بعد عودتي من حفل عيد ميلاد حسام عرجت على بيت مكة، وانفجرتُ أمامها بالبكاء، كنتُ في حاجة لأن تدمع عيناي، لأنني شعرتُ بالراحة بعد البكاء. أصابها الفزع وطلبتْ مني أن أتحدث، لم أخبرها بشيء، فلم أكن أعرف سببا واضحا لبكائي. عدتُ إلى البيت وكان أبي قد عاد، وما إن رأتني زوجة أبي حتى انطلق لسانها ينفث سمومه في وجهي: ـ كنتي فين يا ست هانم كل ده؟ لم ينطق أبي بشي، ولم أكن أتوقع منه تدخلا، فقلتُ:
ـ ما أنا قلتلك إني نازلة أذاكر عند صاحبتي. كانتْ مثل بالون انفجر: ـ ما تتنيلى تذاكري هنا... انتي مش عارفه إن وراكي شغل تخلصيه وتذاكري لوفاء. قلتُ في غيظ: ـ بس أنا عملت كل اللي طلبتيه مني قبل ما أنزل يا مرات أبويا. قالتْ بوجهٍ محمر وعينين تشعان نارًا: ـ طيب يلا غورى حضّري الأكل. كنتُ مازلتُ بملابس الخروج، وتوجهتُ إلى المطبخ وسمعتُ أبي يقول: ـ على مهلك يا سعاد على البنت. سمعتها تقول بصوتٍ مزعج: ـ أنت تسكت خالص...
دا بدل ما تشكرني إني خايفة عليها وبسألها راحت فين وتأخرت ليه... ولو هي تربت على الدلع أنا هعرف أربيها كويس. حدثتُ نفسي ساخرة وأنا أجهز الطعام: ـ أنا تربيت على الدلع... فين الدلع ده... أنا اللي طول عمري محرومة من كلمة حلوة... ولا حسيت في يوم إن حد خايف عليا. ثم تذكرتُ عم حسين، وتذكرتُ حسام، وما حدث في الحفل، كيفَ تجرأتْ شيرين وقبّلته دون حياء أمام الجميع، وبدأتُ أعقد في عقلي مقارنة بيني وبينها.
هي بنت العز الدلوعة الناعمة الشقراء ذات الشعر الأصفر والعيون الخضراء، لا مجال طبعًا للمقارنة طالما شعرها أصفر: ـ مقارنة إيه يا نورا... اسكتي خليكي في خيبتك. ـ طيب وإيه المانع أحط مكياج زيها وأعمل زي ما هي بتعمل لحسام وألبس زيها. ـ ألبس إيه بس؟! ... هو أنا قادرة أغيّر الحذاء ده... اسكتي يا نورا وعيشي عيشتك. ـ عيشي عيشتك... مين قالها لي قبل كده... آه... عم حسين.
في اليوم التالي ذهبتُ إلى الجامعة وكنتُ متوقعة ما سيحدث، قطعًا سيراني حسام وسيأتي ليتحدث معي، لكن كان اليوم مملا على عكس توقعي. حسام لم يحضر، واليوم مزدحم بالمحاضرات، كنتُ ساهية شاردة أحضر المحاضرات بجسدي دون عقلي، وكان قلبي يبحث عن حسام، لماذا لم يحضر؟ لابد أنه على الكافتيريا، كنتُ بالقرب من الكافتيريا أبحث عنه بعينيّ، ثم جلستُ على أحد المقاعد في ركن مواجه للكافتيريا.
ظللتُ أترقب وأراقب حضوره لمدة عشرين دقيقة، ثم قررتُ المغادرة، وما إن هممتُ بالانصراف حتى رأيتُ شريف الشاعر يسير أمامي. ابتسم حين رآني وقال: ـ أزيك يا آنسة نورا. ـ الحمد لله كويسة. هل أسأله عن حسام؟ ترددتُ وتراجعت، وسألتُ نفسي، لماذا لا يصيبني الارتباك حينما حدثني شريف، بينما يحدث ذلك حينما أرى حسام؟ أخرجتُ هاتفي، وبدأتُ أقلّب في سجل الأسماء والرسائل، لا مكالمات، لا رسائل: ـ وانتي مين أصلًا يعرفك علشان يتصل بيكي...
