كان نوح يحمل أمانة ويجرى مهرولاً في طرقات المشفى وهو يتوسل من يساعده وسط بكاء أمانة وتأوهاتها التي لم تتوقف. حتى وضعوها على حامل الأشعة، وقاموا بعمل أكثر من أشعة لكتفها وذراعها الأيسر من أكثر من جهة. وبعد أن فرغوا، ساعد نوح أمانة على الاعتدال، ثم تركها واتجه خارجاً ليتحدث مع الطبيب المختص. وما إن وجده حتى سأله بلهفة عما يوجد بالأشعة، والذي أجابه بعملية شديدة قائلاً:
"كتفها اتعرض للخلع ومحتاجة إني أعمل لها رد لكتفها، ولازم تعرفي إنها هتتوجع بشدة من الإجراء ده." "أرجوك اعمل أي حاجة وبسرعة، واديها حاجة تسكنها، كفاية اللي شافته." "هو اللي حصل لها ده إزاي؟ ليقص نوح ما حدث بالتفصيل للطبيب. "طب حد كشف على ظهرها؟ "لا، إحنا جينا على الأشعة على طول."
"بعد ما أردلها كتفها، لازم حد من الجراحة يبص على ضهرها عشان يتأكد إن مخالب الكلب ما أذيتهاش، لأن ممكن تكون اتجرحت بس ألم كتفها مغطي على ألم الجروح." "طب ممكن أبقى موجود وأنت بتردلها كتفها؟ "إنت تقربلها إيه؟ "أنا جوزها." "مافيش مشكلة، هما حالياً ودّوها على الأوضة اللي هعمل لها فيه الرد، تقدر تيجي معايا." وعندما وصلوا إلى هناك، وجدوا أمانة تبكي بشدة وهي تنادي نوح. ليهرع إليها ما إن سمع صوتها وهو يضمها إليه قائلاً
بحنان شديد: "حبيبتي ماتخافيش، أنا معاكي أهو، أنا بس كنت بأوري الأشعة للدكتور." "موجوعة أوي يا نوح." "حبيبتي، إنت كتفك اتخلع وعشان كده الوجع جامد، فالدكتور دلوقتي هيرد لك كتفك ويديكِ مسكن، وكلها كام يوم إن شاء الله وهتبقى زي الفل." "لا مش عاوزة... مش عاوزة، لا... هتوجع زيادة، مش قادرة أتوجع أكتر من كده." "والله لو كان ينفع كنت خدت منك كل الوجع ده واتوجعته مكانك، حقك عليا، سامحيني."
ليشعر بأن أمانة، وكأن كلماته جعلتها تسهو قليلاً عن آلامها. لينظر للطبيب بأن ينتهي من عمله بسرعة. وما إن أشار نوح للطبيب وقام الطبيب بإمساك كتفها وقام برده في خطوة واحدة لم تتخطى نصف الدقيقة، حتى صرخت أمانة صرخة عالية انخلع لها قلب نوح. فما كان منه إلا أن كتم صرختها بشفتيه، ضاماً وجهها بيديه. كان النقاب حاجزاً بين شفتيهما، ولكن نوح عندما رفع شفتيه بحث عن عينيها من خلف نقابها.
ولكنه وجدها مغمضة العين، مأخوذة الأنفاس، وما زالت أنفاسها تتهدج من أثر نحيبها. ليضمها نوح إلى صدره وسط غمزات وهمسات التمريض، ولكنه لم يأبه لأحد. أخذ يردد بعض آيات الذكر الحكيم بصوت هادئ محبب إلى النفس حتى هدأت أمانة. لتسمع صوت الطبيب قائلاً: "هنحتاج نديها حقنة مسكنة." "لا، اديها أقراص، بتخاف من الحقن." لترفع أمانة عينيها وهي تنظر إليه محدثة نفسها: "لسه فاكر." "وكمان الحقن بتفضل معلمة في جسمها وبتوجعها فترة."
"خلاص تمام، يبقى تجيبي لها الأقراص دي. أنا كتبتلها على دهانات لازم تستعملهم بانتظام، وهتحتاج لعلاج طبيعي بعدها بس لازم أشوفها الأول كمان مرة بعد عشر أيام ونعمل لها أشعة تاني عشان نتأكد إن الرد كان مظبوط." "أنا متشكر جداً يا دكتور." "لا شكر على واجب، وما تنساش تعدوا على الجراحة زي ما قلت لك." "الجراحة... ليه؟
"ما تخافيش يا حبيبتي، أنا بس لما حكيت للدكتور على اللي حصل قال لي إن لازم دكتور جراحة يبص على ضهرك لا يكون الكلب جرحك بمخالبه وإنتي لسه مش حاسة بيه بسبب وجع كتفك." "طب خلي واحدة من الممرضات تبص لي عليه، بلاش دكتور." ليقبلها نوح من رأسها قائلاً: "حاضر." ليجلسها على أحد المقاعد ويذهب ليدبر أمر تلك الممرضة. ليعود إليها ومعه الممرضتان اللتان كانتا بصحبتها مع طبيب العظام. واصطحباها إلى غرفة أخرى ليطمئنا على ظهرها.
