تحميل رواية نورة بقلم Lehcen Tetouani pdf
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تعيش في قرية فقيرة تحكمها العادات والتقاليد الصارمة. كانت فتاة جميلة حسناء مرادة من قبل كل رجال وشباب القرية، إلا أن قلبها كان لا يملكه إلا شخص واحد. وبتهورها واندفاعها، وبسبب طيش الحب الجنوني، سولت لها نفسها أن تمنح جسدها لمن تعشقه. وبتلك الغلطة الشنيعة، حملت منه. وعندما واجهته، لم ينكر فعلته، ولكن كان يقول لها: "أمهليني فقط بعض الوقت حتى أتقدم لعائلتك." ولكن بمرور الأيام، انكشف المستور. وكان العقاب هو موت الحبيب على يد القبيلة. أما الفتاة، فقد هربت ليلاً بعدما سمعت أنه سينفذ الحكم بالموت...
رواية نورة الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كانت تعيش في قرية فقيرة تحكمها العادات والتقاليد الصارمة.
كانت فتاة جميلة حسناء مرادة من قبل كل رجال وشباب القرية، إلا أن قلبها كان لا يملكه إلا شخص واحد.
وبتهورها واندفاعها، وبسبب طيش الحب الجنوني، سولت لها نفسها أن تمنح جسدها لمن تعشقه.
وبتلك الغلطة الشنيعة، حملت منه.
وعندما واجهته، لم ينكر فعلته، ولكن كان يقول لها:
"أمهليني فقط بعض الوقت حتى أتقدم لعائلتك."
ولكن بمرور الأيام، انكشف المستور.
وكان العقاب هو موت الحبيب على يد القبيلة.
أما الفتاة، فقد هربت ليلاً بعدما سمعت أنه سينفذ الحكم بالموت عليهما.
معالم تحمل الفتاة معها ثيابًا تقيها من البرد، ولا قوت يسد جوعها.
كانت خائفة، تريد فقط إنقاذ روحها وروح من في بطنها.
فركضت لتغدو مابين الديار والغابات، وخاطرت بنفسها لتقطع الوديان، حتى وصلت لبر الأمان لأبعد مكان ممكن أن تذهب إليه.
في تلك الليلة.
شرقت الشمس لتجد نفسها داخل مقبرة.
فارتعبت وارتجف جسدها من شدة الخوف.
وعند مبادرتها بالخروج مسرعة، سمعت نحيب طفل صغير مابين القبور.
وعندما تتبعت الصوت من أين يأتي، وجدت صبي ممدد فوق قبر يبكي وينوح بصوت مرتفع:
"أمي أمي، لماذا تركتني وحدي؟"
اقتربت الفتاة من الصبي، ولما تفطن لوجودها، انتفض قلبه.
فهَدَّأته وطمأنته أن لا يخف.
وتقدمت نحوه لتواسيه وتمسح الدمع الذي في عينه، وقالت له:
"لا تخف يا صغيري، كم أنت صبي جميل. هل أنت هنا لوحدك؟"
مسح الطفل الدموع بالكم الذي بذراعه، ثم قال:
"أجل، أنا هنا بمفردي."
قالت:
"إذا أنت شجاع أكثر مني، أنا خفت بمفردي هنا وأنت لم تخف. هل من في القبر هي أمك؟"
قال:
"أجل، توفيت من مدة قصيرة، نعم منذ أسبوعين فقط، وأنا أفتقدها كثيرًا."
وعاد للبكاء من جديد.
أشفقت عليه الفتاة واحتضنته بقوة، وقالت له:
"انظر يا عزيزي، لا تبكي حتى لا توجع روح أمك عليك، فهي تراك الآن."
قال:
"أحقًا تراني؟"
قالت:
"نعم، هي تراك هناك في السماء. أخذها الله أمانة لديه، فكل من نفقدهم يصعدون للأعلى يراقبوننا بصمت، ويحزنون لحزننا، ويسعدون لسعادتنا. فلا تجعل أمك تنقهر عليك، فهي خلفت وراءها رجلاً تعتمد عليه بأن يكون شجاعًا ويكمل مشوار حياته بكل ثقة وقوة. هل تريد أن تفتخر بك أمك؟"
قال:
"أجل، أريد."
قالت له:
"إذا انهض وامسح دموعك. وعندما تشتاق إليها، ادعُ لها وأنت في سريرك أو في أي مكان تكون موجودًا فيه، فهي ستفرح بذلك. ولاداعي أن تأتي كل يوم هنا، متفقين يا صغيري الجميل؟"
قال:
"نعم، متفقين. يااا…؟!"
قالت:
"ناديني بنورة."
خرجت نورة مع الصبي من المقبرة وهي تمسك بيده، تلمه بكلتا يديها من كتفه تارة، وتداعبة بالكلام تارة أخرى لتنسيه حزنه على أمه، والحزن الذي بداخلها خبأته في تلك الآونة، فهي لا تدري ما هو مصيرها ولا أين وجهتها ومبيتها في تلك الليلة أيضًا.
رواية نورة الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
خرجت نورة مع الصبي من المقبرة، وهي تمسك بيده تلملمه بكلتا يديها من كتفه تارة وتداعبه بالكلام تارة أخرى لتنسيه حزنه على أمه، والحزن الذي بداخلها خبأته في تلك الآونة. فهي لا تدري ما هو مصيرها ولا أين وجهتها ومبيتها في تلك الليلة.
وما إن خرجا من البوابة حتى وجدت أمامها شيخاً كبيراً ينادي باسم صابر. حتى إنطلق الصبي من جانب نورة متجهاً نحو الشيخ فارتمى ما بين أحضانه، فعلمت نورة أنه هو المقصود وأنه على قرابة بما به.
والشيخ في تلك الأثناء يقبله ويداعب شعره وهو يقول له: "وهذه المرة كذلك لم تسمع لكلامي وأتيت بمفردك إلى المقبرة."
قال: "آسف يا جدي."
كان الشيخ يوبخ صابر بطريقة مهذبة ولطيفة، لأنه يظهر عليه كم هو خائف على الصغير وكم هو يحبه وقريب إلى قلبه. وكل هذا ونورة واقفة تحضر حديثهما. حتى إنتبه لها الشيخ عندما إستدار إليها صابر وهو يبتسم لها، فرحب بها وبادلته بدورها التحية وطرح عليها بعض الأسئلة: "أنت غريبة عن المنطقة هنا."
أجابت: "نعم يا حج، أنا غريبة. ولكن يوجد لي قريبة لي هنا تعيش بمفردها بعد وفاة زوجها. كنت أتيت من بعيد لكي أستضيف عندها أياماً وأطمئن عليها بعد انقطاع أخبارها. ولكن عندما سألت عنها أخبروني أنها توفيت رحمها الله."
