بدأتُ أبحث في جيوبي وفي حقيبتي مرة أخرى فلم أجد إلا الخمسة جنيهات، كادت دموعي أن تسقط. ثم رأيتُ من تنظر نحوي وتقول: ـ خلاص دفعتلك. حينما دققّتُ النظر وجدتها الفتاة التي أوصلتني إلى الجامعة أول مرة. انتظمت دقات قلبي وبدأت رعشتي تتلاشى، وتعجبتُ حينما رأيتها تنزل في نفس المكان الذي أسكن فيه. شكرتها ثم قلتُ لها بينما نحن نسير: ـ إيه ده... انتي ساكنة هنا؟!
عرفت أنها تسكن أول حارتي في نفس بيت الميكانيكي بالطابق الثالث، كما عرفت أن اسمها مكة. أصرّت مكة أن أصعد معها إلى شقتها، ترددتُ في البداية ثم قبلتُ حينما علمت أنها تعيش مع والدتها فقط. حينما دخلتُ رأيتُ أمها تقرأ القرآن على سجادة صلاة، ولا أستطيع أن أصف مقدار ما شعرتُ به من راحة نفسية وطمأنينة في هذا البيت. ولا أعرف هل لأنني يتيمة فاقدة لجو الترابط الأسري أم لما وجدته في أمها من حب وعطف ووجه مضيء؟
رحبت بنا أمها، وحينما أخبرتها مكة أنني زميلة دعت لنا بالنجاح والتوفيق. وفي حجرة مكة جلسنا، قالت بعد أن قدمت لي عصيراً: ـ عملتي إيه في البحث؟ قلتُ: ـ ولا حاجة... أنا عمري ما عملت بحث أصلاً ومش عارفة ابدأ إزاي. قالت: ـ هو البحث عن إيه فكريني. قلتُ: ـ عن مسرحية الضفادع دراسة نقدية. قالت وهي مبتسمة: ـ يعني يخلص في قعدتين. قلتُ في جهل: ـ إزاي بقا؟ ... دا أنا أصلاً مش فاهمة كلمة دراسة نقدية يعني إيه. قالت: ـ بصي يا نورا...
دراسة نقدية يعني تنقدي المسرحية الشعرية... تقرأيها وتطلعي منها الجماليات، الخيال زي التشبيهات وتطلعي المحسنات البديعية وتتكلمي عن الشاعر وجو النص ومناسبة المسرحية. قلتُ مازحة: ـ يعني أروح للشاعر وأقوله أنتَ قولت المسرحية بمناسبة إيه. قالت ضاحكة: ـ الشاعر مش هيرد عليكي... ربنا يبشبش الطوبة اللي تحت راسه... انتي تروحي للمراجع والمصادر هي اللي هترد عليكي. قلتُ في انبهار: ـ وانتي عرفتي كل ده إزاي؟ قالت: ـ ندوات... كتب...
مواقع إنترنت. قالتها وهي تشير إلى جهاز الكمبيوتر القريب من سريرها. قلتُ: ـ بس أنا معنديش كمبيوتر. قالت: ـ مش مهم... ما انتي أكيد عندك نت على تليفونك. قلتُ في حرج وأنا أخرج هاتفي: ـ لا تليفوني آخره يقول الوو. نهضت مكة وقامت بتشغيل الكمبيوتر، علمتني الولوج إلى مواقع ومنتديات، وكيفية البحث عن المعلومات، ثم أجلستني مكانها وطلبت مني أن أتصفح وأتعلم، بينما غابت هي قليلاً خارج الغرفة. ثم عادت وقالت وهي تمسك بهاتفها:
