الفصل 12 | من 20 فصل

رواية نصف انسانة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم السيد عبد الكريم

المشاهدات
14
كلمة
2,673
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

ولدتُ ونشأتُ في الإسكندرية، تلك المدينة التي تدفعك دفعاً لأن تكون حالماً مرهف الحس رقيق الحاشية. نشأتُ في بيت فقير لأب وأم فقيرين. كانت أحلامي صغيرة، لكنها غير قابلة للتحقيق في ظل عمل أبي المتواضع. أبي عبد المجيد يعمل صياداً على قارب أحد (المعلمين)

، المعلم رجب كبير الصيادين، وفي منطقتنا يعمل تحت إمرته أكثر من عشرة رجال، كلهم يخشونه ويوقرونه ويحتقرونه ويلعنونه في آن واحد. كان أبي واحداً منهم، نعم كان أبي عاملاً لدى المعلم رجب. مع شروق الشمس كنتُ أرى أبي يخرج إلى الشاطئ على قارب المعلم رجب ليعود مساء أو يبيت ليلته على الشاطئ طلباً للرزق. وحصيلة ما كان يصيده أبي كان يبتاعه معلمه بنصف الثمن. لماذا نصف الثمن؟

لأن أبي لا يملك قارباً خاصاً ولا تصريحاً خاصاً. وفي الإسكندرية عشتُ عشر سنوات، درستُ ولعبتُ وحلمتُ وتشاجرتُ، فضربتُ وضُرِبتُ وركضتُ مع أقراني واصطحبني أبي في ساعات عمله مرات كثيرة. ذات ليلة أخبرنا أبي أننا سنترك الإسكندرية إلى القاهرة. فســمعتُ أمي تقول في تعجب واعتراض: ـ تسيب شغلك هنا وتروح القاهرة... طيب نعيش إزاي؟ أجابها أبي في هدوء وثقة: ـ متقلقيش... هنعيش وهنعيش وهنعيش. وهذا هو الذي لم يحدث.

في القاهرة عشنا في شقة متواضعة في حي فقير (حارة سُد) . كانت شقتنا حجرتين في (البادروم) وهنا ولولت أمي قائلة: ـ بقا تسيب رزقك وشغلك وتجيبنا نعيش في السجن ده. قال أبي بنفس الثقة التي حدثها بها في الإسكندرية: ـ اصبري على رزقك يا أم حسام... دا أنا هعيشك في قصر.

وكان على حق هذه المرة. فقد حدث تغيير مفاجئ رهيب لم يكن في حسباني، انتقلنا إلى فيلا، نعم فيلا في أحد الأماكن الراقية بالقاهرة. وتبدلت حياتنا من الفقر وقسوة المعيشة إلى الرخاء وسعة الرزق. لم أسأل نفسي وقتها كيف صار أبي من الأثرياء فجأة، وهل هذا سؤال؟! المهم أنني سأعيش، سأرى الدنيا، سأحلق فوق السحاب، سألبس، سأتبختر، سأمرح، سأصيع، سأبرطع، سأتسكع.

اشتري لي أبي دراجة كهربائية، أغدق عليّ الأموال، وصرتُ أقول "ماما" بدلاً من "أمي"، و"بابا" بدلاً من "أبي". أنا ابن الحارة الشعبية وجدعنة الإسكندرية صرتُ أستقراطياً مدللاً. جلب لي أبي مربية تعلمني كيف ألبس بحساب وأتحدث بحساب وأتناول الطعام بحساب وأشرب بحساب وأتنفس بحساب. "لابد أن تكون مثل أبناء الأثرياء يا حسام"، هكذا كان يخبرني أبي. أما جيراننا فعاملونا على أننا ولدنا أثرياء مثلهم.

كنتُ ألعب في حديقة منزلنا الواسعة. ذات مرة ركلتُ الكرة لتطير إلى حديقة الفيلا المجاورة. ولأنني صرتُ (بيك) صغيراً مهذباً، لابد أن أطلب الكرة من الجيران بأدب جم بعد أن أعتذر لهم. وسمح لي البواب بالدخول ورأيتُ فتاة شقراء، ابنة العشر سنوات، تقريباً في مثل سني. كانت وحيدة أبويها وكنت وحيد أبوي، فصرنا أصدقاء. نلعب ونركض ونضحك ونذاكر ونذهب إلى النادي. لم تكن هذه الفتاة إلا شيرين، وهذا كله أدى إلى تعارف الأسرتين.

