استيقظ فهد على أصوات الأغاني الصعيدية القديمة، وغير ثيابه إلى ثياب صعيدية كما أجبره والده قبل أن يذهب إلى غرفته. لم يكن يريد افتعال أي مشاكل في الوقت الحالي، يكفي ما به حقاً. وكم كان وسيماً حقاً بجلبابه الصعيدي والشال، لينزل إلى أسفل ويرى المنزل مقسوماً إلى نصفين. نصف يوجد به الرجال وهم في الحديقة، حيث ذهب، والقسم الآخر للنساء اللاتي يرقصن ويغنين أغاني الفلكلور الشعبي القديم الجميلة.
ليخرج إلى القسم الموجود به الرجال حيث الحفل، بعد أن اتصل بصديقه مازن. أخبره مازن أنه قد وصل منذ قليل وهو الآن مع أبيه العم منصور. ليذهب إليهم وهو يحاول بكل طاقته أن يرسم البسمة، لأنه منذ اللحظة التي أُجبر بها على الزواج من تلك التي تسمي نور، لم يذق طعم الراحة بالفعل حتى الآن. لا يعرف كيف سوف تبدو عروسه المذعومة. حتى ينشغل بالحديث مع صديقه منذ وجده والعائلة، حتى بدأ الرقص بصينية الحنة.
أصر الجد أن تكون حنة ساجدة ونور في نفس القصر، ولم يستطع أحد أن يرفض أمر الحج الشافعي، فهو كبير البلدة. والبلدة من أصغرها لأكبرها لا يستطيع أحد أن يكسر له كلمة.
نزلت نور إلى الحفل والسعادة ظاهرة على وجهها الجميل. فكانت ترتدي فستاناً من النبيذي سادة ينساب على جسدها الرشيق برقة، ويتوسط خصرها حزام بنفس اللون مزين باللؤلؤ الأبيض اللامع، وينزل من ناحية الكتف الأيمن طبقة لامعة من اللون الأحمر متصلة بالحزام. كانت أكمام الفستان طويلة وساترة، ووضعت مستحضرات تجميل رقيقة للغاية مثلها، أظهرت جمال ملامحها. وتصفيفة شعرها قصة أخرى، كانت تبدو كالعادة فاتنة.
أما ساجدة فلم تقل جمالاً عن نور، فكانت ترتدي فستاناً من اللون الوردي ضيق من منطقة الصدر وينزل باتساع، زراعية من ذو أكمام طويلة من الشيفون مزينة بالورود البيضاء والذهبية. وصففت شعرها بطريقة رقيقة للغاية، واضعة تاجاً من الورود أعلى رأسها ومستحضرات تجميلية رقيقة أيضاً، فكانت ساحرة هي الأخرى.
لتبدأ النساء في إطلاق الزغاريد عند رؤيتهن، دلالة على فرحهن. فنور كان لها مكان خاص عند الجميع، لأنهم يساعد كل من يطلب منها المساعدة. لتبدأ أجواء الاحتفال بالاشتعال، وبدأت السيدات الكبار في العمر بغناء الأغاني الفلكلورية الجميلة مثل: "مدي إيدك يا عروسة.. مدي إيدك للحنة. مدي إيدك يا عروسة.. مدي إيدك وتحني." وكذلك تتغنى السيدات طلباً للعريس: "بس الوله ييجي.. بس الوله ييجي... يجي عند دارنا.. وأدبل حمامنا، وأشاوله ييجي."
"يحيا أبوها يحيا.. يحيا أبوها يا جدعان... يحيا أبوها وشنبه.. اللي ما حدش غلبه." وأيضاً: "حلوة يا واد وصغيرة مالية عليك المندرة.. حلوة يا واد ورِقة مالية عليك الشقة." "يا صغيرة يا أحلى بنات العيلة.. خوفي عليكي من الحسد الليلة.. يا صغيرة يا أحلى بنات الحتة.. خوفي عليكي من الحسد يا بطة." وأيضاً: "يا أم العروسة هاتى الحنة هاتى.. ولا انتي ناسية إن الحنة الليلة دي."
"يا أم العروسة هاتى الحنة قومي عروستنا قالت دا النهاردة يومي.. يا أم العروسة رشي الملح رشي.. وقولي لعروستنا معاكي الواد وقوشي." كانت الأجواء مشتعلة سواء في الداخل عند السيدات من غناء ورقص ورسم الحناء، أو في الخارج عند الرجال الذين كانوا يستمتعون أيضاً بالمزمار والرقص بالفرس أو التحطيب، أو بمعني آخر الرقص بالعصا.