وسألها نوح إن كانت تحتاج إليه معهما، لتسرع بالرفض وسط اندهاش الممرضتين. وعند إغلاق الباب، بدأت الممرضتان في الكشف عليها. "هو إيه إنتي اسمك إيه؟ "اسمي أمانة." "أمانة... اسمك حلو أوي وجديد." "هو اللي معاكي ده يبقالك إيه؟ "خطِيبي." "كل ده ولسه خطيبك؟ اومال نقاب إيه ده بقى؟ "هو كاتب كتابي على فكرة، وابن عمي ومتربيين طول عمرنا سوا من صغرنا." "بس باين عليه بيموت فيكي، ده الود وده يشيل عنك الوجع، ربنا يخليكم لبعض."
لتشعر أمانة بلسعة برودة على ظهرها، لتنكمش على نفسها وهي تقول: "إيه ده؟ "ما تخافيش، دي خراشيش بسيطة وأنا هتطهرها لك بس وهحط لك عليها بلاستر وهتحتاجي تغيري عليه مرة أو اتنين وخلاص." وبعد أن خرجوا من الغرفة، ذهبت الممرضة الأولى إلى نوح وشرحت له ما عليه فعله. ليقترب نوح من أمانة وهو يعطيها قرص مسكن ويناولها زجاجة مياه قائلاً: "خدي يا أمانة القرص ده، المسكن هيسكن لك الألم إن شاء الله." لتلتقطه أمانة من يده وتتناوله
من فورها وهي تقول: "أنا عاوزة أمشي بقى، حاسة إني عاوزة أنام." "يالا يا حبيبتي... وصل نوح وأمانة إلى الموقع ليجد الهدوء التام، ولم يجدا غير الغفر وهم مجتمعين حول بعض النيران يلتمسون الدفء. ليساعد أمانة على الصعود إلى غرفتها وأنار لها الغرفة ثم قال: "ها يا حبيبتي، عاوزاني أعمل لك إيه؟ "ولا حاجة، أنا هنام." "طب أطلع لك حاجة تلبسيها؟ "أنا مش هقدر أغير حاجة، أنا هنام زي ما أنا كده." "تحبي أفضل معاكي على ما تنامي؟
"لا يا نوح، أنا هشغل القرآن جنبي وإن شاء الله هنام على طول." ليتجه نوح إليها ليقوم بخلع نقابها عنها وسط اعتراضها، ولكنه استمر فيما يفعله قائلاً: "بلاش مقاوحة يا أمانة لو سمحتي، مش هتعرفي تقلعيه لوحدك، لا النقاب ولا الخمار، سيبيني أساعدك لو سمحتي، وبعدين ما أنا اللي غيرته لك قبل ما نروح المستشفى." "أنا ماكنتش مركزة مع حاجة من الوجع." "طب يا ستي معلش، تمي جميلك وخليكي مش مركزة، والحمد لله إنها جت على كده."
ثم نظر إليها لبرهة وهو يركز بعينيها دون أن يتحدث. لتعلُ الحمرة وجنتي أمانة لتتنحنح قائلة: "فيه إيه، بتبص لي كده ليه؟ "لو قلت لك هتصدقيني؟ "جرب." "أنا مش عارف أجيبهالك إزاي، بس... لما حصل اللي حصل وشوفتك قدامي وإنتي موجوعة وأنا مش قادر أشيل منك الوجع ده، حسيت بالعجز، ولاول مرة في عمري ده كله أكتشف إني... وعندما طال صمته قالت أمانة وهي تحثه أن يكمل حديثه: "إنك إيه؟
ويمسك بكف أمانة غير المصاب بيسراه، وأخذ يخط كلمة ما على باطن كفها بيمناه. وعندما تاهت أمانة مع ما خطه نوح، رفع وجهه إليها وهو يلثم باطن كفها برقة قائلاً: "بحبك." ليسود الصمت بينهم لمدة من الزمن لم يحتسباها أو يعلما عنها. ولكن فجأة انتفضت أمانة من مكانها وهي تغمض عينيها وتسحب كفها من بين كفي نوح لتقول: "أنا تعبانة أوي يا نوح ومحتاجة أنام." "عندك حق، نامي إنتي يا حبيبتي وأنا هخبط عليكِ وقت الدواء بتاعك."