ـ تعالي أعلمك بقا إزاي تفتحي نت على التليفون علشان لمّا تشتري تليفون حديث تعرفي تبحثي عن اللي عايزاه. ـ أشتري تليفون إيه يا حسرة... ما انتي متعرفيش حاجة. قلتُ ذلك لنفسي، واستأذنتُ منها وانصرفت. في الحقيقة قضيتُ معها ساعة لا تُنسى، وقررتُ بيني وبين نفسي أن أكرر زيارتي لها. في اليوم التالي ذهبتُ إلى المحاضرة، لم أجد حسام أو أحداً من شلته، فتذكرت حفلة عيد ميلاده. ـ أكيد طبعاً مشغول في التحضير للحفلة وشيرين معاه. ثم رحتُ
أحدث نفسي: ـ طيب وأنا مالي أصلاً؟! انتهت المحاضرة ولم تكن ثمة محاضرات أخرى في هذا اليوم، ولم يكن مزاجي رائقاً لدخول المكتبة. شعرتُ بالوحدة والاكتئاب، كانت الساعة لم تتجاوز الثانية عشرة ظهراً، فقررتُ العودة للبيت. في البيت كان ينتظرني طن من الأعمال التي كلفتني بها زوجة أبي، كانت تشاهد التليفزيون وأنا أصارع الأطباق في المطبخ. أنجزتُ ما أمرتني به بسرعة، وارتديتُ ملابسي. قالت زوجة أبي: ـ على فين إن شاء الله؟ قلتُ في خوف:
ـ رايحة عند صاحبتي. لماذا كذبتُ عليها؟ لا أعرف، لكنها المرة الأولى التي أكذب فيها على أحد، وكنتُ متيقنة أنها لن تكون الأخيرة. قالت ساخرة: ـ وكمان بقا عندك صحبات؟! قلتُ: ـ آه هي ساكنة هنا قريب... تعرفت عليها بالصدفة... مش هتأخر يا مرات أبويا. عرجتُ على بعض محلات الأحذية الرخيصة، وحين راق لي أحد الأحذية ولجتُ داخل المحل، فابتسم لي الرجل قائلاً: ـ تحت أمرك يا آنسة. أشرتُ له ناحية الحذاء، فجذبه ثم وضعه بين يديّ قائلاً:
ـ بـ 170 جنيه. ـ يا لهوي... أنا أصلاً مش معايا إلا 400 جنيه مصاريف الترم كله. قلتُ في تلعثم: ـ هو مينفعش بأقل من كده؟ لم يتنازل الرجل عن جنيه واحد، وأخذ يعدد مزايا الحذاء. فشكرته وانصرفت. ـ يا خسارة يا نورا... كان هيبقى تحفة على الطقم ده... وعلى الأقل أرتاح من الحذاء ده اللي قرب ينطق ويقولي ارحميني بقا. عدتُ أصبر نفسي بعبارات على غرار (مش مهم المنظر يابت المهم الجوهر)
. طبعاً هي عبارات نصبر بها أنفسنا نحن الفقراء، رغم أن المجتمع لا يعترف إلا بالمظهر. أخرجتُ من حقيبتي ورقة مدون فيها عنوان حسام. ـ بس أروح المكان ده إزاي ياربّي؟ ـ اسألي يا نورا... اللي يسأل ميمتش.
بعد عناء وأسئلة استطعتُ الوصول، كان يقطن في مكان راقٍ غير مزدحم. لم يكن شقة ولا بيتاً كما تخيلتُ، بل كانت فيلا، فيلا أنيقة تقبع وسط الأشجار التي يداعبها الهواء النظيف والنسيم المنعش، حديقة واسعة، حمام سباحة، أزهار، جراج للسيارات، أشياء لم أرها إلا في التليفزيون. ولجتُ إلى الصالة التي تنبعث منها الموسيقى ورأيت الشلة، ومناضد ومشروبات، شباب وفتيات، كل شيء حالم جميل، لكن انقبض قلبي حينما رأيت ملابس الفتيات لأني شعرتُ أن ملابسي وهندامي لا يتناسبان مع ما أراه لدرجة أنني فكرتُ في المغادرة قبل أن يشعر بي أحد.