قال: "رحمة الله عليها. مؤسف حقاً. لا تقولي لي يا بنيتي أنك ستعودين إلى ديارك الآن بعد كل مشقة الطريق هذه."
قالت: "لا أعلم يا عمي، فبصراحة أنا تعبانة جداً من السفر، ولكن لا أعلم أين أستريح بعدما علمت أن منزل زوجة خالي بابها موصد ولا أثر أين ترك مفتاحه."
هنا تكلم صابر: "جدي جدي، فلنستضيف نورة عندنا، فبيتنا واسع، تأخذ غرفة أمي لتستريح فيها يوم أو ليومين ثم تعود إلى ديارها إن شاء."
قال الشيخ: "عرضك جميل يا ولدي. هذا إن وافقت عليه الضيفة طبعاً. سنفرح بإستضافتها عندنا بكل سرور."
حاولت نورة أن تظهر للشيخ والصبي أن هذا ليس جائز، ولكن في نفسها فلقد أزيح جبل عن كاهلها. فكان كل التفكير والخوف لديها أين ستبيت وهي بمفردها، لا تعرف عن المنطقة شيئاً، ولا تعرف أحداً سوى الحقيقة التي ذكرتها للشيخ، والتي علمتها قبل سنوات قليلة من أمها المتوفاة.
ذهبت نورة مع الشيخ وصابر إلى منزلهما بعد أن شكرتهما على إستضافتها. وعندما وصلت توقعت أن تجد أفراداً من العائلة لإستقبالهم عند دخولهم، فلم تجد سوى بيت مهجور تقشعر منه الأبدان من وحشته وسكونه.
في تلك الأثناء كانت القبيلة مقلوبة رأساً على عقب يبحثون عن نورة ليكملوا المهمة الناقصة بالنسبة لهم. فهم قتلوا الزاني ولم يبقى إلا التي أخلفت الشرع وداست على الأخلاق، والتي أحكم عليها أيضاً بالرجم حتى الموت مثله. فأهل ثلاث شباب من بين الجميع ليقوموا بمهمة البحث عنها خارج القرية، ومن يجدها أولاً سينال مكافأة كبيرة. وبدأت مهمتهم بالبحث بكل حزم.
خرج الشبان الثلاثة الذين أختيروا من خيرة وأبسل شباب القرية للبحث عن نورة وهم في أقصى سرعتهم ليتسابقوا من منهم يربح بالجائزة بإيجادها أولاً. بعدها افترق كل واحد منهم إلى أقرب القرى المجاورة لهم. ولحق بهم خفية عن الجميع والدها الذي لثم وجهه لكي لا يعرفه أحد، حاملاً تحت قميصه سكيناً كبيراً. وانطلق ليقتص أثر ابنته.
رواية نورة الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
رحب الشيخ بنورة في بيته وتأسف لها عن بعض الفوضى المتواجدة داخل المنزل، وأخبرها أنه لا يوجد من يهتم بالتنظيف والترتيب، فالمراة الوحيدة التي كانت تهتم بترتيبه رحلت، وهي زوجة ابنه.
فطلبت نورة من الشيخ ألا يتأسف، فهذا أمر عادي، وطيبت خاطره بأن المنزل نظيف وهذا يكفي لراحتهم فيه.
هنا تدخل صابر وأمسك بيد نورة وأراد أن يأخذها إلى غرفة أمه المتوفاة لترتاح، ولكن نورة أبت واستأذنت من الشيخ هل يحق لها بدخول تلك الغرفة، والمغفورة لم يدم على وفاتها إلا أيام قليلة، كما اقترحت لو تبيت في مكان آخر، غرفة الجلوس مثلاً، أريح للجميع.
أخبرها الشيخ أن تسمع لرجاء صابر، فهناك شيء بنفسه وراء طلبه هذا. فابتسمت نورة وقبلت طلب صابر، وفعلاً ذهبت معه ليريها غرفة والدته، وكم كان سعيداً في تلك اللحظة وهو يدخل كليهما إلى الغرفة.
عند رؤية نورة الغرفة شعرت بداخلها أن هناك ما زالت فيها روح المرحومة، فكل شيء متروك على حاله منذ أن توفيت، وهذا يظهر على تلك الأغراض التي لا تزال موضوعة وكأنها قابلة للاستعمال في أي لحظة، كالمشط وبعض مواد التجميل الموضوعة على الطاولة، وبعض المنامات والفلارات الحريرية المعلقة هنا وهناك، حتى الخف ما زال متواجداً قرب سريرها.
اقشعر جسد نورة في تلك الأجواء المحيطة بها داخل الغرفة، فكلما أرادت الخروج منها تتراجع عندما ترى عيون صابر تتلألؤ من الفرحة، ولم تفهم سر ذلك.
"صابر، ستساعدني في تنظيف الغبار المتواجد بالغرفة، هل تستطيع فعل ذلك معي أم ستهرب لأنك من النوع الكسلان؟"
قال: "لا، أنا أعجبك يا نورة، فأنا من يتولى التنظيف حالياً هنا في المنزل."
"آه يا صغيري، مؤسف ما يحدث لك، ولكن جميل أن يعتمد الإنسان على نفسه في وقت الضرورة، وأنت الآن تعتبر بطلاً، البطل الخارق، العم صابر."
كان صابر سعيداً جداً بتواجد نورة في منزله، كان يتودد لها ويتقرب منها ويتبعها أينما ذهبت، وكأنه يعرفها منذ زمن.
كان برهان من أحد الشباب الذين توغلوا في البحث عن نورة بكل عزم، فتوجه نحو القرية المجاورة التي تسمى بقرية التين، كان ملتهفاً ليجدها في أسرع وقت.
كان يتساءل عنها في كل أرجاء المنطقة ويوصف ملامحها وشكلها وطولها لأهل القرية دون أن يجد دليلاً واحداً بأنها دست قدمها على أرض تلك القرية. وعندما يئس من البحث عاد أدراجه مساء والخيبة تعتريه وهو على ذاك الحال.
أراد أن يقتصر ليختصر المشوار الطويل من طريق عودته، فغامر ليمر على جسر عالٍ مصنوع من حطب بالٍ، متصل بين القريتين، ولكن قلما ينجح أحدهم بعبوره لشدة خطورته. وبرهان خاطر بحياته لكي يعبره، فما إن وصل لربع المسافة حتى زلقت قدمه مابين شقوق الألواح المتراصة أمام بعضها البعض، فكسرت إحداها وتدحرج جسده مابينها ليحاول الإمساك باللوحة المجاورة وكل جسده معلق في الهواء.
ولكن بعد دقائق باءت بالفشل كل محاولاته بالصعود مجدداً، التي لم يستطع على إثرها بالصمود أكثر، فزحلقت يديه التي تمسك بالألواح وسقط بعدها في القعر وارتطم رأسه بالحجر فلم يتحرك ساكناً بعدها.
