قبل بداية الفصل الدراسي الثاني بيوم واحد حضر عم حسين، كان متعجلا قلقا هذه المرة. لم يمكث في شقة أبي إلا ساعات. ومن حسن الطالع أنّ أبي لم يكن موجودا، وإلا لفاتحه في موضوع معتز. كان عم حسين
يحمل لي مجموعة من الأخبار: لقد أهداه أحد الأثرياء الذين يخلص في خدمته هاتفا مستعملا، وأنه استطاع أن يجمع لي مبلغا جديدا من المال من أهل الخير وإمام مسجد القرية. وأخبرني أنه سيبيت اليوم عند أحد معارفه بالقاهرة حينما سألته عن سبب تعجله في الرحيل. رحبتُ به وقبّلتُ يده. فاحتضنني الرجل في عطفٍ وحنان وربّتَ على كتفي ومسح بيده اللينة على حجابي. ولكم أتعجب على هذا الحنان الذي يفيض به هذا الرجل نحوي، حنان لم أجده في أبي.
أخبرني عم حسين أنني مقبلة على قصة حب. فارتبكتُ وتعجبتُ. ياللكارثة! ألهذا الحد يبدو عليّ؟ أنكرتُ بشدة، ولكنه أخبرني أن كل ملامحي تفيض بالحب. ثم ضحك ضحكة طويلة متقطعة ونصحني بألا أمنح قلبي إلا لمن يستحقه، وأن كثيرا من قصص الحب انهارتْ عند أول اختبار حقيقي بعد الزواج. ثم قال وهو يميل نحوي: "بعد الجواز يا نورا بتزول الوسامة والمال وتبقي فقط الأخلاق والشهامة."
ثم قدّم لي ألفي وخمسمائة جنيها، وأوصاني بضرورة النجاح والتفوق. ورحل دون أن يستريح من عناء السفر، وذهب إلى أحد معارفه، ولم ينسَ أن يجعلني أقوم بتسجيل رقمه على هاتفي. لهذا الحد كان عم حسين رقيقا معي، ولهذا الحد كان يفهمني ويقرأ ما في قلبي. انتظمتْ الدراسة في الجامعة. وفى أول لقاء بيني وبين حسام، قال لي في رقة: "أنا عاوز أفرجك علي شقتي الجديدة."
رفضتُ في البداية، لكنه كان يجيد استخدام أسلحته الفتّاكة التي أهمها رقته ووسامته، فوافقتُ، واتفقنا على يوم الخميس القادم مساء. وحين جاء الخميس وانتهتْ المحاضرات، هرول نحوي حسام مسرعا وذكرني بالموعد. كنتُ أتعجب من إصراره العجيب، لكن كعادتي كنتُ مسحورة.
عدتُ إلى البيت ومارستُ عادتي الجديدة في الكذب وأخبرتُ أبي أنني سأزور صديقتي لمراجعة بعض الدروس. وافق أبي وذهب لغرفته ليستريح قليلا. وجلستُ في الصالة أمام التليفزيون أنتظر مجيء الساعة السابعة مساء. كنتُ قد ارتديتُ الحذاء الجديد واطمأننتُ على هندامي وحجابي.
وقبل أن أخرج، انقطع الإرسال فجأة. طبعا اعتدتُ مشاهدة مثل هذا الموقف، ولم يبدُ مرعبا لي كما رأيته أول مرة. حفظتُ هذا المشهد عن ظهر قلب. فزفرتُ زفرة ملل وانتظرتُ أن يهوي الرجل ممتلئ الجسم على الرجل الآخر بقطعة من حديد، لينظر الثاني نحوي في توسل ويقول: "انقذيني." وفعلا تمّ كل شيء كما كان يحدث كل مرة. لكن الإرسال لم يعدْ. فبدأتُ أنتبه لما يحدث. الرجل قصير القامة مقوس الظهر قال: "انقذيني."