كان حسام غارقاً في ضحكات متواصلة مع الشباب والبنات، لكن ما إن رآني حتى تركهم مسرعاً نحوي، مما جعل الجميع ينظرون إليّ، فشعرتُ بلذة وارتباك. قال حسام: ـ معقولة؟! ... لا بقا... دا أنا كل يوم هعمل عيد ميلاد. ـ يخرب عقلك... إيه اللي بتقوله ده.. هي ناقصة ارتباك يعني.. ما أنا مرتبكة لوحدي أصلاً. شكرته، ثم جلستُ على مقعد قريب، بعيداً عن جو الاختلاط والازدحام. ـ يا ترى اللي أنا بعمله ده صح ولا غلط؟ ... حلال ولا حرام؟
ـ لا مش وقته خالص يا نورا... مش وقت هواجس ونكد وعقد.. خليني أتفرج وأشوف الناس الأغنياء عايشين إزاي. أحضر لي حسام مشروباً وقال: ـ يا ترى فيه موسيقى معينة تحبي تسمعيها؟ قلتُ مسرعة: ـ لا لا... عادي. قال مبتسماً: ـ لا طبعاً مش عادي. قلتُ: ـ إزاي يعني؟ قال ناظراً في عينيّ: ـ عيد ميلادي النهارده مش عادي... دا أحلى عيد ميلاد عملته في حياتي... عارفه ليه؟ قلتُ في غباء: ـ ليه؟ أجاب:
ـ عشان نورا الجميلة جات بنفسها عشان تقولي كل سنة وانت طيب. كاد كوب العصير أن يسقط من يدي، وقلتُ وأنا أنهض في ربكة: ـ طيب أنا هستأذن. أمسك يدي وشدني لأجلس قائلاً: ـ خلاص يا ستي... انتي مش جميلة ولا قمر حتى... اقعدي بقا. قلتُ وأنا أجلس بعدما نزعتُ يدي من يده: ـ لو سمحت يا حسام أنا مش بحب الكلام ده. قال: ـ ومش بتحبيه ليه؟ أجبتُ: ـ متعودتش حد يقولي كده أصلاً... ومعرفش أرد أقول إيه. قال: ـ سيبى قلبك هو اللي يقول.
قلتُ في خجل وأنا أتحاشى النظر نحوه: ـ بص... روح شوف صحابك وأنا هقعد هنا أتفرج. بعد قليل دخل خادم يدفع منضدة أمامه عليها تورته مرتفعة هرمية الشكل حولها دائرة من الشموع، ثم تقدمت سيدة عرفتُ فيما بعد أنها والدة حسام، وأشعلت الشموع. ثم حضر رجل طويل القامة أصلع الرأس يرتدي بذلة أنيقة وصافح الذين يصطفون حول الشموع. شعرتُ بأنني رأيت هذا الرجل من قبل، لكن أين؟ لا أتذكر. أسرع حسام نحوي وقال: ـ بتعملي إيه؟ ...
يلا تعالي هنطفي الشموع. نهضتُ في حرج وسرتُ خلفه ووقفت في الدائرة، كان بجواري شريف الشاعر الذي قال: ـ عقبال عيد ميلادك يا نورا.
كانت الضوضاء تطغى على كل شيء، ثم أطفئت أنوار المصابيح فظهرت ظلالنا فوق التورته تتراقص، وبدأ الجميع في الغناء. كنتُ صامتة أنقل نظري بين وجوههم. وحين انتهت الأغنية أطفأ حسام الشموع، وعادت أضواء المصابيح فعادت الضوضاء معها. اقتربت والدة حسام منه وقبلته وقدمت له هدية، كذلك فعل الرجل الذي يرتدي بذلة ثم انصرف سريعاً. واقتربت شيرين من حسام وقبلته وقدمت له هدية، كانت ترتدي فستاناً قصيراً مكشوفاً من الأعلى. ثم سمعتُ
شريف الشاعر يقول: ـ سمع هسسسسس... اسمعوا القصيدة دي بمناسبة عيد الميلاد. قال أحمد: ـ يا عم احنا مش في ندوة... لو قلت بيت واحد هقتلك. قال شريف ضاحكاً بعدما حمل هرم التورته بين يديه: ـ طيب وحياة الصداقة لو مش هتسمعوا قصيدتي ولا واحد هيدوق التورته. صفق الجميع وهتفوا باسم شريف فبدأ ينشد القصيدة. كانت شيرين تنظر بعينين حالمتين نحو حسام، قابضة بيدها على يده. حينما أنهى الشاعر قصيدته صفق الجميع.
ثم انتبهتُ أنني الوحيدة هنا التي ترتدي الحجاب، في الحقيقة لم أكن أعرف ما عليّ فعله، لذلك كنتُ جامدة صامتة. ثم انطلقت موسيقى هادئة، واقترب كل شاب من فتاة وأحاطها بذراعه وبدأوا في الرقص على الأنغام الهادئة. كانت شيرين تضع يدها اليسرى على كتف حسام الأيمن، بينما يضع هو يده اليمنى أعلى خصرها.