بينما والد نورة فهو يقترب ويدنو أكثر وأكثر من القرية المتواجدة بها ابنته، وكأنه يشتم ريحها من بعيد، فلم يخطئ طريقه نحوها رغم أنه سبقه عامر بساعات قبل وصوله.
رواية نورة الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
رتبت نورة الغرفة ونظفتها من الغبار جيدا بمساعدة صابر كما وعدها سابقا.
فجمعت كل أغراض والدته ووضعتهم في خزانة خاصة وهي متأثرة بحزن صابر.
كلما لامس غرض من أغراضها كان يصف لها المشهد بتفاصيله كيف كانت تستعمل أو تلبس ثيابها.
وكان الشيخ يتفقدهما إن احتاجا مساعدة ما.
وبعدها أخبرهما أنه سيذهب للسوق كي يشتري خضارا وبطة لكي يكونا وجبة للغذاء.
وكان يمازح نورة في تلك الأثناء:
"هل نضايفك يا ضيفتنا بطبخنا الرديء أنا وصابر أم تضيفينا وتبهرينا بطبخك الشهي اللذيذ؟"
أجابت:
"لا يا حج أكيد أنا من يضايفكما وعليكما أن ترتاحا فقط مادمت أنا موجودة بإستضافتكما ولكن أحذركما أخبرا معدتكما أن لا تلوماني فهما سيفرطان في الأكل من كثرة لذة طبخي."
ضحك الجميع من كل قلبه وكأنهم يهربون بذلك من وجع الواقع المحيط بهم.
بعد ذلك أتمت نورة ترتيب المنزل وطبخت البط بالخضار واجتمعوا جميعا على المائدة كأنهم عائلة واحدة وهم يتسامرون عن شتى المواضيع دون أن تتطرأ نورة إلى مشكلتها الخاصة التي من ورائها هربت من وسط أهلها.
وبحلول الليل غلبهم النعاس مساء كل واحد منهم ذهب إلى غرفته فحتى صابر لديه غرفة صغيرة خاصة به لنفسه.
وصل عامر متأخرا إلى القرية المتواجدة بها نورة فذهب مباشرة إلى المسجد القريب منه وبات هناك حتى أذن أذان الصبح.
وبدأت مهمته مبكرا دون تماطل منه ولم ينتظر نور الشمس لحتى تشرق لكي يبدأ في البحث عن نورة بل بدأ بالسؤال عنها من بين المصلين لصلاة الفجر.
سعد عامر كثيرا عندما أخبره أحد الرجال أن المرأة التي وصفها أمامه رآها صباحا ضواحي المقبرة مع طفل صغير وشيخ كبير.
مما جعل من عامر أن يستغرب وجودها مع أناس وهي رحلت بمفردها من القرية بعد فعلتها الشنيعة تلك.
فأراد الاستفسار أكثر عن كلا الشخصين اللذين كانا معها أنذاك أين يقطنان بالضبط في تلك المنطقة.
أما الفتى الثالث لقمان فهو أخطأ بوجهته إلى القرية التي بحث عن نورة كثيرا هناك حتى هد حيله وتورمت قدماه دون جدوى لأثرها.
فقرر العودة بعدما استسلم لإيجادها.
وهو في طريق العودة صادف عصابة شرسة هاجمته فتشوه ونزعوا ثيابه بغية إيجاد بعض من المال وعندما لم يجدوا عنده شيئا أبرحوه ضربا وطرحوه أرضا ولم يتركوه حتى هشموا له وجهه وكسروا عظامه وتركوه ملقى على الأرض لا يعرف عنه إن كان حيا أو ميت.
اذهبت نورة إلى فراشها بعدما انتهت من وجبة العشاء فاستلقت على السرير وهي مهمومة خائفة من مصيرها المجهول وخائفة من كل شيء حتى من السرير الذي تنام عليه.
فاحتضنت ما بين يديها بطنها الذي يكبر يوما بعد يوم وهي تحدث صغيرها وتداعبه بيديها والتي تطمئنه أنهما سيكونان بخير وتعده أنه ستحميه حتى يولد ولن يهدأ لها بال حتى تحضنه في صدرها.
غفوت نورة وهي تحدث جنينها الذي في بطنها تارة وتسأل نفسها ما الذي يخفي لها القدر تارة أخرى حتى تستيقظ من جديد فزعة على أزيز جراء فتح باب غرفتها.
فارتعبت وظنت السوء بالشيخ وما إن أضاءت الفانوس الذي بقربها على الطاولة لتتأكد من تجرأ ودخل دون استئذان حتى أصبحت تصرخ برؤيتها رجل غريب لم تره من قبل قط وظنت أنه سارق.
"سارق سارق أنقذني يا حج… صااابر.. صاابر.. يا حج…"
كان الرجل مصدوما مما تراه عينيه أمامه وابتلع لسانه عن الكلام وهو يشاهد المرأة تصرخ وتصرخ بأعلى صوتها حتى لحق الشيخ الذي يحمل بيده عصا كبيرة وبيده الأخرى الفانوس وصابر وراءه يلحقه مسرعين كلاهما نحو الغرفة.
وما إن دخلا حتى دهشا:
"من هو السارق."
"أبي أبي عدت أخيرا من السفر."
"يا مرحبا ببطلي الصغير دعني أحملك وأقبلك فأنت لا تعلم كم اشتقت إليك."
"وانا كذلك يا أبي الحبيب."
"هاشم إبني لما عدت في هذا الوقت المتأخر أليس بالنهار كان لك أفضل من وحشة الليل هذه."
"مرحبا والدي دعني أقبل رأسك أنت أيضا لك شوق كبير أنا آسف لم أستطع صبرا حتى يطلع النهار.. فقلبي ينادي على هذا الصغير كي يلتهمه هكذا."
وفي تلك الأثناء أصبح هاشم والد صابر يحضنه ويقبله على كامل وجهه ويداعبه والجميع يضحك.
حتى نورة ذهب عنها الخوف والهلع عندما رأت ذاك المنظر الذي يفطر القلب بين الولد وأبيه.
رواية نورة الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد عودتها للنوم، إجتاحها الشوق لحبيبها الأول والأخير خالد.
افتقدت حنيته ووقوفه إلى جانبها كلما أحست بالضعف والوحدة.
فانتابتها في تلك اللحظة خليط من الأحاسيس من الخوف والشوق والوحشة والألم عما كان مصيره بين الأيدي التي لا ترحم.
لم تعلم قط بقتل حبيبها من قبل أهل القرية، والذين ينتظرون دورها بشغف.
في تلك الأثناء، جرى حديث خاص بين الشيخ وابنه الذي عاد من السفر.
