بعد عودتها للنوم، إجتاحها الشوق لحبيبها الأول والأخير خالد. افتقدت حنيته ووقوفه إلى جانبها كلما أحست بالضعف والوحدة. فانتابتها في تلك اللحظة خليط من الأحاسيس من الخوف والشوق والوحشة والألم عما كان مصيره بين الأيدي التي لا ترحم. لم تعلم قط بقتل حبيبها من قبل أهل القرية، والذين ينتظرون دورها بشغف. في تلك الأثناء، جرى حديث خاص بين الشيخ وابنه الذي عاد من السفر. الشيخ: مرحباً بك يا بني من جديد في منزلك.
الابن: شكراً لك يا والدي. كم افتقدتكما في غربتي. كنت كالمجنون لا أعلم ما الذي أصابني وكيف خمنت في الرحيل والابتعاد عنكما. الشيخ: أفهمك يا بني. أنت كنت تمر بظرف صعب، وموت زوجتك صدمك وجعل تفكيرك لا يستوعب ما بين الخطأ والصواب. فأردت أن تبتعد عن البيت والذكريات، أو بالاحرى تبتعد عن صورتها التي كانت تلاحقك وتحيط بك في كل ركن من أركان المنزل.
الابن: ذاك هو يا والدي. كنت أراها بملء العين، حتى أنه يتهيأ لي أنها تكلمني أحياناً. فأردت الهروب والنسيان لبعض الوقت. الشيخ: وهل نسيتها يا بني في هذا الوقت القصير؟ الابن: علمت يا والدي أن الهروب ليس بالحل. لم أستطع نسيانها ولو للحظة واحدة، كما أدركت أن الأماكن ليست لها علاقة في النسيان. فعدت أجر حزني كما رحلت به.
الشيخ: أنت يا هاشم، في تلك المحنة لم تفكر إلا بنفسك. فكرت في مشاعرك ولم تفكر بابنك الصغير، كيف سيشعر بين ليلة وضحاها أنه فقد والدته التي يحبها ومتعلق بها لأبعد حد، ثم في لحظات لم يجد والده ليرتمي بين أحضانه في عز وحدته وإحساسه باليتم. تركته مع شيخ كبير لا حول له ولا قوة، وذهبت دون أن تلتفت لورا.
هاشم: كنت محقاً يا والدي، ولن أنكر ولو كلمة واحدة مما قلته. أنا جداً آسف، فأنا كنت مشوش العقل. والحمد لله أنني استرجعت بصيرتي للأمور وعدت إلى رُشدي في وقت مبكر. أعدك يا والدي، لن أترككما مجدداً. الشيخ: الحمد لله على سلامتك يا بني. فصابر افتقدك كثيراً، وهو بأمس الحاجة إليك. حتى أنه من كثرة إحساسه بالوحدة تعلق بإنسانة غريبة صادفها بالطريق فقط. هاشم: بما أنك ذكرت الغريبة تلك، فمن تكون هي يا والدي؟
حكى الشيخ القصة من أولها لآخرها عن لقاء نورة بصابر في المقبرة، لحتى استضافتها في منزلهم. هنا استشاط هاشم غضباً من تصرف والده، وكيف له أن يدخل غريبة لا يعلم عن فصلها وأصلها شيئاً إلى منزلهم. الشيخ: وهل تراني صغيراً يا هاشم حتى لا أحسن التصرف؟ من دخل إلى بيتي أولاً أستضيفه. هاشم: ولكن يا والدي، ألا تظن أن قصتها نوعاً ما ناقصة؟ هي تخفي أمراً، وأتمنى أنه لا يكون أمراً سيئاً يؤذينا بسببه.
الشيخ: منذ رؤيتي لنورة أول مرة، علمت أنها في مأزق. فعينيها وتصرفاتها تفضحانها، وكأنها تطلب النجدة والحماية دون أن تتكلم عن الموضوع. وخاصة أن ليس لديها زاد ولا متاع، ولا حتى إنس يحميها من شر الطريق وسفره. فأردت أن أحميها في تلك اللحظة. بالرغم من كل شيء، فهي تبقى فتاة لا حول لها ولا قوة، حطت قدماها على أرض لا تعرفها، أن كانت خصبة تصلح للعيش فيها أو جافة لتعود أدراجها.
كما رأيت كذلك تلك المحبة والحنية ما بين صابر وتلك الفتاة الغريبة والبريئة، الذي شعر معها بالراحة من أول وهلة رآها فيها، فقلت في نفسي عساها هي من تهدأ من روعه وألمه من الفقد. هاشم: ومتى تعود لديارها؟ ألم تقل لك عن وقت محدد؟ الشيخ: لا يا بني. دعها وشأنها في هذه الساعة حتى تقرر ذلك بنفسها. وربما تحس بالأمان منا، فتقص لنا عن قصتها.
هاشم: أرجو أن يكون من ورائها خير. أرجو فقط ذلك. تصبح على خير يا والدي، فقد عانيت وتعبت من طول السفر. سأنام بجانب ابني صابر، سأظل أشمه طيلة الليل حتى أشبع من رائحته، فأنا كثيراً اشتقت لهذا الصبي. الشيخ: وأنت بصحة وسلامة يا بني. اذهب وارتح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!