انسللتُ خارجة من البهو المتسع، وهبطتُ إلى الحديقة متجهة للخارج. وما إن خطت قدميّ الشارع حتى شعرتُ بدمعة حارة تسقط من عيني، لم أكن أعرف لها سبباً لكنني جففتها بسرعة، وسرتُ أبحث عن سيارة أجرة. اكتشفتُ أن سيارات الأجرة تكون قليلة جداً في مثل هذه الأماكن الراقية، اكتشفتُ ذلك حينما رأيتُ أن كل السيارات التي تمرق أمامي سيارات ملاكي. وشعرتُ بالخوف. ـ هتروحي إزاي يا نورا؟ ... الشوارع هنا فاضية ومفيش حد تسأليه.
سرتُ للأمام على أمل أن أجد سيارة أجرة أو أجد من يدلني على أقرب موقف للسيارات. وفجأة رأيتُ سيارة أنيقة تقف بجواري، وسمعته يقول: ـ نورا... انتي مشيتي ليه؟ قلتُ وأنا أقاوم انهمار دموعي: ـ لا مفيش... أنا اتأخرت أصلاً. قال: ـ دا لسه يدوبك الحفلة هتبدأ... تعالي ارجعي كملي معانا الحفلة. قلتُ: ـ لا شكراً... أهلي هيقلقوا عليا. ثم قلتُ في سري: ـ قال يعني عندي أهل ممكن يقلقوا عليا بجد...
دا أنا مرات أبويا بتسألني رايحة فين وجاية منين علشان نفسها تمسك عليا غلطة تخلي أبويا يمنعني من التعليم. قال وهو يفتح لي باب السيارة: ـ طيب اركبي أوصلك. قلتُ مسرعة: ـ أركب إيه؟ ... لا مش هينفع. قال في إصرار: ـ أنا اللي مش هينفع أسيبك تروحي لوحدك. انطلقت بنا السيارة وهذا آخر ما كنتُ أتوقعه في حياتي، أن أركب سيارة مع شاب ليس بزوجي. قال حسام: ـ يعني ينفع كده كنتي عايزة تمشي من غير كل سنة وانت طيب. قلتُ وأنا
أضغط على أصابعي من التوتر: ـ بصراحة أنا كنت محرجة. قال متعجباً: ـ محرجة؟! ... محرجة من إيه؟ أجبتُ: ـ محرجة إني مجبتش هدية زيهم. قال وهو يختلس النظر إليّ: ـ حضورك النهارده كان أحلى هدية. احمرّ وجهي وضغطتُ على أصابعي أكثر ولم أرد، فقال: ـ بس انتي ليه كنتي قاعدة لوحدك ومش مندمجة معانا؟ هي الحفلة معجبتكيش؟ قلتُ: ـ لا أبداً... بس أنا مش متعودة... وكمان مكنتش عارفة المفروض أعمل إيه. قال مبتسماً:
ـ ما أنا قلتلك اعملي اللي قلبك يقولك عليه... يعني أنا مثلاً قلبي كان بيقولي إني أرقص معاكي. قلتُ مسرعة: ـ لا لا أرقص إيه! ... أنا مقدرش... ومعرفش أعمل كده أصلاً... بس فيه كتير غيري يعرفوا. قال: ـ آه... قالها طويلة ممدودة لكن قالها مبتسماً سعيداً.
نزلتُ بعيداً عن الحارة قبل الشارع الرئيسي، وشعرتُ أنني في حاجة للمرور على مكة. صعدتُ الطابق الثالث، فتحتْ لي والدتها الباب ورحبت بي بوجهها المريح المضيء. حينما دخلتُ وجدتُ مكة تجلس وبجوارها ثلاث فتيات لم يتجاوزن العاشرة، تمسك كل منهن بمصحف وكانت مكة تحفظهن القرآن. شعرتُ بوخزة في قلبي، وعاد الرجلان اللذان يقبعان بداخلي يتشاجران. رحبتْ بي مكة، وحينما انتهت مع الفتيات وانصرفن وجدتُ نفسي أنفجر في البكاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!