الشيخ: مرحباً بك يا بني من جديد في منزلك.
الابن: شكراً لك يا والدي. كم افتقدتكما في غربتي. كنت كالمجنون لا أعلم ما الذي أصابني وكيف خمنت في الرحيل والابتعاد عنكما.
الشيخ: أفهمك يا بني. أنت كنت تمر بظرف صعب، وموت زوجتك صدمك وجعل تفكيرك لا يستوعب ما بين الخطأ والصواب. فأردت أن تبتعد عن البيت والذكريات، أو بالاحرى تبتعد عن صورتها التي كانت تلاحقك وتحيط بك في كل ركن من أركان المنزل.
الابن: ذاك هو يا والدي. كنت أراها بملء العين، حتى أنه يتهيأ لي أنها تكلمني أحياناً. فأردت الهروب والنسيان لبعض الوقت.
الشيخ: وهل نسيتها يا بني في هذا الوقت القصير؟
الابن: علمت يا والدي أن الهروب ليس بالحل. لم أستطع نسيانها ولو للحظة واحدة، كما أدركت أن الأماكن ليست لها علاقة في النسيان. فعدت أجر حزني كما رحلت به.
الشيخ: أنت يا هاشم، في تلك المحنة لم تفكر إلا بنفسك. فكرت في مشاعرك ولم تفكر بابنك الصغير، كيف سيشعر بين ليلة وضحاها أنه فقد والدته التي يحبها ومتعلق بها لأبعد حد، ثم في لحظات لم يجد والده ليرتمي بين أحضانه في عز وحدته وإحساسه باليتم. تركته مع شيخ كبير لا حول له ولا قوة، وذهبت دون أن تلتفت لورا.
هاشم: كنت محقاً يا والدي، ولن أنكر ولو كلمة واحدة مما قلته. أنا جداً آسف، فأنا كنت مشوش العقل. والحمد لله أنني استرجعت بصيرتي للأمور وعدت إلى رُشدي في وقت مبكر. أعدك يا والدي، لن أترككما مجدداً.
الشيخ: الحمد لله على سلامتك يا بني. فصابر افتقدك كثيراً، وهو بأمس الحاجة إليك. حتى أنه من كثرة إحساسه بالوحدة تعلق بإنسانة غريبة صادفها بالطريق فقط.
هاشم: بما أنك ذكرت الغريبة تلك، فمن تكون هي يا والدي؟
حكى الشيخ القصة من أولها لآخرها عن لقاء نورة بصابر في المقبرة، لحتى استضافتها في منزلهم.
هنا استشاط هاشم غضباً من تصرف والده، وكيف له أن يدخل غريبة لا يعلم عن فصلها وأصلها شيئاً إلى منزلهم.
الشيخ: وهل تراني صغيراً يا هاشم حتى لا أحسن التصرف؟ من دخل إلى بيتي أولاً أستضيفه.
هاشم: ولكن يا والدي، ألا تظن أن قصتها نوعاً ما ناقصة؟ هي تخفي أمراً، وأتمنى أنه لا يكون أمراً سيئاً يؤذينا بسببه.
الشيخ: منذ رؤيتي لنورة أول مرة، علمت أنها في مأزق. فعينيها وتصرفاتها تفضحانها، وكأنها تطلب النجدة والحماية دون أن تتكلم عن الموضوع. وخاصة أن ليس لديها زاد ولا متاع، ولا حتى إنس يحميها من شر الطريق وسفره. فأردت أن أحميها في تلك اللحظة. بالرغم من كل شيء، فهي تبقى فتاة لا حول لها ولا قوة، حطت قدماها على أرض لا تعرفها، أن كانت خصبة تصلح للعيش فيها أو جافة لتعود أدراجها.
كما رأيت كذلك تلك المحبة والحنية ما بين صابر وتلك الفتاة الغريبة والبريئة، الذي شعر معها بالراحة من أول وهلة رآها فيها، فقلت في نفسي عساها هي من تهدأ من روعه وألمه من الفقد.
هاشم: ومتى تعود لديارها؟ ألم تقل لك عن وقت محدد؟
الشيخ: لا يا بني. دعها وشأنها في هذه الساعة حتى تقرر ذلك بنفسها. وربما تحس بالأمان منا، فتقص لنا عن قصتها.
هاشم: أرجو أن يكون من ورائها خير. أرجو فقط ذلك. تصبح على خير يا والدي، فقد عانيت وتعبت من طول السفر. سأنام بجانب ابني صابر، سأظل أشمه طيلة الليل حتى أشبع من رائحته، فأنا كثيراً اشتقت لهذا الصبي.
الشيخ: وأنت بصحة وسلامة يا بني. اذهب وارتح.
رواية نورة الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
في الصباح استيقظت نورة فقررت أن تعجن الخبز البلدي الذي حدثها عنه صابر لاشتهائه له، والتي كانت والدته تحضره له ما بين كل فترة وفترة خصيصًا له.
استصعب على نورة إيجاد كل لوازم المطبخ من الدقيق والملح وغيرها من المواد لتحضيره، ولكن استسهل عليها الأمر بعد ذلك.
بعد العجن، قامت بإشعال الفحم وخبزت العجين ثم طبختها على الطاجن.
بعد إنتهائها، جلبت دلواً من الحديد وذهبت لتحلب الماعز الموجود في فناء المنزل فملأته حليباً.
عادت به إلى المطبخ لكي تسخنه، كما سخنت القهوة كذلك.
جهزت المائدة من كل مجاميعها بانتظار أهل البيت فقط أن يستيقظوا من نومهم.
نهض صابر ووالده على رائحة الخبز الزكية المنتشرة أرجاء كامل البيت.
نزل صابر من سريره وذهب يركض باتجاه المطبخ.
"أمي أمي، هل فعلًا طبختي لي الخبز الذي أحبه؟"
استدارت نورة لصابر وتأثرت بكلامه حتى الدمعة كادت تسقط من عينها.
احتضنته وقبلته وقالت: "نعم فعلت ذلك من أجلك فقط أيها الشقي. نهضت باكرًا واستغنيت عن نومتي المفضلة من أجل عجن خبز السيد صابر."
"تعلمين، ظننتك لوهلة أنك أمي، وأنني كنت فقط أحلم ولم ترحلي، ولكن..."
"أوووه صابر المتشائم على الصباح الباكر، عليك أن تبتسم كلما تستفيق من نومك. وماذا قلنا سابقًا عندما تتذكر والدتك، ماذا تقول؟"
"أرفع يدي للسماء وأدعو لها بالرحمة والمغفرة."
"نعم صحيح ذلك، لقد نسيت. فقط اللهم ارحم والدتي برحمتك وأسكنها فسيح جناتك."
