عند عودة أمانة من عملها تجد نوح وسهر بمنزل عمها بالملابس البيتية، والتى جعلتها تشعر بالخجل وخاصة أمام ملابس سهر الفاضحة وتعاملها الأفضح مع نوح أمام نعمة رغم خجله من ذلك. عندما تجد أن أحدا لم ينتبه لوجودها، عادت إلى الخارج وقامت برن الجرس. فوجدت نوح يفتح الباب ويتركها عائدًا للداخل دون أن يتحدث إليها بأي كلمة. للتدخل وراءه بهدوء وهي تلقي السلام.
لم يجيبها سوى نعمة، أما نوح فاكتفى بإيماءة من رأسه وتمتمة بشفتيه لم تصل لأذنيها. أما سهر فقد نظرت إليها ثم عادت بعينيها إلى التلفاز وكأن شيئًا لم يكن. لتدخل أمانة إلى غرفتها وما هي إلا ثوان معدودة حتى خرجت مرة أخرى وهي تجر حقيبة ملابس ضخمة. نعمة: ماتستني لبعد الفطار ياحبيبتي، تكوني ريحتي وخدتي نفسك. أمانة: مانتي عارفة النهاردة ليلة وترية، ومش هبقى فاضية إني أعمل حاجة، أهو على الأقل أرصص هدومي في الدولاب.
نعمة: طب روحي وأنا هحصلك، بس هحط حاجة على راسي. أمانة: لو حابة تخليكي مع ابن عمي لبعد الفطار خليكي، وأنا هعدي عليكي بعد صلاة التراويح. لتنظر نعمة لها بصدمة قائلة: لاهو إحنا مش هنفطر كلنا سوا. أمانة بهدوء: مش هينفع أقعد متكتفة كل يوم على الأكل، سيبيني براحتي. نعمة بصوت عالٍ: هنفطر سوا يا أمانة، على الأقل لغاية ما يخلص رمضان وبعد كده نبقى نشوف هيحصل إيه لو ربنا كاتب لي عمر زيادة. لتنحني أمانة
مقبلة رأس زوجة عمها قائلة: ربنا يديكي طولة العمر ويخليكي ليا…. حاضر، هرص هدومي في الدولاب وارجعلكم. كان الحديث يدور أمام نوح الذي كان يتابعهم في صمت شديد وكأن الأمر لا يعنيه في شيء، حتى أنه تركها تذهب لشقتها دون أن يعرض عليها المساعدة في توصيل حقيبتها. أما سهر فكانت ملامحها متهللة عندما رأت أمانة وحقيبتها، ولكنها تجهمت مرة أخرى عندما أصرت نعمة على تناولهم الإفطار سويًا. وما أن أغلقت أمانة الباب وراءها
حتى قالت سهر بامتعاض: ما كُنتِ خليها براحتها، تأكل عندهم. نعمة بدهشة: تأكل بطولها واحنا كلنا هنا. سهر وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة: وفيها إيه، ماهي لازم تتعود... أو انتي ممكن تبقي تاكلي معاها. لتنصدم نعمة مما قالته سهر، وعندما نظرت لنوح وجدت الخجل يعلو وجهه وهو ينظر لسهر بعتاب قائلاً: إحنا مانتدخلش في الكلام ده ياسهر… اللي ماما شايفاه صح ومناسب تعمله، وبعدين ماما مرتبطة بأمانة جدًا ومش هتهون عليها تبقى لوحدها.
نعمة بفضول: طب وانت يانوح. نوح: أنا إيه ياما. نعمة: هتهون عليك. نوح بمماطلة: ياماما انتي عارفة إن أمانة يعني. نعمة: مالها أمانة يابني. نوح بتنهيدة: ماملهاش ياماما، بس انتي طول عمرك انتي وبابا الله يرحمه بتنصروها عليا وبتفضلوها كمان عني رغم أن أنا اللي ابنكم مش هي. نعمة بصدمة: إحنا يا ابني. نوح: يا ماما، ماتزعليش مني، بس هي دي الحقيقة. نعمة: انت بتغير من معاملتنا لبنت عمك اليتيمة يانوح. نوح: مش حكاية غيرة، بس…
نعمة: بس إيه، وامتى فضلناها عليك.. تقدر تقولي، دخلت مدرسة لغات زيك.. بالعكس.. دخلت مدرسة حكومة عادية جدًا لأن أبوك ما كانش هيقدر إنه يدخلها زيك، رغم أن إمكانياته لو كانت تسمح ما كانش هيتأخر أبدًا. كانت بتطلع رحلات زيك، عمرها... أبوك عمره ما وافق يطلعها رحلة واحدة طول دراستها، وعمرها ما خرجت مع حد من صحابها في أي مكان غير بعد ما اشتغلت، وحتى دي كل فين وفين وفي المناسبات. أخدت كورسات زيك...
