إن لسه الجرح بتاعي بيشد عليا من المجهود، فمحتاج أروح أستريح، وكمان عشان السفر بكرة." "هو لازم بكرة يعني، ما كنتوا أجلتوها يومين ولا حاجة وإنت كمان لسه ما استردتش صحتك." "مانتي عارفة يا طنط، الموقع حالياً يعتبر ما فيهوش إشراف وعشان كده لازم نرجع أنا وأمانة، على ما العرسان يرجعوا بالسلامة." "طب ممكن تستريح هنا."
"معلش اعذريني، وسيبيني براحتي." "خلاص يا حبيبي اللي يريحك، روحي مع جوزك يا أمانة." "هو انت جاي بعربيتك ولا مع حد؟ "بعربيتي." "يبقى هنمشي ورا بعض." "طب ما تيجي معايا ونبقى نجيب عربيتك بعدين." "لا، ما بحبش أسيبها في مكان غريب عني." "طب تحبي نروح أي مكان نتعشى سوا الأول."
"خلينا نروح نتعشى في البيت، أنا كمان تعبت وما نمتش من امبارح، وعندنا سفر بكرة إن شاء الله، العربية اللي هتوصلنا الموقع هتعدي علينا بكرة إن شاء الله على الساعة ٨ الصبح." "خلاص، يلا بينا، بس سوقي على مهلك." *** على طائرة متجهة إلى فيينا يجلس أيمن بجوار نيرة وهو يحتضنها إلى صدره بحب وفرحة شديدة ويقول: "أنا مش مصدق إنك بقيتي بتاعتي."
"ولا أنا كمان مصدقة، حاسة إني بحلم ولما أفوّق هلاقيني نايمة في أوضتي وإن كل اللي فات ده حلم." "لو كان ده حلم ياريت يطول علشان نفضل نحلم كده على طول." لتضحك نيرة ثم تسأله: "اشمعنى فيينا؟ "كنت دايماً بتخيل نفسي معاكي واحنا راكبين مركب ونتفسح سوا، وفيها كتير أماكن حلوة هتعجبك، ثم تغني قائلاً… دي ليالي الأنس في فيينا… دي فيينا روضة من الجنة، نغم في الجو له رنة… سمعها الطير شدا وغنى." "ده إنت مستمع جيد للطرب القديم."
"لأن حبي ليكي على الطراز القديم." "هو الحب في منه طراز قديم وطراز جديد؟ "طبعاً، أنا حبي ليكي، زي حب عنتر لـ عبلة، قيس لـ ليلى، أحمد لـ منى." "مين أحمد ومنى دول؟ "معرفش، بس كل الأفلام الأبيض والأسود لما كان يبقى فيه قصة حب صعبة كان يبقى الأبطال اسمهم أحمد ومنى." "وإحنا بقى حكايتنا كانت صعبة؟ "كانت مزروعة بالألغام ومحاطة بالأسلاك الشائكة." "بس عديتها." "ده لأنني حلفت إني لا يمكن أسيبك أبداً."
ليلتقط شفتيها في قبلة طويلة ليستند برأسه بعدها على رأسها وهو يهمس: "بحبك يا أحلى حاجة حصلت في حياتي." *** في طائرة شرم الشيخ يجلس أسامة وهو ممسك بيد خديجة والتي تغمض عينيها في سبات عميق وسط غيظ أسامة الشديد وعندما أتت المضيفة لتسأله أن كان يرغب بطلب شيء ما. "ياريت لو نسكافيه بلاك من فضلك." "طب أجيب حاجة للعروسة ولا هتسيبيها نايمة؟ "لا هسيبها نايمة أحسن عشان بتخاف من الطيران."
بعد أن احتسى أسامة النسكافية سمع أسامة الطيار وهو ينبه إلى أنهم على وشك الهبوط ليتمم أسامة على حزام الأمان الخاص به وبخديجة وبعد أن هبطت الطائرة بسلام ينادي أسامة على خديجة بحب قائلاً: "ديجا.. حبيبتي.. وصلنا." لتفتح خديجة عينيها وهي تتلفت حولها قائلة: "أنا فين؟ "في الطيارة يا روحي.. وصلنا شرم خلاص، حمد لله على السلامة." "إيه ده هو أنا نمت طول الطريق؟
"آه يا حبيبتي وسيبتيني لوحدي، حتى المضيفة كانت عايزة تحتفل بينا وأنا مارضيتش أصحيكي وقلت أسيبك تنامي." "آه واحتفلت إنت بقى لوحدك مع المضيفة." "لا يا حبيبتي ما احتفلتش، قلت استنى أحتفل مع مراتي حبيبتي في جناحنا في الأوتيل براحتنا." "اخشى يا أسامة." "ده أنا هختشي خشي ما اختشاهوش مختشي قبل كده في المختشيين." ***
دخل حاتم فيلته الخاصة بأرقى أحياء القاهرة وهو يحمل نيللي بين يديه ثم أنزلها في البهو بعد أن أغلق الباب ورائهما وقام بتشغيل الإضاءة وقال: "نورتي بيتك يا حبيبتي." "ميرسي يا حاتم، البيت باين عليه يجنن." ليقع بصرها على صورة معلقة في أحد الأركان، لتكتشف أنها اللوحة التي رسمتها للعائلة في العيد عندما اجتمعت معهم أمانة لأول مرة، لتسأل حاتم باستغراب: "إنت جبت اللوحة دي إزاي؟
"طلبتها من طنط هدى وهي اللي جابتهالي وأنا برزتها وعلقته." "واشمعنى؟ "لأني وقعت فيكي بسبب اللوحة دي." "إزاي بقى؟ "كان تاني مرة أشوفك لما كبرتي، لما بصيتلك وإنتي مركزة في اللوحة ما قدرتش أشيل عيني من عليكي واتفاجئت بمدى مهارتك وإنتي بترسمي ودقتك رغم السرعة في التوصيف، ولفت نظري توصيفك لنفسك في اللوحة." "إزاي؟ "وصفتي نفسك بالوش اللي جوه الصندوق الإزاز، مش كده؟ "تعرف إنك تاني حد فهم ده من لوحاتي." "ومين أول حد ياترى؟
"بابا، بابا الوحيد اللي كان دايماً فاهم ده." "وليه كنتي حاجزّة نفسك بعيد عن اللي حواليكي؟ "لما بتحس بالغربة وسط الناس اللي بتحبهم بتلاقي نفسك غصب عنك عملت كده." ليرفع حاتم رأسها بأنامله وهو يميل عليها خاطفاً شفتيها في قبلة شغوفة ثم حملها بين يديه متجهاً إلى الأعلى وهو يقول: "ما بقاش فيه غربة، بقى فيه نيللي وحاتم وبس، ومن بكرة إن شاء الله أول محطة… باريس… مدينة العشاق." ***
في اليوم التالي يعود نوح بصحبة أمانة إلى الموقع لتنقضي أيامهما بين محاولات نوح المستمرة لاستمالتها إليه مرة أخرى وهي تارة يجدها غير مهتمة بالمرة وتارة مهتمة وتارة أخرى لا يستطيع قراءة ما يدور بذهنها أو فهم ما يدور بداخلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!