"هكذا أحب هذا الصابر الشجاع المغوار. تعال هنا، أعطني قبلة الصباح واغسل وجهك ولنذهب للفطور قبل أن يبرد الحليب، على حين يلحق والدك والحج."
انبهر والد صابر بحسن معاملة نورة لابنه رغم سنها الصغير، وكيف جعلت منه يضحك في عز حزنه.
حتى أنه هو بدوره جعلته يبتسم من أسلوبها في الحكي مع ابنه، بعدما ظن أن ابنه أصبح لا يعرف الابتسامة منذ رحيل زوجته.
على مائدة الإفطار، كان صابر أسعد الحاضرين. كان ملهوفًا على الخبز البلدي يأكله بشراهة وغبطة.
كان كان دائم الابتسامة منذ جلوسه، ينظر عن يمينه تارة لوالده، ثم يساره إلى نورة.
كانت خجولة من هاشم، والتي بدورها تأسفت له عن ما حدث في الأمس ومبيتها في غرفته.
طلب منها أن لا تتأسف، بل هو الذي يتأسف عن دخوله بدون استئذان لأنه كان لا يعلم عن وجودها كضيفة والده في منزلهم.
في وسط أحاديثهما ومزاحهما مع صابر، دخل الشيخ مسرعًا ليأمرهم بالرحيل إلى منزلهم الثاني المتواجد بالضفة الغربية على الفور.
بعد صلاة الفجر، كان من عادة الشيخ وعادة أغلبية أهل القرية كل يوم سبت يذهب إلى سوق المدينة لكي يجلب أغراضًا منزلية مختلفة كالخضر والفواكه ومواد التنظيف والغسيل.
وهناك أوقفه صديقه مبروك ليسأله عن الفتاة التي كان يتكلم معها عند المقبرة، من تكون.
فاستغرب الشيخ عن الفضول الذي ألم بصديقه عن غير عادته.
قبل أن يجيبه، أوضح له مبروك بأن هناك رجل غريب يسأل عن تلك الفتاة بأهمية مبالغ فيها، وفي نظره الخاص أنه يريد بها سوءًا على حسب خبرته بالناس.
وذلك يظهر بسبب طريقة كلامه غير الواضح عند تلقيه أي سؤال منهم، هم الذين كانوا يصلون صلاة الفجر.
كذلك تصرفاته الغامضة التي فضحته كالتأتأة وحركاته المفرطة لذلك الرجل.
وما كان رد الشيخ إلا أن الفتاة غريبة عن المنطقة وكانت تسأل عن عائلة ما لم يعرفها.
ثم كل واحد منهما انصرف إلى حال سبيله.
قرر العودة بسرعة للمنزل لأن قلبه كان غير مطمئن للوضع.
في طريق العودة، لم يلاحظ الشيخ من كان يتبعه، حتى فجأة استدار على صراخ بعض النساء والرجال يتأهبون لصراع مابين شاب ورجل ملثم.
وما هي لحظات حتى سقط ذاك الشاب بضربة من سكين على كتفه من قبل الرجل الملثم.
كان الشيخ يظن أنه عراك عادي مابين رجلين وكثيرًا ما يحدث مثل ذلك أمامه.
لولا صديقه مبروك الذي كان حاضرًا مابين الجموع ليخبره أن ذاك الشاب المغدور هو من كان يتكلم عنه قبل قليل والسائل عن تلك الفتاة المقصودة بالنسبة له.
هنا ترك الشيخ المكان وانطلق بسرعة الريح رغم خطواته الثقيلة دون أن يلتفت وراءه أو يعلم مالذي جرى بعد تلك الحادثة التي وقعت أمامه.
توجه مباشرة ليستقل عربة إلى منزله مباشرة.
رواية نورة الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
حينما دخل الشيخ إلى البيت وجد الجميع مستدرين حول مائدة الإفطار وضحكات صابر تصل إلى خارج المنزل.
هنا أمرهم أن يجمعوا أغراضهم بسرعة لينتقلوا إلى بيتهم الثاني في الضفة الغربية من القرية المجاورة.
"ما الذي حدث يا والدي؟ هل هناك من خطب؟" قال هاشم.
"لا تسأل الآن يا بني. اجمع أغراضك وأغراض صابر. أما نورة فهي ستقتني من بعض حاجيات المرحومة الضرورية فقط، ثم ارحلوا."
تغير وجه هاشم مما ذكره الأخير لنورة، لكنه لم يبدِ أي ردة فعل، بل صمت وفعل ما طلبه والده. فمنذ صغر هاشم يطيع والده ويثق في كلامه وقراراته، حتى وإن اختلف معه لبعض حين حتى يثبت العكس لديه.
جمعوا كافتهم أغراضهم البسيطة وانتقلوا كما أمرهم الشيخ إلى المنزل الثاني على متن العربة نفسها التي أوصلته من السوق إلى داره. ولكن الشيخ أبى أن يذهب معهم وتخلف عنهم لحين، على حسب قوله، ربما حتى يتأكد بعدم وجود أحد ما يلحق بهم.
وصل الجميع بخير. وكم اندهشت نورة لروعة وبهاء المكان الذي كان المنزل في وسط جنة خضراء تذهب العقول بجمالها الخلاب.
"هل هذا منزل أم خيال؟ كيف تتركون هذا النعيم وهذا الهواء العليل وتسكنون في تلك المنطقة العادية؟"
"صحيح هو مكان يسترد الإنسان روحه من جماله وهدوئه، ولكن نحن مابين هنا وهناك. ففي الشتاء يصعب علينا السكن هنا لصعوبة تلبية حاجياتنا، وبقية المواسم، خاصة الربيع مثل هذا الوقت تقريبًا، لا نستطيع الابتعاد عن هذا المكان مطلقًا."
قال صابر لنورة: "سنضع أغراضنا داخل البيت وسآخذك لأريك المكان المفضل لي."
"طبعًا يا عزيزي بكل سرور. أحب أن أرى ما تستهويه خاصة في جمال الطبيعة كهذه."
قال الشيخ: "وهل أنا معزوم على الاقتراح أم أنسحب للقيلولة؟"
"لا يا أبي، من الآن لا تقل لي ذلك. حتى نحن لم نتغذى بعد والوقت مبكر على القيلولة. أكيد ستحضر معنا ونعتبرها فسحة عائلية."
هنا لملمت نورة الموقف المخجل بالنسبة لها، فهي تعتبر نفسها أنها ما زالت غريبة كل الغرب عما ذكره صابر الأخير.
"إذا سنضع أغراضنا أولًا في مكانها المناسب لجميعنا ونرتب المنزل، وبعدها نرى ما الذي نستطيع طبخه للغذاء. نتغذى، ثم سنكون نوافق هاشم وصابر على كلامها المنطقي."