"ماتتعبش نفسك أنا... "يا ريت تسيبيني أتعب... ممكن؟ "اللي يريحك." "طب يالا اتعدلي عشان أغطيكِ." "روح يا نوح لو سمحت وأنا هتعدل وأنام." "اتعدلي بالراحة... أيوه كده، يالا عشان أغطيكِ." وظل يعدل من وضع نومها حتى لا تتألم أثناء نومها، حتى استقرت على وضع مريح بالنسبة لها. فقام بتدثيرها وهو يداعبها قائلاً: "شفتي إنك لمضة على الفاضي، ولا كنتي هتعرفي تعملي حاجة من غيري." "تعبتك معايا... متشكرة." ليجلس
نوح بجوارها وهو يقول بقلق: "متأكدة إنك مش هتحتاجيني جنبك الليلة دي على الأقل؟ "لا ما تقلقش، إن شاء الله هنام على طول." ليقوم نوح بوضع هاتفها في مرمى يدها قائلاً: "طب خلي تليفونك جنبك لو حسيتي بأي وجع أو احتاجتي أي حاجة كلميني على طول." "ماشي." لتتفاجأ أمانة بنوح وهو يميل عليها ليقبل جبينها ثم يعتدل قائلاً: "تصبحى على أحسن حال إن شاء الله." "وإنت من أهله." ليذهب نوح مغلقاً الباب من خلفه. ليفتح باباً آخر في نفس أمانة،
وظلت تسأل نفسها: "حبك بجد يا أمانة، ولا بس بيقول لك كلمتين ينسيكِ بيهم الكلام اللي سمعتيه؟ بس أنا كنت حاسة إنه خايف عليا بجد، شفت دموعه اللي عمري ما شفتها قبل كده غير وقت موت نعمة، حتى ماشفتهاش في موت عمي. معقول عشان صعبت عليه بس؟ لا نوح مشاعره عمرها ما كانت لحظية. طب هصدقه ولا لأ؟ هسلم له ولا لأ... يارب دلني على الصح واللي فيه الخير."
لتغفو أمانة وتذهب في نوم متقطع، فكانت تصحو على ألم كتفها كلما حاولت التقلب أثناء نومها، ثم تعود للنوم مرة أخرى. وظلت هكذا حتى الصباح. أما نوح، فبعدما ذهب إلى غرفته، ذهب إلى الشرفة ليدخن سيجارته وهو لا يشيح نظره عن باب شرفة أمانة. وهو يحاول فهم ما حدث منه تلك الليلة وهو يحادث نفسه: "إمتى يا نوح... فجأة كده حبتها!!
ده إنت كنت هتموت من قلقك عليها. اللي حسيته ده حب أكيد مش حاجة تانية، حاجة عمرك ما حسيتها ولا دقتها. إزاي افتكرت إنها بتخاف من الحقن، دي حاجة عدت عليها سنين طويلة أوي، وإزاي افتكرت إنها بتعلم في جسمها وبتوجعها، دي كانت لسه في ثانوي لما تعبت وحصل الكلام ده، بس فاكرة ومخزنه جوه دماغك، يعني تهمك يا نوح ومن زمان. طب كنت بتكابر المكابرة دي كلها ليه؟
ليه كنت بتتعمد تضايقها، وتوجعها رغم إنك طول عمرك عارف إنها بتحبك وبتعشقك كمان، ونعمة أكدت لك ده يوم ما طلبت منك تتجوزها. طب لما إنت كمان كنت بتحبها ليه ما اعترفتش حتى لنفسك بده؟ كنت هتوفر على نفسك كتير أوي، يمكن حتى ما كنتش سافرت. كنت بتهرب منها ليه يا نوح؟ مش كان زمانك نفذت الوصية وصنت الأمانة من زمان. طب هتصدقني وتسامحني ولا هتفضل فاكرة اللي سمعته بس؟ لينظر إلى السماء داعياً الله أن يلهمه الصواب وأن تتآلف القلوب.
ثم يذهب إلى الداخل مغلقاً الشرفة ليضع نفسه بالفراش بملابسه كما أمانة، ليتدثر وهو ممسك بهاتفه حتى يجيب أمانة سريعاً إذا حدثته. وذهب في نوم عميق لم يصحو منه إلا في التاسعة صباحاً على صوت الهاتف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!