اعتدتُ حياة الترف والثراء وشربتُ كل عادات الأثرياء بسرعة. كنتُ أفخر بنفسي حينما كان البواب يناديني بصوت مسلوخ (حسام بيه) وتسميني الدادة بـ (البيه الصغير) . وحين تقف خلفي خادمة نحيفة مصابة بفقر الدم تنتظر أن أفرغ من طعامي. أحببتُ هذه الحياة. الشيء الوحيد الذي كنتُ زاهداً فيه كل الزهد هو التعليم، أقصد التعليم الخاص. أبناء الذوات يعلمون أولادهم تعليم خاص أجنبي. رفضتُ أن ألتحق بتلك المدارس (الإنترناشونال)

واللغات، وقررتُ أن أسير مع المقادير. في الجامعة كانوا يطلقون علي الدنجوان، الوسيم، الثري. وتلك هي ميزة أن تكون ثرياً ثراءً فاحشاً بالجامعات الحكومية. أنت مميز بين أقرانك في نظر أقرانك، مميز بأموالك وسيارتك وهندامك وكل شيء. كنتُ حريفاً ماهراً في صيد البنات. ومن تلك الفتاة التي تستعصي على الدنجوان؟

والفتيات الآنسات العذارى يسقطن أرضاً أمام الوسامة والمال، وكنتُ أملك هذين السلاحين. خضعتْ أمامي فتيات وفتيات، إلا فتاة واحدة. نورا...

تلك الرقيقة الجميلة التي ظهرتْ في الجامعة فجأة. كنتُ أعتقد أنها ستقع في شباكي من الوهلة الأولى، فهي كما بدا لي فقيرة، فقيرة المال وفقيرة الخبرة، وفقيرة القلب. فبدأتُ في استخدام سلاح الرقة، سلاح النظرات والتلميحات، اللقاءات العابرة. لكنها لم تستسلم. إذن جاء دور المال، حتماً ستستسلم أمام المال. اشتريتُ لها حذاء وهاتفا أنيقاً وكنتُ متوقعاً أن أنال كل ما أريد في ذلك اليوم. لكنها رفضتْ. هل أحببتها؟

لا شك أنني أعجبتُ بها بسبب إصرارها الدائم على عدم الاستسلام. جعلتها تعتاد على وجودي وقربي. ثم قررتُ فجأة أن أغيب وأبتعد وأصطنع الجفاء والتجاهل وأقترب من شيرين، حتى أشعل في قلبها الغيرة. وقد حدث.

في حفلة افتتاح أبي لشركته الجديدة دعوتها، وخططتُ أن أجعل شيرين هي الطعم. وكادت الخطة أن تنجح. رقصتُ مع شيرين وأوليتها اهتمامي وحدث ما توقعته. غادرت نورا الفيلا. تريثتُ قليلاً كي تنشب النيران في قلبها، ثم تبعتها. وجدتها تبكي منهارة في الشارع. جذبتها في سيارتي وبدأتُ أضع اللمسات الأخيرة من خطتي. لكنها لم تستسلم. حينما تركتها أمام الجامعة وعدتُ إلى الحفل انتحى بي أحمد جانباً وقال: ـ ما تسيبك بقا من البنت دي.

قلتُ في هدوء وتحدٍ: ـ لا طبعاً. قال وهو يأكل قطعة من الشيكولاته: ـ حرام عليك... باين عليها طيبة وانت علّقتها بيك أوي. قلتُ وأنا أنهض وأدور حوله كمحقق بوليسي: ـ هو ده المطلوب... أنا عايز أبقى كل حاجة في حياتها... لحد ما تخضع. قال في لامبالاة: ـ بس أنت جربت معاها كل الخطط يا دنجوان... استسلم انت بقا وسيبها في حالها... البنت واخدة موضوع الحب ده بجد. قلتُ في غضب: ـ مالك يا أحمد... هي صعبت عليك ولا إيه...

