أخذ صابر نورة ووالده إلى المكان الذي يحبه بعد أن تغذوا أكلاً بسيطاً. فهم لم يجدوا في البيت سوى بعض المخللات وبعض من الطماطم والخيار التي قطفها هاشم من البستان المجاور من منزله. وطيلة الطريق كان صابر يجمع الزهور البرية والياسمين ويشكلها كباقة فنية ويقدمها لنورة التي كانت تسعد بها كثيراً.
حتى وصلوا إلى المكان المقصود، وهو عبارة عن بيت صغير أو بالاحرى كوخ صغير مصنوع من الحطب الخالص ومعلق على الأغصان ما بين شجرتين عملاقتين. كان الكوخ منظره جميل جداً، وكم أعجبها نورة طريقة صنعه وتركيبه بحرفية تامة، وسألته من كان وراء الفكرة ومن بناه له بهذه الحرفية المطلقة. أجابها أنها فكرته التي استوحاها من بيت صديقه الذي صنعه، ولكن كان يضعه على الأرض فنقص من جماله.
لذلك خمن بالإشتراك مع والده وأمه المتوفاة أن يصنع كوخاً معلقاً بين الشجرتين وتمت الموافقة. وكان صنعه شاقاً إلا أن والده وبعض المساعدين أصدقاءه برعوا في بنائه. وألح بعدها صابر أن تصعد في الدرج لكي ترى تفاصيله من الداخل. وبعد الإلحاح الكبير وافقت نورة الصعود في الدرج الخشبي بالرغم من خوفها. إلا أنها صعدت وأعجبها كثيراً دقة تفصيل الكوخ. ولكن عند نزولها زلقت قدمها فجأة وسقطت على إثرها من الدرج الخامس على الأرض مباشرة.
فكانت السقطة شديدة وموجعة عليها وأصبحت تصرخ وتبكي. فهلع هاشم وصابر إليها: "نورة نورة هل أنت بخير..؟ قالت: "لا أظن، فبطني تتقطع وجعاً يا هاشم، الألم شديد." "سأساعدك بالوقوف على مهلك." "لا أستطيع، أرجو أن يكون طفلي بخير، أرجوك يا هاشم أنقذ ابني، الوجع لا يحتمل." هنا صعق هاشم مما تقوله هذه الفتاة التي أمامه: "أي ابن هذا الذي أنقذه وهي في هذه السن الصغيرة؟
وتشتت عقله في تلك الأثناء: "أيعقل أنها حامل أم أنها تهذي من أثر السقطة.؟ رددت: "هاشم هاشم أرجوك أنقذ ابني الذي في بطني، فأنا أحس بنزيف داخلي." قال: "حاضر حاضر، سآخذك إلى أقرب مستوصف، سأحملك، عليك أن تتحملي قليلاً." حمل هاشم نورة على يديه ولحقه صابر الذي كان مرعوباً وخائفاً على نورة. الذي تذكر في تلك الأثناء أمه عندما كانت تتألم وتتوجع وياخذونها إلى المستشفى كل مرة حتى آخر مرة لم تعد مطلقا.
وبكى صابر ظناً منه أنه سيفقد نورة مثلما فقد والدته. دخل هاشم إلى المستوصف بعد عناء مشوار الطريق وحمل نورة ما بين يديه كل تلك المدة وهو ينادي للممرضة أن تساعدها على إنقاذها، وخاصة عندما تأكد أنه يوجد نزيف حقاً ظهر أثره على ملابسها. قالت له الممرضة: "هل هي زوجتك يا أستاذ.؟ أجاب: "لا ليست زوجتي وإنما هي قريبتي." "ما كان سبب الحادث.؟ "وقعت عن السلم." "أين هو زوجها.؟ "هو مسافر ولا يستطيع القدوم في الحين."
"هل من خطب دكتورة.؟ "للأسف فقدنا الجنين ولم نستطع إنقاذه، العوض بسلامتكم." "مؤسف حقاً، وهل علمت نورة بما أصابها.؟ "أجل علمت بإجهاضها ودخلت في نوبة هستيرية من البكاء، والآن حقناها بإبرة مهدئة، في المساء تستطيع أخذها للبيت كي ترتاح." "شكراً لك دكتورة." في المساء أخرج هاشم نورة من المستوصف مع صابر على متن عربة صغيرة تجرها. وعند دخولهم للمنزل وجدوا بانتظارهم والد هاشم: "ما الخطب أين كنتم لحتى هذه الساعة.؟
منذ مدة وأنا بانتظاركم، ومابها نورة شاحبة هكذا يا بني.؟ "نورة أجهضت جنينها يا والدي على إثر سقطة قوية، وأظن حان الوقت أن نعرف حقيقة هذه الفتاة وعليها هي إخبارنا كل الحقيقة." "الحمد لله على سلامتك يا ابنتي، كان عليك إخبارنا أنك حامل لكي نكون أكثر حرصاً عليك."
"شكراً يا حج، أنتم قمتم بالواجب وأكثر، ولو كان أحد من أقاربي لجأت إليهم في ظرفي هذا لما عاملوني كمعاملتكم الحسنة هذه، والآن أظن حان وقت رحيلي وآسفة على إزعاجكم لهذه اللحظة." "ما الذي تقولينه يا ابنتي، أنت ضيفتنا وعلينا إكرام الضيف، وأنت متعبة الآن ومستحيل أن تتخطي خطوة واحدة خارج باب المتزل."
قال هاشم: "أتركها يا والدي ترحل، فهي تخفي من ورائها كارثة أكبر من حجم مصابها، فإن لم تكن كذلك فلماذا تفضل الرحيل وهي بهذا الحال، كي لا تخبرنا عما أجرمت فيه وتقول كامل الحقيقة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!