لا ينكر فهد أنه استمتع كثيراً بهذه الأجواء، وتعرف على عائلته وأصبح صديقاً لمالك. وجد أنه شخص مرح للغاية، وتفاجأ من معرفة صديقه مازن لمالك سابقاً. لينتهي اليوم سريعاً كما تنتهي الأوقات السعيدة، ويرحل الموجودون إلى منازلهم استعداداً للغد. واتجه كل من أصحاب المنزل إلى غرفهم، لكن جفا النوم عيون أبطالنا.
لتبدل نور ثيابها إلى بيجامة صيفية طفولية برسوم كرتونية، وارتدت أعلاها شالاً من اللون الأسود لأن الجو يصبح بارداً ليلاً. واتجهت إلى أسفل متناسية كل شيء، فهي كانت تتضور جوعاً بالفعل. لتحضر بعض الشطائر وتأخذ زجاجة من المياه الغازية، متجهة إلى السطح مكانها المفضل، لأنها تستطيع أن ترى النجوم التي تزين السماء، صانعة لوحة فنية بدع الخالق في صنعها.
على الجانب الآخر، كان ذلك الفهد يجد صعوبة أيضاً في النوم. فاتجه إلى السطح ليستنشق القليل من الهواء، فقد أخبره مالك سابقاً عنه. كان يريد أن يصفي ذهنه ويختلي بنفسه قليلاً. لم يكن يعلم عزيزي فهد أنه ليس بمفرده.
عندما صعد إلى أعلى وجد فتاة جالسة معطيه إياه ظهرها، شعرها مفرود على كتفها بنعومة. بجانبها طبق به بعض الشطائر، كانت تنظر إلى السماء وتغني بصوت عذب للغاية بلهجة صعيدية، سارحة ومندمجة لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. ليختبئ سريعاً خلف حائط كان موجوداً هناك، سامحاً لنفسه بمراقبتها، فقد شده جمال صوتها للغاية. كانت تغني (نعناع الجنينة) "قالت تقصد إيه ياللي انت بتغازل واقف ف طريقنا إن كان طلعنا نزلنا
واعدين بعضنا من صغرنا وما زلنا ما نفوت بعضنا حتى التراب يعزلنا *نعناع الجنينة المسقي في حيضانه شجر الموز طرح ضلل على عيدانه* يا ست البنات ماحلا الجمال فيكي مهما أعمل وأسوي الوصف ما يكفيكي الروح والجسد تأخذي وما يكفيكي بس خلي العيون عشان تعاين فيكي *رايد أكلمك كل ساعة في وسعتنا من بعد الضهر نركب ضهر ناقتنا قالت نعمل إيه لو العرب شافتنا قولي وليد عمي وساقته جار ساقتنا* طالع للفسح والناس ولا مراه وأنا تعبان وادلع
(استب غير لابراه) أتأوب تمطي جاب الايادي وراه قام شرط القميص نهده طلع براه ***نعناع الجنينة المسقي في حيضانه سجر الموز طرح ضلل على عيدانه" أنهت أكلها وأغنيتها لتشعر بتحسن. فهي تغني كلما شعرت أنها بحاجة لتصفية ذهنها. لتبتسم ابتسامتها الفاتنة وتأخذ الطبق الفارغ وتهم لترحل.
أما الفهد فكان يتابعها بشغف بغير إرادة. وما جعل عينيه تتوسع بصدمة هو جمالها، فكانت فاتنة بحق بعينيها العسلية ووجهها الفاتن وجسدها الممشوق كالعارضات وشعرها البني الذي يخترقه خصلات ذهبية. لينتبه لنفسه أخيراً وينهر نفسه قائلاً: "إيه اللي بتعمله دا يا فهد؟ أنت فرحك بكرا ومينفعش تعمل كده. وبعدين عادية جداً أصلاً، دا أنت ملكات جمال بتتمنى منك كلمة، هتيجي تخيب دلوقتي ولا إيه؟
(كفاك كبراً أيها الفهد، فأنت تعلم أنها ليست مثل غيرها، فهذه ابنة الشافعي، لا مثيل لها ولن يكون) ليتنهد بحنق قائلاً: "كله بسببك يا ظالمة، أنتِ بس انتِ اللي جبتيه لنفسك، وأنا وراكي والزمن طويل وهخليكي تقولي حقي برقبتي." ليبتسم بشر قائلاً: "أهلاً بيكي في جحيم الفهد."
ليجلس قليلاً يحاول استرجاع خطته. ولم يكن يعلم عزيزي فهد أن الله عندما يجمع شخصين مهما حاول أي شخص أن يفرقهم فلن يستطيع، فهي إرادة الله في نهاية الأمر ومن يستطيع أن يغير قدره. ليذهب أخيراً ليأخذ قسطاً من الراحة قبل يوم غد. ويعم أخيراً صوت السكون على المكان وينتهي يوم ويبدأ يوم آخر مليء بالأحداث الغير متوقعة. ماذا سيحدث غداً يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!