ولا تكونش حبيتها. قال وهو يرشف رشفته الأولى من كوب عصير: ـ حبيتها إيه يا عم... أنا بس صعبان عليا مجهودك ده معاها... وانت عارف إن فيه بنات كتير هتيجي سكة من غير مجهود. قلتُ في تفكير: ـ مبقتش استمتع بالبنت اللي تيجي سكة من أول مرة... بحس إنها سلعة رخيصة... ضحكة وعزومة وتبقي تحت أمري... لكن نورا عشت معاها دور الصياد... وأحياناً صيد الفريسة بيكون ممتع أكتر من الفريسة نفسها. قال وهو يضع كوب العصير على منضدة أمامه:

ـ بس انت يادنجوان خلّصت عليها كل خططك... رقة... عزومة... فلوس... ويبدو إنك بعد كل ده مسكت إيدها بس. قلتُ بعدما جلستُ بجواره: ـ لسه فيه خطة أخيرة. سأل سريعا: ـ خطة إيه؟ أجبتُ وأنا أشعل سيجارة: ـ خطة اللي يروح ميرجعش.

بعد يومين تسللتُ إلى مكتب أبي، سرقتُ أحد المفاتيح الخاصة به، مفتاح شقة المخزن. هذه شقة مقدسة بالنسبة لأبي، لا يقابل فيها أحداً ولا يعقد فيها صفقات ولا لقاءات. وأمي تعلم أنها يستخدمها كمخزن، لكن أبي يكذب، لماذا؟ يا له من سؤال!

أعدتُ المفتاح إلى مكتب أبي بعدما استخرجتُ منه نسخة لنفسي، وذهبتُ إلى الشقة التي كنتُ أعتقد أنها مخزن، لكنني وجدتها شقة مفروشة أنيقة بالطابق الخامس. دلفتُ إليها في توجسٍ وحذر، وجلستُ في الصالة، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد. تجولتُ غرفها واحدة تلو الأخرى، لا يوجد ما يدل على أنها مخزن. وما أثار دهشتي أنني وجدتُ في أحد دواليب حجرة النوم شعراً مستعاراً (باروكة)

. وحينما دققتُ النظر رأيتُ شارباً مستعاراً. وهنا بدأتُ أفكر: ـ لماذا لم يحضر أبي لزيارتي في المستشفى حينما أجريت العملية الجراحية؟ ـ لماذا غادر أبي سريعاً ليلة حفل عيد ميلادي؟ ـ لماذا أكمل أبي حفلة افتتاحه للشركة بالطابق الثاني مع أصدقائه؟ إجابة هذه الأسئلة بها شيء مشترك. نورا...

نعم نورا هي الشيء المشترك في كل الإجابات. لقد غادر أبي سريعاً ليلة حفل ميلادي بعدما رأى نورا، ولم يستكمل حفل افتتاح شركته معنا حينما صافحته نورا، ولقد رأيتُ التوتر بادياً على وجهه وهي تصافحه. لم يحضر أبي إلى المستشفى لأن نورا كانت هناك. لماذا يخشى أبي مقابلة نورا؟ هل هو يعرفها؟ هل هي من أحد جيراننا القدامى بالإسكندرية؟

لا أعلم. ربما هي ابنة لأحد الرجال الذين نصب عليهم أبي أو طردهم من الشركة. لا أظن، لكن أنا أعلم طباع أبي. أعلم أنه يدوس أي إنسان يقف أمام نجاحه وتجارته. أذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه أحد الفقراء إلى الفيلا متوسلاً لي ولأمي بأن يعيده أبي إلى الشركة. أذكر شوكت بيه حينما توسل لي أن أتوسط له عند أبي ليسمح له بعرض بضاعته في السوق. أعتقد أن والد نورا موظف في شركة أبي وأنه يملك أوراقاً تدين أبي أو يعرف بعض أسرار صفقاته المشبوهة.

قررتُ أن أنفذ خطتي في شقة أبي هذه، ودعوتُ نورا للحضور، وكنتُ في لهفة وشوق. حينما حضرتْ كنتُ متأكداً أنها لن تستسلم، لكن لا بأس. قطرة منوم واحدة في العصير ستفي بالغرض. فعلاً لم تستسلم وطلبتْ المغادرة، فوافقتها وتحججتُ بإحضار مفتاح السيارة ريثما تشرب هي العصير. طبعاً لن أترك فرصتي الأخيرة تضيع. قدمتُ لها المشروب، ودون تفكيرٍ منها، وبكل حماقة توالتْ رشفاتها ليختل توازنها شيئاً فشيئاً وفقدتْ الوعي.

