أصبحت المواجهة حتمية وليس لها مفر ما بين نورة وعائلة هاشم الذي أسمعها كلامًا قاسيًا بسبب إخفائها حقيقة أمرها، ما زاد للطين بلة من وجع نورة وألمها، خاصة بعد احتراق قلبها على ابنها التي أجهضته مؤخرًا.
أخبرته أن كل ما يحدث لها ناتج أنها أحبت شخصًا بكل جوارحها لا غير، وكان جزاؤها الحكم عليها بالموت. وأوضحت أنها هربت لتنقذ طفلها الذي في بطنها، وبما أنه لم يكتب له العيش، ستعود من حيث أتت. وهروبها لم يمنع القدر من الاحتفاظ به مابين أحضانها، وعليها أن ترضى وتتقبل مصيرها مهما يكن قسوته. هنا رأف قلب هاشم عليها وهي تتكلم وتذرف دموعًا سخية على وجنتيها، وقدميها بالكاد تحملانها من شدة التعب والإرهاق.
قال: لا بأس، فهمت الموضوع الآن. ولاداعي للعودة، فلا أحد يذهب للموت برجليه، فهذا يعتبر انتحارًا. قال الحج: صحيح يا بنيتي، لا داعي أن تعودي إلى قريتك الآن حتى يمر بعض الوقت وتهدأ الأوضاع وينسى الجميع القصة، وبعدها عودي متى أردتي. ولكن أود فقط أن أسألك، هل والداك هما أيضًا ينضمّان للبقية ويريدان حتفك مثلهم؟ أجابت: والدي أين هو والدي في حياتي؟
فهو ليس موجودًا بين يومياتي. فمنذ زواجه بعد وفاة أمي، أصبح لا يراني وكأنه اعتبرني متوفية أيضًا مع أمي وأنا ما زلت حية أرزق أمامه. وكل انشغالاته كانت لأعماله وواجباته نحو زوجته المصون وابنائه الثلاثة لا غير. لذلك لجأت إلى أول شخص غريب بادلني بالحب والاهتمام، فكان السند والرفيق في أسوأ ظروفي. ولولا فقره وعوزه لكنا تزوجنا منذ مدة، إلا أننا فضلنا أن نؤجل الأمر حتى يعتدل حظه. ولكن الأمور جرت عكس أمانينا، واليوم أنا جدًا خائفة أن أفقده على يد الوحوش التي لا ترحم وأعود إلى وحدتي من جديد.
قال الحج: انصتي لي يابنيتي، أنا لن أعاتبك على فعلتك وسوء تصرفك. ولكن أنتم الجيل الأخير شوهتم المعنى الحقيقي للحب. فلو كان الذي تحبينه حقًا يحبك لما لمس شعرة منك وجعل منك جوهرة لا يلمسها إلا بالشرع وموافقة أهلك. الحب عبارة عن تضحية وعطاء بدون مقابل، هذا هو الحب الشريف العفيف يابنيتي وليس تنديس للشرف. أما عن حب والدك لك، فاكيد أنت مخطئة بتقديرك نحوه. فكل الآباء بدون استثناء يحبون أبناءهم، وكل الكلام لا يعبر عن الشعور الداخلي الحقيقي اتجاههم.
أجابت نورة: وأين إذا الأفعال يا حج؟ إن غاب الكلام، فأنا أفقدهما كليهما من والدي للأسف. بعدها استمرا هاشم ووالده بإقناع نورة بالعدول عن الرحيل، دون أن يتلقيا منها أي جواب شافٍ بالموافقة على كلامهما. ثم ذهب كل واحد منهم إلى أشغاله، فهاشم مثلاً ذهب للتبضع لبعض لوازم المنزل. ووالده اتجه نحو الاصطبل، وصابر كان ملتهيًا بلعبته المفضلة ألا وهي اللعب بالكرة.
أما نورة، عندما أدركت أن البيت ساكن لا يوجد به أحد، توجهت نحو باب المنزل وخرجت مهرولة مسرعة قبل أن يراها أحد. وما إن تخطت بخطوات لابأس بها، إذ تسمع مناديًا ينادي عليها: "نورة.. نورة! أين تذهبين في هذا الوقت؟ قالت: نعم يا عزيزي، لما تركت لعبك ولحقت بي؟ أنا فقط ذاهبة لجلب بعض الخضر من البستان المجاور وأعود حالًا.
قال صابر: أنتِ تكذبين، أنتِ حتى لا تفرقين بين بستاننا وبستان جارنا. نورة، أنا سمعت كل حديثكم قبل قليل، هل فعلاً تفضلين الرحيل على البقاء معنا؟ قالت نورة: لا يا عزيزي، أنا أود البقاء معكم، ولكنك ما زلت صغيرًا لأوضح لك سوء ظروفي، ولا أحب أن تتأذوا بسبب مشاكلي، لذلك فضلت الرحيل على البقاء. لذا هيا عد إلى المنزل ولا تخبر أحدًا أنك رأيتني حتى يمر بعض الوقت من رحيلي.
قال صابر: ولكنني تعودت عليك، ومنذ أن رأيتك للوهلة الأولى أحببتك لأنني أحسست بطيبتك وحنيتك التي تشبه حنية أمي.
قالت نورة: وأنا كذلك أحبك يا صغيري، والله يشهد على ما في قلبي. ولكن للظروف أحكام. أنت شجاع وقوي يا صابر، وستحظى بمستقبل زاهر. واحمد الله أنك لست بمفردك ولست وحيدًا مثلي. فوالدك الذي يحبك وجدك المتيم بك سيظلان يساندنانك حتى تصبح رجلاً. انتبه على نفسك يا عزيزي، وكن مطيعًا لوالدك. هيا اذهب الآن قبل عودتهما. وداعًا.
استدارت نورة عن صابر وسارت بضع خطوات حتى لحق بها صابر واحتضنها بكلتا يديه من خصرها وهو يبكي بأعلى صوته ويتوسلها أن لا ترحل. فالتفتت إليه نورة، ووسدت ركبتيها على الأرض، ثم عانقته بقوة وهي تبكي كالطفلة مثله وتمسح الدموع من عينيه. وأثناء هذا المشهد المؤثر، فجأة سمعا صابر ونورة تصفيقًا من الخلف. قال أحدهم: مؤثر جدًا، حتى دموعي أو شكت أن تشارك مسرحية دموعكما. بارعة في التمثيل حقًا يا ابنة العم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!