وبعد ذلك، كل واحد منهم قام بدور مهم في ترتيب المنزل.
في تلك الأثناء، وبعد لحظات ليست بالقليلة من رحيل هاشم ونورة وصابر، جاء شخص يطرق باب المنزل المتواجد به الشيخ بمفرده.
"مرحبًا يا حج."
"مرحبًا يا بني."
"أنا اسمي عامر، أريد أن أسألك عن أمر مهم."
هنا الشيخ تفطن أن هذا الذي أمامه هو نفس الشخص الذي كان يتعارك مع الرجل الملثم في السوق، والدليل الدم الذي يظهر فوق قميصه بشكل واضح، وعلم عن ماذا يريد سؤاله.
توقع الشيخ حضور شخص ما يبحث عن الفتاة، لذلك لم يندهش من وقوف أحدهم أمام باب منزله، وخاصة ذاك الشاب الذي عرفه عن طريق صديقه مبروك.
قال له: "أهلاً بني. هل من خدمة أقدمها لك؟"
"شكرًا يا حج، أود فقط أن أسألك عن فتاة التقيت بها عند باب المقبرة. هل تعرف أين هي؟"
"وما شأنك بها؟ إذا هي عندك؟"
"لا، ليس عندي. ولكنه مجرد سؤال. رجل غريب يطرق على أبواب الناس من أجل فتاة، أليس بالأمر غريب نوعًا ما؟"
"نعم يا حج، الفتاة تخصني ومن الآخر هي من عداد الموتى. وإن كنت تخبئها فأنصحك أن تعطيني إياها لكي لا يكون مصيرك نفس مصيرها."
"هل تهددني يا ولد في عقر داري؟"
"افهمها كما تريد، ولكن قدم لي ما طلبته منك فقط وأعود من حيث أتيت."
"ليكن في علمك يا فتى، لا أخاف. وتلك الفتاة لا أعلم عنها شيئًا سوى أنها تسأل عن وجهة الطريق الشرقية."
"وماذا أيضًا؟"
"لا يوجد شيء. ذهبت ولم أرها ثانية. والآن ارحل، فالذي تبحث عنه ليس موجودًا عندي."
"سأرحل، ولكن إن أدركت أنك تكذب علي ستنال أشد العقاب مني ولن ترحمك شيبتك هذه. فتذكر عندها هذا الوجه جيدًا الذي أمامي."
رواية نورة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
أخذ صابر نورة ووالده إلى المكان الذي يحبه بعد أن تغذوا أكلاً بسيطاً.
فهم لم يجدوا في البيت سوى بعض المخللات وبعض من الطماطم والخيار التي قطفها هاشم من البستان المجاور من منزله.
وطيلة الطريق كان صابر يجمع الزهور البرية والياسمين ويشكلها كباقة فنية ويقدمها لنورة التي كانت تسعد بها كثيراً.
حتى وصلوا إلى المكان المقصود، وهو عبارة عن بيت صغير أو بالاحرى كوخ صغير مصنوع من الحطب الخالص ومعلق على الأغصان ما بين شجرتين عملاقتين.
كان الكوخ منظره جميل جداً، وكم أعجبها نورة طريقة صنعه وتركيبه بحرفية تامة، وسألته من كان وراء الفكرة ومن بناه له بهذه الحرفية المطلقة.
أجابها أنها فكرته التي استوحاها من بيت صديقه الذي صنعه، ولكن كان يضعه على الأرض فنقص من جماله.
لذلك خمن بالإشتراك مع والده وأمه المتوفاة أن يصنع كوخاً معلقاً بين الشجرتين وتمت الموافقة.
وكان صنعه شاقاً إلا أن والده وبعض المساعدين أصدقاءه برعوا في بنائه.
وألح بعدها صابر أن تصعد في الدرج لكي ترى تفاصيله من الداخل.
وبعد الإلحاح الكبير وافقت نورة الصعود في الدرج الخشبي بالرغم من خوفها.
إلا أنها صعدت وأعجبها كثيراً دقة تفصيل الكوخ.
ولكن عند نزولها زلقت قدمها فجأة وسقطت على إثرها من الدرج الخامس على الأرض مباشرة.
فكانت السقطة شديدة وموجعة عليها وأصبحت تصرخ وتبكي.
فهلع هاشم وصابر إليها: "نورة نورة هل أنت بخير..؟"
قالت: "لا أظن، فبطني تتقطع وجعاً يا هاشم، الألم شديد."
"سأساعدك بالوقوف على مهلك."
"لا أستطيع، أرجو أن يكون طفلي بخير، أرجوك يا هاشم أنقذ ابني، الوجع لا يحتمل."
هنا صعق هاشم مما تقوله هذه الفتاة التي أمامه: "أي ابن هذا الذي أنقذه وهي في هذه السن الصغيرة؟"
وتشتت عقله في تلك الأثناء: "أيعقل أنها حامل أم أنها تهذي من أثر السقطة.؟"
رددت: "هاشم هاشم أرجوك أنقذ ابني الذي في بطني، فأنا أحس بنزيف داخلي."
قال: "حاضر حاضر، سآخذك إلى أقرب مستوصف، سأحملك، عليك أن تتحملي قليلاً."
حمل هاشم نورة على يديه ولحقه صابر الذي كان مرعوباً وخائفاً على نورة.
الذي تذكر في تلك الأثناء أمه عندما كانت تتألم وتتوجع وياخذونها إلى المستشفى كل مرة حتى آخر مرة لم تعد مطلقا.
وبكى صابر ظناً منه أنه سيفقد نورة مثلما فقد والدته.
دخل هاشم إلى المستوصف بعد عناء مشوار الطريق وحمل نورة ما بين يديه كل تلك المدة وهو ينادي للممرضة أن تساعدها على إنقاذها، وخاصة عندما تأكد أنه يوجد نزيف حقاً ظهر أثره على ملابسها.
قالت له الممرضة: "هل هي زوجتك يا أستاذ.؟"
أجاب: "لا ليست زوجتي وإنما هي قريبتي."
"ما كان سبب الحادث.؟"
"وقعت عن السلم."
"أين هو زوجها.؟"
"هو مسافر ولا يستطيع القدوم في الحين."
"هل من خطب دكتورة.؟"
"للأسف فقدنا الجنين ولم نستطع إنقاذه، العوض بسلامتكم."
"مؤسف حقاً، وهل علمت نورة بما أصابها.؟"
"أجل علمت بإجهاضها ودخلت في نوبة هستيرية من البكاء، والآن حقناها بإبرة مهدئة، في المساء تستطيع أخذها للبيت كي ترتاح."
"شكراً لك دكتورة."
في المساء أخرج هاشم نورة من المستوصف مع صابر على متن عربة صغيرة تجرها.