ما حصلش، والحاجة الوحيدة اللي أبوك سمحلها بيها هي دروس القرآن ولأنها كانت في المسجد اللي في شارعنا. فضلناها عليك في إيه فكرني كده واللا فهمني لو أنا مش فاهمة. عشان كنا بنعاملها بما يرضي الله لأنها اتيتمت وهي لسه ماتعرفش حاجة من الدنيا، طب كنت عايزنا نعاملها إزاي.. نضربها واللا نعذبها زي ما بنشوف في الأفلام. واللا عشان لما كنت بتيجي عليها... نقولك بالراحة على بنت عمك دي لسه صغيرة.
رغم أن طول عمرها بتحبك وبتحترمك واخداك مثل أعلى ليها إلا إنك عمرك ما اتعاملت معاها عدل. نوح: هو ليه كل أما أجيبلك سيرتها تقعدي تقطمى فيا بالشكل ده. نعمة: لأنك مش فاهم. نوح: أفهم إيه. نعمة: إنها أمانة. نوح: وايه الجديد يعني ما إحنا عارفين إنها أمانة. نعمة: أمانة المعنى مش الاسم يا ابن بطني. نوح ببعض الخجل: تقصدي إني مابصونش الأمانة. نعمة: اديني أمارة كده،
ثم أكملت بتنهيدة: يمكن تكون غلطتي إني سيبتك السنين دي كلها من غير ما أحكيلك حاجة مهمة أوي. نوح باستغراب: حاجة إيه دي. نعمة: انت طبعًا عارف إني بنت خالة أبوك الله يرحمه، بس أمي وأمه ما كانوش شقايق، كنا في بلدين بعاد عن بعض أنا كنت في بلد بعيدة في البحيرة وخالتي كانت في الجيزة. نوح: طبعًا عارف.
نعمة: أنا كمان كنت يتيمة، وبرضو كنت متربية في بيت عمي، بس مع الفرق يانوح، أنا مرأة عمي كان عندها بنتين وولد، كانت واخداني أكنى شغالة ليهم، رغم أن عمري وقتها كان خمسة عشر سنة، لحد ما بالصدفة عمك كان في بلدنا عشان فرح واحد صاحبه، وخالتي كانت موصياه يزورني ويتطمن عليا، وعشان ربنا ما كانش رايدلي أتبهدل بزيادة.. ساعة ما جه خبط على باب عمي كانت مرأة عمي بتضربني ومبهدلانى. اليوم ده لا يمكن أنساه أبدًا...
عمي يومها ما كانش لسه رجع من شغله، لقيت عمك شدني من إيديها وخباني ورا ضهره واتخانق مع مرأة عمي اللي قالت له أنه كفاية بيصرفوا عليا وعلى علامى وأنها كده بتربيني ولو مش عاجبه ياخدني ويريحهم مني. عمك في لحظة شدني من ورا ضهره وقال لي ادخلي البسي، وما تجيبيش معاكي غير كتبك وبس. وفعلاً في ظرف ربع ساعة كان واخدني وماشي، وما حضرش فرح صاحبه، ورجع بينا على بيت خالتي اللي حكالها على كل اللي حصل.
خدوني في حضنهم وكانوا أحن عليا من أي حد تاني، واخدوني ليلتها وجابولي كل اللي ناقصني واللي عمري ما كنت أحلم إنه يبقى عندي، واللي عرفت بعد كده إنه كله كان من جيب عمك، وخالتي راحت لعمي بعدها بأسبوعين، واللي ما حاولش يعرف حتى حصل لي إيه فيهم وكأني كنت هم وانزاح، وجابت أوراقي كلها وخلوني أكمل تعليم لحد ما أنا اللي استكفيت، واتجوزت أبوك.
وعشان تعرف أنا مهما عملت لأمانة عمري ما هوفي جميل عمك اللي في رقبتي، أنا ما عملتش أكتر من اللي هو عمله معايا. ما أنسى أبدًا يوم ما جابني لخالتي وقال لها... عم نعمة خان الأمانة، عاوزني أنا كمان أخون الأمانة يانوح. كان نوح يستمع إليها وهو يتنقل بعينيه بين عيني أمه وكأنه يبحث عن أي مبالغة، ولكنه لم يجد إلا الصدق والحنين. وعندما انتهت نعمة من حديثها قال نوح: طول عمرك وانتي صاينها يا ماما.
نعمة: وطول ما فيا نفس هصون أمانة عمك وأبوك من بعده، أنا وأبوك كنا يادوب بنرد الجميل... أبوك عشان عمك اللي رباه واتكفل بيه بعد موت أبوهم، حتى ما رضيش يتجوز لحد ما اتطمن على جوازنا وأننا سددنا كل ديوننا واتطمن علينا.. وأنا برضة عشان كده وعشان اللي حكيتهولك. كلما كنت بشوف غيرتك وانت صغير، كنت بقول بكرة يكبر ويفهم، بس ما اتصورتش أبدًا إنك لحد دلوقتي حاططها في دماغك يابني.