الآن أنا أمتلكها، أمتلك قلبها وجسدها وأنفاسها وروحها. يا له من شعور!

لذة الانتصار، لذة قنص الفريسة. سأعلمها الأدب فقط، سأعلمها أن الدنجوان لا يُهزم. حملتها بين ذراعي بعدما خلعتُ حذائها، ثم دلفتُ بها إلى حجرة النوم. وبينما أنا أدنو بها من السرير تثبّتَ طرف ثوبها الأسفل في زاوية السرير فتمزقتْ قطعة صغيرة منه. وبعد دقيقتين كنتُ أزيل دبابيس حجابها. كانتْ مثل الملاك النائم. ذلك الوجه المستدير الأبيض الناعم المتملئ، ذلك الفم الدقيق الموجز المختصر، تلك الحواجب السوداء المرسومة بعناية، ذلك الأنف المستقيم في شموخ. كل ذلك الجمال البكر دون بقعة مكياج واحدة. يا لها من غنيمة باردة!

نزعتُ حجابها في لذة غريبة، فظهر شعرها المموج القاتم الداكن كالليل. رحتُ أتأمل ذلك الجسد المسجى أمامي على السرير. "اعذريني يا نورا، إصرارك العجيب هو من جعلني أفكر في هذا. ولو أنك قبلتِ الاستسلام من بداية الأمر كغيرك مما عرفتُ من البنات لكنتُ اكتفيتُ بقبلات طويلة صامتة وأحضان دافئة ساخنة". مددتُ يدي إلى ثوبها وأنا أقول بصوتٍ مسموع: ـ هعمل اللي كنتي منعاني منه يا نورا. فسمعتُ صوتاً يهمس بأذني اليسرى: ـ مش هتلحق.

انتفضتُ من فوري متوتراً وجلتُ بنظري في أرجاء الغرفة، وتيقنتُ أنني أتوهم. خرجتُ من الغرفة وتجولتُ بقية الغرف. لا أحد في الشقة سوانا. عدتُ إلى غرفة النوم مرة أخرى، وعدتُ أمدُ يدي نحو ثوبها من الأسفل، فسمعتُ الصوت مرة أخرى: ـ قلتلك مش هتلحق.

كان الصوت هذه المرة واضحاً، وكان توتري أكبر. نظرتُ أمامي فرأيتُ رجلاً أسمر الوجه نحيل الجسم مقوس الظهر، ينظر لي في ابتسامة دون أن يتحدث. ابتسامة ساخرة متهكمة فيها إصرار. وقفتْ شعيرات رأسي رعباً وتراجعتُ خطورة للوراء أرتعش. كان الرجل ثابتاً ينظر نحوي بثقة وتحدٍ. أنا لستُ واهماً، الرجل لم يختفِ، إن ما أراه حقيقة وليس خيالات. أوليته ظهري وسرتُ نحو باب الغرفة لأفتحها وأهرب، فرأيته يقف أمام الباب ليمنعني من الخروج. تراجعتُ للخلف ناحية السرير وأنا أحاول أن أخرج الكلمات من فمي، سقطتُ على

الأرض وأنا أقول في هلع: ـ سيبني أخرج. وجه الرجل يبدو مألوفاً لدي، أنا واثق أنني رأيته من قبل، لكن أين؟ كانتْ نظرات الرجل ثابتة ثاقبة واثقة، وكانتْ شفتاه تنفران عن ابتسامة خفيفة، ثم اختفى. نهضتُ مسرعاً وتوجهتُ ناحية الباب للهرب، فظهر من جديد ليمنعني من الخروج. توسلتُ إليه وبكيتُ ووضعتُ يدي على قلبي من الانفعال ثم فقدتُ الوعي.

لم أعرف كم مرّ من الوقت حينما أفقت، لكن ساعتي البيولوجية أخبرتني أنه فات خمس عشرة دقيقة تقريباً. كانتْ نورا غائبة في سبات عميق كالموتى. نهضتُ متوجساً متوقعاً أن يظهر ذلك الرجل مرة أخرى. سرتُ ناحية الباب. لم يظهر الرجل. وما إن دخلت الصالة ورأيتُ باب الشقة أسرعتُ نحوه وقفزتُ خارجاً إلى السلم. كنتُ أهبط الدرج مسرعاً كمن يطارده الجحيم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...