وعند دخولهم للمنزل وجدوا بانتظارهم والد هاشم: "ما الخطب أين كنتم لحتى هذه الساعة.؟ منذ مدة وأنا بانتظاركم، ومابها نورة شاحبة هكذا يا بني.؟"
"نورة أجهضت جنينها يا والدي على إثر سقطة قوية، وأظن حان الوقت أن نعرف حقيقة هذه الفتاة وعليها هي إخبارنا كل الحقيقة."
"الحمد لله على سلامتك يا ابنتي، كان عليك إخبارنا أنك حامل لكي نكون أكثر حرصاً عليك."
"شكراً يا حج، أنتم قمتم بالواجب وأكثر، ولو كان أحد من أقاربي لجأت إليهم في ظرفي هذا لما عاملوني كمعاملتكم الحسنة هذه، والآن أظن حان وقت رحيلي وآسفة على إزعاجكم لهذه اللحظة."
"ما الذي تقولينه يا ابنتي، أنت ضيفتنا وعلينا إكرام الضيف، وأنت متعبة الآن ومستحيل أن تتخطي خطوة واحدة خارج باب المتزل."
قال هاشم: "أتركها يا والدي ترحل، فهي تخفي من ورائها كارثة أكبر من حجم مصابها، فإن لم تكن كذلك فلماذا تفضل الرحيل وهي بهذا الحال، كي لا تخبرنا عما أجرمت فيه وتقول كامل الحقيقة."
رواية نورة الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
أصبحت المواجهة حتمية وليس لها مفر ما بين نورة وعائلة هاشم الذي أسمعها كلامًا قاسيًا بسبب إخفائها حقيقة أمرها، ما زاد للطين بلة من وجع نورة وألمها، خاصة بعد احتراق قلبها على ابنها التي أجهضته مؤخرًا.
أخبرته أن كل ما يحدث لها ناتج أنها أحبت شخصًا بكل جوارحها لا غير، وكان جزاؤها الحكم عليها بالموت. وأوضحت أنها هربت لتنقذ طفلها الذي في بطنها، وبما أنه لم يكتب له العيش، ستعود من حيث أتت. وهروبها لم يمنع القدر من الاحتفاظ به مابين أحضانها، وعليها أن ترضى وتتقبل مصيرها مهما يكن قسوته.
هنا رأف قلب هاشم عليها وهي تتكلم وتذرف دموعًا سخية على وجنتيها، وقدميها بالكاد تحملانها من شدة التعب والإرهاق.
قال: لا بأس، فهمت الموضوع الآن. ولاداعي للعودة، فلا أحد يذهب للموت برجليه، فهذا يعتبر انتحارًا.
قال الحج: صحيح يا بنيتي، لا داعي أن تعودي إلى قريتك الآن حتى يمر بعض الوقت وتهدأ الأوضاع وينسى الجميع القصة، وبعدها عودي متى أردتي. ولكن أود فقط أن أسألك، هل والداك هما أيضًا ينضمّان للبقية ويريدان حتفك مثلهم؟
أجابت: والدي أين هو والدي في حياتي؟ فهو ليس موجودًا بين يومياتي. فمنذ زواجه بعد وفاة أمي، أصبح لا يراني وكأنه اعتبرني متوفية أيضًا مع أمي وأنا ما زلت حية أرزق أمامه. وكل انشغالاته كانت لأعماله وواجباته نحو زوجته المصون وابنائه الثلاثة لا غير. لذلك لجأت إلى أول شخص غريب بادلني بالحب والاهتمام، فكان السند والرفيق في أسوأ ظروفي. ولولا فقره وعوزه لكنا تزوجنا منذ مدة، إلا أننا فضلنا أن نؤجل الأمر حتى يعتدل حظه. ولكن الأمور جرت عكس أمانينا، واليوم أنا جدًا خائفة أن أفقده على يد الوحوش التي لا ترحم وأعود إلى وحدتي من جديد.
قال الحج: انصتي لي يابنيتي، أنا لن أعاتبك على فعلتك وسوء تصرفك. ولكن أنتم الجيل الأخير شوهتم المعنى الحقيقي للحب. فلو كان الذي تحبينه حقًا يحبك لما لمس شعرة منك وجعل منك جوهرة لا يلمسها إلا بالشرع وموافقة أهلك. الحب عبارة عن تضحية وعطاء بدون مقابل، هذا هو الحب الشريف العفيف يابنيتي وليس تنديس للشرف. أما عن حب والدك لك، فاكيد أنت مخطئة بتقديرك نحوه. فكل الآباء بدون استثناء يحبون أبناءهم، وكل الكلام لا يعبر عن الشعور الداخلي الحقيقي اتجاههم.
أجابت نورة: وأين إذا الأفعال يا حج؟ إن غاب الكلام، فأنا أفقدهما كليهما من والدي للأسف.
بعدها استمرا هاشم ووالده بإقناع نورة بالعدول عن الرحيل، دون أن يتلقيا منها أي جواب شافٍ بالموافقة على كلامهما.
ثم ذهب كل واحد منهم إلى أشغاله، فهاشم مثلاً ذهب للتبضع لبعض لوازم المنزل. ووالده اتجه نحو الاصطبل، وصابر كان ملتهيًا بلعبته المفضلة ألا وهي اللعب بالكرة.
أما نورة، عندما أدركت أن البيت ساكن لا يوجد به أحد، توجهت نحو باب المنزل وخرجت مهرولة مسرعة قبل أن يراها أحد. وما إن تخطت بخطوات لابأس بها، إذ تسمع مناديًا ينادي عليها: "نورة.. نورة! أين تذهبين في هذا الوقت؟"
قالت: نعم يا عزيزي، لما تركت لعبك ولحقت بي؟ أنا فقط ذاهبة لجلب بعض الخضر من البستان المجاور وأعود حالًا.
قال صابر: أنتِ تكذبين، أنتِ حتى لا تفرقين بين بستاننا وبستان جارنا. نورة، أنا سمعت كل حديثكم قبل قليل، هل فعلاً تفضلين الرحيل على البقاء معنا؟
قالت نورة: لا يا عزيزي، أنا أود البقاء معكم، ولكنك ما زلت صغيرًا لأوضح لك سوء ظروفي، ولا أحب أن تتأذوا بسبب مشاكلي، لذلك فضلت الرحيل على البقاء. لذا هيا عد إلى المنزل ولا تخبر أحدًا أنك رأيتني حتى يمر بعض الوقت من رحيلي.
قال صابر: ولكنني تعودت عليك، ومنذ أن رأيتك للوهلة الأولى أحببتك لأنني أحسست بطيبتك وحنيتك التي تشبه حنية أمي.