ولم يختفِ، والكاميرا مثبتة على وجهه الذي يسيل منه الدماء. ثم قال الرجل وهو يمسح دماء وجهه: "بلاش تروحي." فتحتُ فمي بعد أن ذاعتْ عيناي، وانتظرتُ أن يُكمل. ثم عاد الإرسال. إذن الرجل يحذرني من الذهاب. هذه الجملة جديدة على المشهد. ارتعشتُ بداخلي، فأغلقتُ التليفزيون ورحتُ أبدد توتري في التجول في الصالة. كنتُ تائهة متوترة قلقة. دلفتُ إلى حجرتي وبدأتُ أتمتم ببعض الآيات، فهدأ روعي واطمأنتْ روحي، ثم خرجت.
في الطابق الخامس كان ينتظرني. ودلفتُ لداخل شقته، وجلستُ في الصالة، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد. رحب بي حسام، ثم غاب فترة تأملتُ فيها أركان الصالة، ثم عاد حاملا كوبا من عصير الفراولة. ثم ابتسم وجلس بجواري قائلا: "وحشتيني." لماذا لم أشعر بالارتباك المحبب لنفسي؟ لماذا لم أشعر بدقات قلبي المتلاحقة؟ لأنني كنتُ مرعوبة. طغى شعور الرعب على أي شعور سواه. قلتُ في هلع: "أنا همشي." قال مسرعا:
"هو انتي لحقتي تقعدي... استني هفرجك على الشقة." قلتُ معترضة: "لا لا.... حسام أنا مش مرتاحة." قال مبتسما وهو يدنو مني: "ليه؟ أجبتُ: "مش عارفه... بس أنا مش مرتاحة." قال ومازال في إصراره: "طيب نقعد شوية." فقلتُ مقترحة: "طيب تعالي نقعد على كافتيريا."
كنتُ أود أن أجلس في مكان عام. لأول مرة أشعر بالخوف من حسام. حسام الذي ملك كل كياني وتربع على عرش قلبي صار غريبا مخيفا. ربما كنتُ واهمة في ذلك. لكن أنا التي تتعذب نفسي في الصراع بين الحرام والحلال، أجد نفسي فجأة في مكان مغلق غير مريح مع ولد، وكأنني كنتُ بلا عقل حينما وافقته على المجيء هنا. قال حسام جادا بعد أن ابتعد عنّي قليلا: "خلاص ماشى... مش مشكلة... طالما مش مرتاحة...
اشربي العصير عبال ما أجيب مفتاح العربية وننزل." كانتْ يدي ترتعش وأنا أشرب العصير. رشفة، ثم رشفة، رشفات. لماذا أشعر بفقدان التوازن؟ لماذا تظهر بقعة سوداء أمام عينيّ؟ العصير منعش. رشفة أخري. البقعة السوداء أمام عينيّ تتسع. كم أحبك يا حسام! أحبك ولن أكون لأي مخلوق غيرك. أنتَ الوحيد الذي حركتَ مشاعري وجعلتني أحب الدنيا وأخرج من شرنقتي وانطوائي. رشفة أخري. البقعة السوداء تتسع. ما ألذ مذاق هذا العصير!
"لازم تصدقي اللى على اليمين." هذه العرّافة مضحكة جدا. لن أصدق الذي على اليمين أيتها العرافة الحمقاء، ولن أصدق الذي على اليسار أيضا. سأصدق قلبي، نعم. حسام أخبرني بهذا. لابد أن أصدق قلبي، وقلبي يحب حسام. لماذا جدران الصالة تتحرك؟ نعم تتحرك بشكل دائري بطيء. كلا، تتحرك بشكل سريع. أشعر بأن الخدر يجري في دمي. وآخر ما كنتُ أراه أنني بين ذراعي حسام وهو يصحبني إلى غرفة أخري. ثم تلاشت الموجودات حولي.
حين أفقتُ شعرتُ بأنني كنت أركض أمام كلب مسعور. فتحتُ عينيّ قليلا ثم أغمضتهما. تحسستُ جبهتي وأنا مغمضة العينين. ما هذا؟ هل هذا شعر رأسي؟ هل أنا عارية الرأس؟ فتحتُ عينيّ مرة أخري وبدأتُ أجمع شتات تركيزي. أين أنا؟ وما هذه الغرفة؟ حسام... الشقة.. العصير. انتفضتُ مذعورة كالملسوعة. أنا عارية الرأس، شعري يتناثر على وجهي ووجنتي. سرير... غرفة نوم... ستائر...
