تعودت نورة على الأسرة الصغيرة التي استضافتها بسبب هروبها. كل الظروف التي ألمت بها جعلتها تشعر وكأنها وجدت من خلالهم الأسرة الدافئة التي فقدتها منذ طفولتها. أثناء طيلة الطريق، كانت تتبادل الأحاديث مع هاشم. أسرّ كل منهما بمكنوناته للآخر وكأنهما يعرفان بعضهما منذ مدة طويلة.
حتى وصلا إلى عمتها. استقبلتها بالترحيب والعناق. ودّع كليهما الآخر بعد شكر نورة له، وعاد هاشم أدراجه وحيدًا. لكن طيلة الطريق كان يحس أنه فقد جوهرة ثمينة من يده، وبوخزة وضيق انتابه فجأة داخل صدره. مرت الأيام والشهور، وعائلة هاشم لم ينسوا نورة البسيطة العفوية الطيبة. رغم مكوثها عندهم بضعة أيام قليلة فقط، إلا أنها تركت بصمة في كل ركن من أركان البيت. وفي أحد الأيام، دخل
هاشم لغرفة والده وقال له: "والدي، لقد قررت أن أتزوج." "فعلًا يا ولدي؟ وهل وجدت من تستحق أن تكون أمًا لولدك قبل أن تكون زوجت؟ "نعم يا والدي، وأنت من اخترتها لي قبل شهور." "أيعقل تتكلم عن نورة؟ "ومن غيرها؟ "أجمل ما اخترت يا بني. كم أدخلت البهجة والسرور لقلبي. أخيرًا، مبارك عليك إن شاء الله." "سنذهب غدًا لخطبتها من والدها، وسيكون الخير قادم للجميع إن شاء الله."
وبالفعل تمت الموافقة من قبل والد نورة، ونورة بحد ذاتها على الزواج من هاشم. تم العرس، وبدأت قصة جديدة من حياة نورة وهاشم.
مع مرور الأيام، يتغير تفكير الإنسان للأحسن ويصقل عقله ليصبح ناضجًا بما يكفي، نتيجة الخوض في تجارب جمة أغلبها تكون قاسية. وهذا ما حدث لنورة بالضبط. عندما انفردت مع نفسها بمكوثها عند عمتها، وابتعدت عن كل النمط الذي كانت تعيش فيه، وجدت نفسها أنها مخطئة في أكثر من شيء. عاتبت نفسها على سوء تفكيرها وندمت على بعض أفعالها. لذلك، يوم قررت الزواج بهاشم، أغلقت كل أبواب الماضي وفتحت صفحة جديدة خالية من كل الشوائب. ووعدت نفسها أن تكون نورة مختلفة وتشرف والدها الذي زال بعض ألمه وغضبه من ابنته التي قهره بفعلتها.
كان يوم عرس نورة على هاشم في أواخر الصيف. كان عرسًا بسيطًا يكاد لا يوجد به مدعوين. أقام أهل العريس وليمة صغيرة تشمل بعض الأقارب، منهم أولاد العم والعمات والخال والخالات، وبالأخص أخوات هاشم المتزوجات ووالده. وصابر الذي كانت سعادته لا توصف.
أما أقارب نورة، فلم يكن موجودًا غير والدها وزوجته وأخواتها الثلاث الصغار. فبالنسبة للجميع وعشيرتها، أنها متوفية من طرف والدها الذي غسل عاره في نظرهم بقتلها على يده، الذي أثبت ذلك بربطة شعرها والدم الذي كان أثره باقيًا على سكينه.
انتهت الحفلة والكل عاد إلى دياره. حتى والد هاشم أخذ صابر وذهب إلى بيته الثاني الموجود على الضفة المجاورة، لكي يدع العريسين على راحتهما. فهما عريسان ويحتاجان للخلوة بمفردهما. مع أن هاشم رفض الفكرة، إلا أن والده أصر وأقنعه أنه يومين فقط أو ثلاثة، ثم يعودان.
أغلق الباب على العريسين بمفردهما. وكانت نورة جدًا خجلة من هاشم. فهي لم تتوقع قط أن يكون هذا الرجل الذي كان يكلمها بخشونة سابقًا قد أصبح زوجها وأمام عينيها حاليًا. ولكن رغم كل شيء، فهي لم تستطع أن تخفي بعض التوتر والإنزعاج الذي كان ظاهرًا على ملامحها في أول يوم من أيام زواجها. والذي تبين ذلك أيضًا للعريس. "ما بك يا نورة؟ هل من خطب أو أزعجك أحد من المدعوين؟ "لا لا، الحقيقة كلهم كانوا ودّيين معي."
"إذا ما سبب الحزن الذي أراه بعيونك الجميلة هذه؟ "لا شيء." "بل هناك شيء، وعليك يا نورة من الآن وصاعدًا أن تصارحيني بكل ما يخالجك مهما كان أو يكن. فأنا من اللحظة أصبحت زوجك، وقبل كل شيء بمثابة والدك الذي يرعاك وهو بالأصل بعيد عنك، وأخاك الذي يساندك الذي لم تحظ بوجوده في حياتك، وصديقك الذي يصغي إليك بكل وفاء." "قالت: أنا يا هاشم محظوظة بك حقًا، لأن كل هؤلاء الذين ذكرتهم مفقودين بحياتي. حتى وإن وجدوا...
الأمر وما فيه، حزنت فقط أني لم أحظ كبقية العرائس بلبس الفستان الأبيض الذي قد أقوم بإخياطته أو شرائه على ذوقي الخاص وأرتديه في يوم فرحتي. فالأنثى يا هاشم لها فرحة واحدة بعمرها يوم عرسها ولباسها الثوب الأبيض. تلك هي أمنيتها منذ صغرها، فعقلها تربى على هذه الصورة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!