نوح: خلاص ياماما ماتزعليش، ثم أنا لا حاططها في دماغي ولا حاجة، بس عمومًا أوعدك إني هحاول ما أضايقهاش تاني. نعمة بامتعاض: تحاول! نوح ضاحكًا: يعني أكتبلك تعهد طيب وإلا أعمل إيه. سهر بزهق: انتو على فكرة مكبرين الموضوع أوي، عادي يعني، ما ياما ناس بيبقى أهلها ميتين وبيعيشوا عادي يعني…. إيه الأوفر ده. لتتمعض نعمة من حديثها ولكنها تفضل الصمت. نوح بتحذير: إحنا قلنا إيه. سهر
وهي تنفخ وجنتيها بامتعاض: المغرب قرب يأذن هنفطر إيه. نعمة: أنا هحط الأكل في الفرن وأسخنه، وهروح أطل على أمانة أشوفها لو محتاجة حاجة، ونبقى نطلع الأكل على السفرة وقت الفطار عشان ما يبردش. سهر: إيه ده، تقصدي الأكل بتاع امبارح. نعمة: ااه يابنتي، الأكل اللي فضل كتير جدًا. سهر بلا مبالاة: شحتيوه.. ارموه... كلوه انتو، لكن أنا ماباكلش أكل بايت. نوح باحراج: الأكل فعلاً كتير أوي ياسهر.
نعمة: خلاص يابنتي لو مش عاجبك، قومي شوقي عاوزة تفطري إيه واعملي اللي يعجبك، لكن حرام إني أرمي الأكل ده كله. سهر باستخفاف: إيه ده، أنا أقف أعمل أكل، لا طبعًا. نعمة بدهشة: اومال مين اللي كان بيعمل لكم الأكل وانتو في دبي. سهر بتأفف: كنا بناكل بره أو بنجيب دليفرى. نعمة بأسى: والله يابنتي انتو حُرين، أنا اللي عليا عملته. سهر وهي تنظر لنوح بغضب: قلت لك نفضل في الأوتيل ما عجبك. نوح وهو يسحب
سهر من يدها بشيء من الحدة: تعالي عاوزك. لياخذها إلى حجرته مغلقًا الباب من ورائه ويلتفت إليها وهو يعنفها بصوت خافت: وبعدها معاكي ياسهر، إحنا اتفقنا على إيه. سهر بضجر: بقولك إيه يا نوح، أنا مابحبش الخانقة. نوح بدهشة: أنهي خنقة دي اللي بتتكلمي عنها، هو حد داسلك على طرف.
سهر بعصبية شديدة: من ساعة ما جينا وانتو مالكمش سيرة غير ربة الصون والعفاف وذكريات الأموات اللي ماليش فيها وسكت، لكن كمان هتغيرولي نظام حياتي وأكلي وشربي. نوح: أولاً المفروض إن انتي زوجة ومسؤولة عن نفسك وعني، يعني انتي المفروض تفكري هندبر حياتنا إزاي.. مش تسألي، ثانيًا. حياتنا هنا هتبقى غير دبي ودخلنا هيتغير، فلازم نأقلم حياتنا على كده ونتعلم نعمل اللي ما كناش بنعمله، واعتبريها فرصة إنك تتعلمي من ماما وأمانة.
سهر: أفندم.. أمانة مين دي اللي أتعلم منها. نوح: وطّي صوتك وانتي بتتكلمي معايا ياسهر وما تنسيش إننا مش لوحدنا في البيت، وأنا ما أحبش أبداً إن أمي تسمعك وانت بتعلي صوتك كده، أو أن أي حد يحس إني مختلف معاكي. سهر بتنمر: والحد ده طبعًا يبقى الست أمانة مش كده. ليعطيها نوح ظهره وهو يردد الاستغفار، لتلتفت حوله
تواجهه مرة أخرى قائلة: لازم يعرفوا إننا سعداء مع بعض ياسهر وخصوصًا أمانة، واشمعنى أمانة يانوح.. تقوليلي يعني عشان تعرف إن ابن عمها اتجوز أحلى واحدة في الدنيا وأنه سعيد معاها كمان. ثم تقول وهي تستشيط غضبًا: من يوم ما عرفتك وانت خواوتني بيها، شوية تحكي وشوية تشكي، وبصراحة بعد اللي شفته منك امبارح.. ما بقيتش مصدقاك يانوح. نوح بدهشة: وانتي شفتي مني إيه امبارح. سهر وهي تتمعن بتغييرات وجهه: شفت غيرتك يانوح...
انت بتغير على أمانة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!