هنا فهمتُ كل شيء. ركضتُ في الغرفة كأسد حبيس. وجدتُ حجابي ملقي على الأرض بجوار السرير. ثوبي ممزق قليلا من الأسفل. جذبتُ حجابي ووضعته على رأسي دون إحكام فسقط مني. الشقة خالية. أين ذهب؟ أين هو؟
رأيتُ مرآة هائلة الحجم في الغرفة لم أنتبه لها من قبل. صدري يعلو ويهبط. أنفاسي متلاحقة غير منتظمة. دموعي تهطل. كنتُ غير قادرة على إحكام ارتداء حجابي بسبب يدي المرتعشتين. خرجتُ إلى الصالة. كوب العصير فارغ. حقيبة يدي. أمسكتُ بالحقيبة وأخرجتُ الهاتف. قرأتُ اسم عم حسين. وبيد متعجلة مرتعشة مبللة بالعرق ضغطتُ زر الاتصال: "الحقني يا عم حسين."
بعد قليل كنتُ أخرج من الشقة. وفي الشارع انزويتُ عند مدخل البناية. لم تتوقف دموعي. أنا فقدتُ كل شيء. هل هذا ثمن ثقتي به؟ كان يحبني. هو أخبرني أنه يحبني. كنتُ أعتقد أنه يريد أن يريني الشقة لأنه ينوي الزواج منّي. كم حلمتُ بك زوجا يا حسام. مرّ وقت التهمتُ فيه نفسي حتى رأيتُ عم حسين يتكأ على عكازه مهرولا نحوي: "حصل ايه؟ ... وبتعملي إيه هنا؟ كانتْ إجابتي متقطعة غير مفهومة: "هو... العصير... نمت... أنا مبقتش بنت."
كنتُ أتحدث مرتجفة أكاد لا أرى عم حسين من دموعي المتدفقة. جذبني من يدي وأوقف سيارة أجرة (تاكسي) وانطلقنا إلى مكان لا أعرفه. في الطريق طلب منّي أن أتصل بأبي وسمعته يحدثه قائلا: "أنا هبات انهارده عند أختي يا قاسم... أيوه سامعك... أنا حسين يا قاسم... نورا معايا... لا متقلقش... هي هتبات معايا."
بعد قليل كنتُ في بيت شقيقة عم حسين. لم أعلم من قبل أن لديه شقيقة هنا. كنتُ شاحبة الوجه ذابلة العينين. وما إن رأتني شقيقته حتى شهقت وقالتْ: "مين دي؟ ومالها كده؟ سمعته يجيبها قائلا: "مش وقته يا كوثر... تعالي ودّينا عند أقرب دكتورة." قالتْ السيدة وهي تضرب بيدها على صدرها: "يالهوي... طيب إيه الحكاية يا حسين؟ قال وهو يخرج حافظته نقوده ويعد ما بها من نقود: "هقولك بعدين."
في مستوصف الرحمة الطبي كنا نجلس. كان الوقت يمر بطيء ثقيل ممل قاتل. كنتُ أشعر بأن روحي تُنزع منّي كل ثانية. لدي رغبة جامحة في التقيؤ. كنتُ أتعجب لماذا يقتل المرء نفسه، لكنني في هذه اللحظة فهمتُ الإجابة. حينما نادتْ الممرضة اسمي شعرتُ بأن قدميّ لا تقويان على حملي. ساعدتني كوثر ودلفنا إلى داخل الغرفة. لم تسأل الطبيبة عن السبب، بل قامتْ تمارس عملها قبل أن تكمل كوثر كلامها. مرّ دهر حتى رأيت شفتي الطبيبة تنطقان
بكلمة قصيرة موجزة سريعة: "بنت." هذه الكلمة جعلتني أولد من جديد. وعلمتُ وقتها كيفَ تتغير مصائر الناس من كلمة ينطقها طبيب. كيفَ تتغير حياة أناس من مجرد نتيجة تحليل أو أشعة. سمعتُ كوثر تقول: "لكن يا دكتورة.... قاطعتها الطبيبة في نفاذ صبر وهي تضغط على زر على مكتبها: "قلتلك كله تمام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!