حينما دخل الشيخ إلى البيت وجد الجميع مستدرين حول مائدة الإفطار وضحكات صابر تصل إلى خارج المنزل. هنا أمرهم أن يجمعوا أغراضهم بسرعة لينتقلوا إلى بيتهم الثاني في الضفة الغربية من القرية المجاورة. "ما الذي حدث يا والدي؟ هل هناك من خطب؟ " قال هاشم. "لا تسأل الآن يا بني. اجمع أغراضك وأغراض صابر. أما نورة فهي ستقتني من بعض حاجيات المرحومة الضرورية فقط، ثم ارحلوا."
تغير وجه هاشم مما ذكره الأخير لنورة، لكنه لم يبدِ أي ردة فعل، بل صمت وفعل ما طلبه والده. فمنذ صغر هاشم يطيع والده ويثق في كلامه وقراراته، حتى وإن اختلف معه لبعض حين حتى يثبت العكس لديه. جمعوا كافتهم أغراضهم البسيطة وانتقلوا كما أمرهم الشيخ إلى المنزل الثاني على متن العربة نفسها التي أوصلته من السوق إلى داره. ولكن الشيخ أبى أن يذهب معهم وتخلف عنهم لحين، على حسب قوله، ربما حتى يتأكد بعدم وجود أحد ما يلحق بهم.
وصل الجميع بخير. وكم اندهشت نورة لروعة وبهاء المكان الذي كان المنزل في وسط جنة خضراء تذهب العقول بجمالها الخلاب. "هل هذا منزل أم خيال؟ كيف تتركون هذا النعيم وهذا الهواء العليل وتسكنون في تلك المنطقة العادية؟
"صحيح هو مكان يسترد الإنسان روحه من جماله وهدوئه، ولكن نحن مابين هنا وهناك. ففي الشتاء يصعب علينا السكن هنا لصعوبة تلبية حاجياتنا، وبقية المواسم، خاصة الربيع مثل هذا الوقت تقريبًا، لا نستطيع الابتعاد عن هذا المكان مطلقًا." قال صابر لنورة: "سنضع أغراضنا داخل البيت وسآخذك لأريك المكان المفضل لي." "طبعًا يا عزيزي بكل سرور. أحب أن أرى ما تستهويه خاصة في جمال الطبيعة كهذه."
قال الشيخ: "وهل أنا معزوم على الاقتراح أم أنسحب للقيلولة؟ "لا يا أبي، من الآن لا تقل لي ذلك. حتى نحن لم نتغذى بعد والوقت مبكر على القيلولة. أكيد ستحضر معنا ونعتبرها فسحة عائلية." هنا لملمت نورة الموقف المخجل بالنسبة لها، فهي تعتبر نفسها أنها ما زالت غريبة كل الغرب عما ذكره صابر الأخير.
"إذا سنضع أغراضنا أولًا في مكانها المناسب لجميعنا ونرتب المنزل، وبعدها نرى ما الذي نستطيع طبخه للغذاء. نتغذى، ثم سنكون نوافق هاشم وصابر على كلامها المنطقي." وبعد ذلك، كل واحد منهم قام بدور مهم في ترتيب المنزل. في تلك الأثناء، وبعد لحظات ليست بالقليلة من رحيل هاشم ونورة وصابر، جاء شخص يطرق باب المنزل المتواجد به الشيخ بمفرده. "مرحبًا يا حج." "مرحبًا يا بني." "أنا اسمي عامر، أريد أن أسألك عن أمر مهم."
هنا الشيخ تفطن أن هذا الذي أمامه هو نفس الشخص الذي كان يتعارك مع الرجل الملثم في السوق، والدليل الدم الذي يظهر فوق قميصه بشكل واضح، وعلم عن ماذا يريد سؤاله. توقع الشيخ حضور شخص ما يبحث عن الفتاة، لذلك لم يندهش من وقوف أحدهم أمام باب منزله، وخاصة ذاك الشاب الذي عرفه عن طريق صديقه مبروك. قال له: "أهلاً بني. هل من خدمة أقدمها لك؟ "شكرًا يا حج، أود فقط أن أسألك عن فتاة التقيت بها عند باب المقبرة. هل تعرف أين هي؟
"وما شأنك بها؟ إذا هي عندك؟ "لا، ليس عندي. ولكنه مجرد سؤال. رجل غريب يطرق على أبواب الناس من أجل فتاة، أليس بالأمر غريب نوعًا ما؟ "نعم يا حج، الفتاة تخصني ومن الآخر هي من عداد الموتى. وإن كنت تخبئها فأنصحك أن تعطيني إياها لكي لا يكون مصيرك نفس مصيرها." "هل تهددني يا ولد في عقر داري؟ "افهمها كما تريد، ولكن قدم لي ما طلبته منك فقط وأعود من حيث أتيت."
"ليكن في علمك يا فتى، لا أخاف. وتلك الفتاة لا أعلم عنها شيئًا سوى أنها تسأل عن وجهة الطريق الشرقية." "وماذا أيضًا؟ "لا يوجد شيء. ذهبت ولم أرها ثانية. والآن ارحل، فالذي تبحث عنه ليس موجودًا عندي." "سأرحل، ولكن إن أدركت أنك تكذب علي ستنال أشد العقاب مني ولن ترحمك شيبتك هذه. فتذكر عندها هذا الوجه جيدًا الذي أمامي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!