قالت نورة: وأنا كذلك أحبك يا صغيري، والله يشهد على ما في قلبي. ولكن للظروف أحكام. أنت شجاع وقوي يا صابر، وستحظى بمستقبل زاهر. واحمد الله أنك لست بمفردك ولست وحيدًا مثلي. فوالدك الذي يحبك وجدك المتيم بك سيظلان يساندنانك حتى تصبح رجلاً. انتبه على نفسك يا عزيزي، وكن مطيعًا لوالدك. هيا اذهب الآن قبل عودتهما. وداعًا.
استدارت نورة عن صابر وسارت بضع خطوات حتى لحق بها صابر واحتضنها بكلتا يديه من خصرها وهو يبكي بأعلى صوته ويتوسلها أن لا ترحل. فالتفتت إليه نورة، ووسدت ركبتيها على الأرض، ثم عانقته بقوة وهي تبكي كالطفلة مثله وتمسح الدموع من عينيه.
وأثناء هذا المشهد المؤثر، فجأة سمعا صابر ونورة تصفيقًا من الخلف.
قال أحدهم: مؤثر جدًا، حتى دموعي أو شكت أن تشارك مسرحية دموعكما. بارعة في التمثيل حقًا يا ابنة العم.
رواية نورة الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
سمع صابر ونورة تصفيقا من الخلف. مؤثر جدا، حتى دموعي أوشكت أن تشارك. مسرحية دموعكما بارعة في التمثيل حقا يا ابنة العمعامر. من الذي أتى بك هنا؟ وكيف علمت بوجودي في هذا المكان؟
"رويدك رويدك، سأروي لك كل شيء منذ أن فطرت قلوبنا برحيلك حتى هذه اللحظة. وأنت تعانقين طفل؟ أيعقل أنك أحببت طفلا بعد حبيبك الأول؟"
قالت: "اصمت أيها الوغد، وأمسك فمك القبيح أمام طفل بريء ليس له شأن بك، كامل الموضوع الذي قدمت من أجله."
قال: "هل تقولين عني وغد أيتها اللئيمة؟ تعالي هنا وسأربيك. ما الذي يفعله الوغد بسافلة مثلك؟ وسأفعل بك مثلما فعلنا بحبيبك، الذي لم تقبليني أنا ابن عمك زوجا بسببه."
وانقض عامر كالوحش، يضرب ويركل نورة بكامل قوته، وهي تصرخ على إثر شدة وجع الضربات هنا وهناك في كامل جسدها. وصابر يبكي بحرقة وهو يحاول أن يخلصها من طغيانه.
سمع الشيخ الصراخ من الإسطبل القريب. من الأصوات العالية، حمل العصا الضخمة معه وتوجه صوب الموقع. فصعق من المنظر الذي رآه أمامه. ذاك الشاب نفسه ينهال على نورة ضربا. فتوجه الشيخ مسرعا نحوه، دون أن ينتبه عامر لوجوده، لأنه كان مائلا على نورة المتمرغة في التراب، يجر شعرها جرا.
هنا ضربه الشيخ بالعصا على ظهره، فسقط عامر. وسقطت معه العصا، ولكن ما هي ثواني حتى عاد للوقوف مجددا وهو يشتم الشيخ بأسوأ الألفاظ، ووصفه بالغبي، لأنه هو من دله على ما كان يبحث عنه من الأول، وأوصله دون أن يدري إلى عقر داره الثاني بتتبع خطواته خطوة بخطوة منذ أن التقى به آخر مرة من منزله في الضاحية الأخرى.
بعدها حمل عامر العصا من على الأرض وشرع يديه بكل قوته لكي يضرب الشيخ على رأسه. وهو في تلك الصورة، طعن من الخلف بسكين من الرجل الملثم الذي ظهر كالشبح فجأة، وطرح عامر أرضا لا حراك له.
كان الذهول ينتاب الجميع في تلك اللحظة، من أين حط ذاك الملثم في لمحة البصر، الذي أنقذ الشيخ في آخر ثانية من موته المحتم على يد عامر الظالم.
وفي تلك الأثناء، حضر هاشم بسرعة عندما رأى الجمع ملتفا حول رجل منبطح على الأرض، فهو الوحيد الذي كان متأخرا عن الأحداث الأخيرة التي وقعت.
قال: "ما الذي حدث هنا يا والدي؟ ومن هما هذان الشخصان؟"
في تلك اللحظة، نزع الملثم القناع عن رأسه. وصرخت نورة صرخة مدوية: "أبي!" وذهبت تختبئ وراء الشيخ.
قال لها: "هل خفت من والدك الآن يا نورة؟ ولم تخف من ربك يوم دنست شرفك وشرفي في الوحل؟ لما فعلت ذلك بوالدك بنفسك؟ لماذا طأطأت رأسي أمام عشيرتي؟ وأنا الذي حسبتك عاقلة وناضجة كل هذه المدة؟ لماذا كنت دائما أتباهى بك أمام الجميع؟ أن لدي ابنة كبرت وأصبحت عروسة. لماذا حرمتني أن أعيش فرحة أن آخذك بيدي لعريسك؟"
قالت نورة: "أنت السبب لكل ما يحدث لي الآن يا أبي. أنت الذي تركتني في عز احتياجي وعوزي لمن يسمعني، لمن يطبطب على كتفي عند وجعي. أحيانا أظنك أنك تنتقم مني لأن والدتي توفت وتركتني لأتكفل بتربيتي بمفردي. أنا يا أبي، كنت أبكي ولا أحد يعلم ما الذي يحزنني. وكم من ليالي مرت وأنا أغطي وجهي بالرداء من كثرة الخوف، ولا أستطيع حتى أن ألجأ للاختباء ما بين ضلوعك مثل ما يفعله باقي الأطفال، لأنك لم تعودني على ذلك. عشت وحيدة، أتكفل نفسي بنفسي لوحدي من كل شيء يصيبني، حتى من تنمر الأولاد لي. أنت أكملت يا أبي حياتك ونسيتني وراءك، لذا تعبت من تحمل التجاهل والبرود في التعامل من قبل الجميع. حتى زوجتك تلك التي تفضل أولادها في كل شيء عني. وماذا تريدني أن أفعل يا أبي بعد كل هذا؟ لجأت بدون وعي مني إلى أول من أسمعني كلاما حلوا، لمن يفهمني وينصت إلى كلامي حتى وإن كان تافها، إلى من ينسيني الجفاف الذي أعيشه منذ وفاة أمي. اقتلني يا أبي وخذ بعارك مني، فأنا أصبحت لا أخاف الموت، لأنني تذوقته قبلا."
في تلك الأثناء، اقشعر بدن صابر وظن أن والد نورة سينفذ بالفعل طلبها. فارتمى ما بين ذراعيها وهو يقول: "سأقتل لكل من يلمس منك شعرة هذه المرة، حتى وإن كان والدك."