فاق من شروده على صوت السائق وهو يخبره أنهم على وشك الوصول. نظر إلى زوجته التي كانت تنظر إلى كل تلك الذكريات التي مضت هنا. وضع يده على رأسها ليجعلها تفيق هي الأخرى من شرودها. نظرت إلى زوجها دون أن تتحدث. في هذه اللحظة، لغة العيون روت كل الحديث. منصور بحب وهو يحتضنها: متخافيش يا خديجة، طالما أبويا عمل كده يبقى أكيد رضي عنا، وأكيد الأمور هتتحسن. خديجة بنظرة حب إلى زوجها الحبيب: إن شاء الله يا حبيبي، كل حاجة هتبقى كويسة.
وصلوا إلى القصر أخيرًا وخرج كل منهم من السيارة. تغير معاد قدومهم قليلاً ليصبح يوم الحنة بدلاً من قبل العُرس بأسبوع، وذلك لكي ينهوا بعض الأشغال في العمل التي طرأت فجأة، ووافق الجد على ذلك. مع أول دقيقة دلفت بها السيارة إلى داخل القصر، انطلقت الأعيرة النارية لتفزع خديجة من ذلك الصوت. منصور بضحكة عذبة: متخافيش يا حبيبتي، دا سلو بلدنا كده، دا مجرد ترحيب بس.
نزل كل منهم من السيارة واستقبلهم محمد أمام الباب. احتضن الإخوة بعضهم البعض بلهفة وحب وشوق، والنساء بعضهم البعض. بعد أن تم الترحيب بهم من قبل سعاد وابنتها التي لم تنظر إلى أحد سوى فهد، الذي لم يعطِ لها بالاً. فهي مثل غيرها. نظر بإعجاب إلى القصر، فهو قصر كبير يمتزج به التصميم العريق بالفن العصري الحديث، إنه بالتأكيد لوحة فنية.
ذهبوا إلى غرفة الجد الذي رحب بابنه وزوجته وحفيده ترحيباً حاراً بث به مدى اشتقاقه لهم. وسامح ابنه وتقبل زوجته. وبعد مدة قليلة خرج الجميع، كلٌ إلى عمله بأمر من الجد، وتبقي الجد وفهد فقط. الجد بجدية:
بص يا ولدي، أنا عايزك تعرف حاجة. أنا عمري ما هعمل حاجة تضرك يا ولد الغالي. وعارف إن أبوك حكالك كتير عني، ويمكن تفتكر إني معرفش حاجة عنكم، بس لأ يا فهد، تبقى غلطانة. أنا عارف كل كبيرة وصغيرة بتحصل حواليكم، وكنت بشوف إنجازاتك كل شوية يا بشمهندس، وفخور بيك قوي أنت وأبوك. يا ولدي، اللي عمله أبوك زمان كان غلط، وإحنا دلوقتي هنصلح الغلط ده ونلم العيلة تاني زي الأول.
نور دي مش مجرد بت عادية، دي نوّارة الدار، نوّارة قلبي. أوعاك تزعلها في يوم ولا تكسر بخاطرها، علشان ساعتها والله يا فهد ما هقولك إيه اللي هيحصل. قال ذلك بنبرة محذرة، ثم نهض واحتضن فهد وقال له: أنا عارف إنك مشتت، وعارف إن أبوك غصب عليك، بس صدقني يا ولدي مش هتلاقي زي نور. وبكرة تقول جدّي قال. وحشني يا ابن منصور. ثم أخذه بين أحضانه بحنان الجد المعروف.
كل هذا تحت أنظار فهد، التي تتغير ملامحه بين الدهشة والاستغراب. ثم ابتسم إلى جده، وفي رأسه الخطة التي يجب أن ينفذها، والتي قضى وقتًا كافيًا يخطط لها. الجد: يلا يا عريس، روح على أوضتك لحد ما الجناح بتاعكم يخلص. الجناح ده هيبقى بتاعك أنت ونور لما تتجوزوا. أنت عارف إن كتب كتابكم وفرحكم بكرة مع مالك وساجدة. فهسيبك تتعرف على بقيت العيلة. أومأ له فهد بالموافقة ثم قال: ماشي يا جدو، بعد إذنك.
خرج فهد وهو يلعن في عقله نور وكل تلك الأحداث، وقرر أن يصعد لغرفته ليستطيع أن يستريح قليلاً، ليذهب بعد ذلك ويتعرف على من يسمون عائلته ويبدأ في تنفيذ خطته. فهد بخبث وغضب: ماشي يا ضلمة. أوعدك إن حياتك معايا هتبقى أسود من الليل، وهخلص منك في أول فرصة. مش فهد منصور الشافعي اللي حد يرغمه على حاجة. لم يكن يعلم عزيزي فهد أن عندما يربط الله قدر شخصين ببعضهم البعض، لا يستطيع أحد أن يفرقهما مهما كان ذكاؤه أو قوته.
كان يجلس كل من منصور وخديجة في الجناح المخصص لهم. ليسترجع منصور لقاءه بوالده. منصور وهو يحتضن أخيه بحب وشوق كبير: وحشني يا ولد أبوي، وحشني قوي. محمد وقد تكونت بعض الدموع في عينيه وبصوت مبحوح قائلاً: وأنت أكتر يا خوي، والله. حمدلله على سلامتك. منصور بحب: الله يسلمك يا خوي. ثم يصمت قليلاً ليتفهم محمد الوضع، ويضع يده على كتف أخيه مشجعاً له قائلاً:
أبوك فوق في أوضته، اطلعله يا خوي واستسمحه وخده في حضنك. أنت عارف زين إن أبوك بيحبك قوي وأنت أول فرحته. أبوك كان بيقسي عليك عشان يعاقبك، لكنه في الحقيقة هو أكتر واحد اتوجع بسبب البعاد. ليبتسم منصور بسبب كلام أخيه المشجع له. وذهب سريعاً إلى غرفة والده وقلبه يخفق بقوة. ثم يطرق طرقات خفيفة على باب الحجرة. ليستجيب من بالداخل ويقول بصوت خافت: ادخل.
ليدخل منصور لحجرة والده ويجده يقف معطيًا ظهره للباب ينظر من النافذة إلى حديقة القصر. منصور بشوق: أبوي. ليلتفت الحج الشافعي لمصدر الصوت بلهفة لم يستطع إخفائها قائلاً: منصور. منصور بحب: كيفك يا بوي؟ اتوحشتك قوي. لم يستطع الحج الشافعي أن يتحمل أكثر من ذلك، ليجذب منصور إلى حضنه وهو يقول: أنا اتوحشتك أكتر يا ولدي، اتوحشتك قوي يا منصور. 30 سنة يا منصور، 30 سنة بعيد عن عيني... منصور بحزن:
أنا آسف يا بوي إني خالفت كلامك، بس أنا مكنتش هقدر أتجوز غير خديجة، كنت هموت يابوي. خديجة روحي اللي مقدرش أفارقه. ليقول الحج الشافعي بحب: يمكن كنت زعلان الأول عشان خالفت كلامي واتجوزت بت البندر، بس دلوقتي عرفت إنك اخترت صح يا ولدي. أنا مسامحك يا ولدي، مسامحك. ليحتضن كلاهما الآخر بحب وشوق. ليبتسم منصور على ما حدث. لتقول خديجة بحب وهي تحتضنه: مش قولتلك كل حاجة هتبقى كويسة. منصور بابتسامة: وكلامك صدق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!