عندما رأت والدها مقبلاً عليها بالسكين، لم تنطق بكلمة. توقعت أنه حان وقت أخذ الله أمانته. لم تبدِ أي فعل سوى أنها أخفت وجهها وعينيها بكلتا يديها وهي تنطق الشهادة. وما هي ثوانٍ، أحست بشعرها يُجزّ جَزّاً كالعشب من خلفها. وعندما فتحت عينيها، وجدت شعرها الطويل قُصّ على يد والدها، وهو يقول: "هذا هو دليل موتك للأبد بالنسبة لأهل قريتنا، وإياكِ أن تخطئي وتضعي قدمكِ هناك."
ثم قبلها على جبينها، وغرغرت الدموع مابين جفونه، ورحل ليودع الجميع دون أن يلتفت إلى ورائه. هنا استفاقت نورة مما كان يحدث أمامها والدهشة تغمرها. ثم نزلت من على السرير وركضت نحو الباب لتلحق بوالدها وهي تناديه: "أبي أبي، سامحني أبي، أرجوك سامحني."
لكن والد نورة لم يلتفت لرجائها، بل أكمل مسيره وحمل جثة عامر حتى انقطع عن الأنظار. بعد لحظات، وقعت نورة على ركبتيها أمام باب المنزل وهي تبكي بمرارة وتنادي على والدها الذي رحل أمامها دون أن يغفر لها ذنبها.
فقدم الشيخ وصابر وأجلساها وهما يمسكانها من كلتا ذراعيها. وطلب الشيخ من نورة أن تهون على نفسها، وعليها بالصبر، فالأيام تداوي الجراح. وأخذاها إلى السرير مرة أخرى لترتاح، ثم خرج الجميع من غرفتها، تاركين إياها تأخذ قسطاً من الراحة، ربما تنام قليلاً. قال الحج لي: "صابر، خذ هذه النقود واجلب من عمك أحمد ديكاً صغيراً ليكون وجبة عشائنا هذه الليلة." "حاضر يا جدي، ولكن ستطبخه لنا نورة، فأكلها شهي جداً."
"بالتأكيد يا صغيري، ولكن أولاً ستساعدني في ذبحه ونتف ريشه." "بكل سرور يا جدي، لن أغيب مطولاً. وداعاً يا أبي." "احترس يا بني من الكلاب الضالة، وعد سريعاً ولا تطل في العودة." "حاضر يا أبي، فأنا حفظت كلامك كلما ذهبت إلى هذا المشوار." قال الحج هاشم: "تعال يا بني، أريد أن أتحدث معك في موضوع مهم. قمت بإعطاء تلك المهمة لصابر فقط كي نتحدث على انفراد دون أن يسمعنا." أجاب: "تفضل يا والدي، كلي آذان صاغية."
"أنت ترى مشكلة هذه الفتاة المسكينة، وأين أودى بها سوء تصرفها إلى مصير لا يرضاه إنسان ذو حكمة وعقل. لذلك أقترح عليك اقتراحاً، فإن وافقته سيكون لك خير الجزاء من المولى عز وجل." "ما الذي تعنيه بكلامك هذا يا والدي؟ "ما رأيك أن تتستر على هذه المخلوقة وتنال بذلك ثواباً في الدنيا والآخرة؟
فهي فتاة جميلة وطيبة، وإن كانت أخطأت، فهذا لا يعني أنها سيئة وننبذها ونعاقبها بشر العقاب بالموت أو النفي من طرف الجميع. فكلنا نخطئ، وخير الخاطئين التوابون. كذلك هناك شيء آخر مهم، صابر ابنك صابر يحبها وأصبح متعلقاً بها لأبعد حدود. لو تزوجتها سيسعد كثيراً، وستأمن عليه عندما تكون خارجاً عن المنزل. ما رأيك يا بني؟
"أنت فاجأتني يا والدي باقتراحك لهذا الموضوع الحرج، خاصة وزوجتي لم يدم على وفاتها إلا شهور قليلة. أنا يا والدي ليس في نيتي الزواج مؤقتاً، على الأقل حتى أشفي من الذكريات والاشتياق."
"لابأس يا ولدي، أفهمك، وسأدعك تفكر. وفي هذه الأثناء، لا يستطيع كلينا أن ندع فتاة تظل عندنا دون أن يكون لها مبرر، فالألسن لا ترحم يا بني. حتى وإن كانت نيتنا اتجاهها صادقة بمساعدتها، إلا لذلك ننتقل للحل الثاني الذي أقترحه، أو بالأحرى طلبه والد نورة برجاء خاص، أن نأخذها إلى عمتها الساكنة في قرية عين التوت، الذي راسلها قبلاً وأوضح لها كل شيء، وأرجح أنك أنت من تأخذها غداً. فأنا كما ترى، أصبح حالي وعجزي لا يصلحان للسفر."
"وخذ هذه نقود السفر التي أعطاني إياها والدها. خذ ما تحتاجانه منها طيلة مشوار طريقكما، والبقية أعطها لنورة، ستحتاجها بدورها لاحقاً." في ذلك المساء، قامت نورة من نومها هادئة قليلاً بعض الشيء مما مرت به طيلة اليوم. فطبخت عشية الديك بالأرز بمساعدة صابر، الذي كان لاصقاً بها كل الوقت، حتى في الليل نام معها بعد علمه أنها ستغادر غداً المنزل لتمكث مع عمتها التي تسكن بعيداً عنهم.
وفي الفجر، كالمعتاد، قامت نورة بإعداد الفطور من كل لوازمه، وانتظرت حتى استيقظ الجميع. وطبخت على الجمر الخبز البلدي ليأكلوه وهو ساخن. وعند انتهائهم من الفطور، جمعت نورة بعض الأغراض البسيطة الضرورية التي تحتاجها في الطريق. ثم ودعت صابر بالقبلات والعناق، وجعلته أن يقوم بوعدها لزيارتها في أيام العطل. كما شكرت الشيخ على حسن ضيافته وكرمه وتفهمه الوضع الذي تمر به، وقبلته على رأسه احتراماً وتقديراً له. ثم غادرت المنزل بمصاحبة هاشم، المساعد والحامي لها من وحشة الطريق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!