حتى عم حسين لما بيكلمك بيكلمك من تليفون البقال. ثم وقع نظري على رقم مسجل باسم حسام عبد المجيد، ارتعشتْ أنامي واهتزّ كياني حين رأيتُ اسمه، وقبل أن أضغط على زر الاتصال تراجعتُ: ـ طيب هتصل بيه ليه؟ ...... وهقوله إيه أصلًا؟ ـ عادي يا بت نورا... اتصلي بيه واسألي عنه... مش هو زميلك. هممتُ أن أضغط على زر الاتصال مرة أخرى، ثم وجدتُ أنامي ترتعش وريقي يجف، فتراجعت. ـ إيه اللي بتعمليه ده يا نورا؟!
.. اتصل إيه وزميلي إيه.. مش كفاية تعلمتي الكذب... ومكتبتيش ولا صفحة في البحث. ـ أنا لازم متكلمش مع حسام ده تاني. ثم ابتسمتُ حينما تذكرته يقول: ـ سيبى قلبك هو اللي يتكلم. في اليوم التالي لم يحدث جديد، لم يحضرْ حسام ولم أرَ أحدًا من شلته، قابلتُ مكة في المحاضرة، وبعد انتهاء المحاضرة سألتني عن حالي وقالتْ: ـ ما تيجي تحضري معايا ندوة... كده كده مفيش محاضرات تاني النهارده. قلتُ مستفسرة: ـ ندوة إيه؟! ...
أنا عمري ما حضرت ندوة أصلًا. قالتْ: ـ ندوة النهارده عن إزاي تنظمي وقتك ما بين المذاكرة وحفظ القرآن وممارسة هواياتك. علمتُ منها أنها تشارك في تنظيم تلك الندوات مع بعض الفتيات تحت إشراف بعض الأساتذة ورؤساء الأقسام بالكلية، نظرتُ في هاتفي وأنا أقول: ـ طيب هي الندوة أمتي وفين؟ قالتْ وهى تهم بالانصراف: ـ بعد نص ساعة في مدرج تربية. وعدتها بالحضور.
اطمأننتُ على أن الميزانية تسمح بالجلوس على الكافتيريا، فتوجهتُ مسرعة وجلستُ على أحد المقاعد، وطلبتُ من النادل مشروب فراولة وابتسمتُ لأنه هو المشروب المفضل لدى حسام. أخرجتُ هاتفي، كانتْ يدي ترتعش وقلبي يتراقص اضطرابا وأنا أضغط على زر الاتصال، بعد قليل سمعته يقول: ـ الو... مين؟ قلتُ في ارتباك وبصوتٍ منخفضٍ كأن أحدًا يراقبني: ـ نورا. جاء صوته واهنًا ضعيفًا وهو يقول: ـ كده متسأليش عليا؟ قلتُ مسرعة: ـ مالك؟ ....
أنتَ تعبان؟ أجاب بنفس الصوت الواهن: ـ أنا في المستشفى. قلتُ في فزع: ـ بعد الشر عليك... أقصد مالك... قصدي مستشفى إيه... قولي أجي المستشفى إزاي؟ بعد أقل من ساعة كنتُ أمام مستشفى الشفاء الخاصة، وفى إحدى الغرف رأيته ممددًا على أحد الأسرّة، وعلى يمينه نافذة تطل على أشجار، وأمامه تليفزيون وبجواره زجاجات مياه وعصائر وبعض الأدوية، وعلى يسار التليفزيون دولاب صغير أنيق. قلتُ في نفسي: ـ مستشفى دي ولا فندق...
اومال المستشفى اللي ماتت فيها أمي مكنتش زي دي ليه؟ وتركتُ هذه الأسئلة الوجودية التي لا محل لها من الإعراب، وجلستُ على مقعد ملون على يسار حسام الذي كان وحيدًا في الغرفة. وقلتُ: ـ مالك؟ .... سلامتك. قال في وهنٍ واضح وهو يتحسس بطنه: ـ أهو أنا دلوقتي مش خايف من أوضة العمليات. قلتُ في لهفة: ـ يا لهوي... عمليات؟ دخلتْ والدته وأنا أقول كلمتي الأخيرة ورحبتْ بي وقالتْ: ـ من ساعة الحفلة وهو تعبان وكان رافض يروح لدكتور...
وكلمت الدكتور من وراه وخليته جه البيت وحوّله هنا. قلتُ في ارتباك: ـ طيب عملية إيه؟ قالتْ والدته وهى تخرج: ـ عملية الزايدة... ثم نظرتْ نحو حسام وقالتْ: ـ هشوف الدكتور هيدخلك العمليات الساعة كام وارجعلك. مال حسام نحوي في بطءٍ وضعفٍ وقال: ـ إنتي تخضيتي عليا. ضغطتُ على أصابع يدي بيدي الأخرى ونظرتُ للأرض، وسمعتُ صوت من يدخل الحجرة.
دخل شريف الشاعر من خلفه أحمد وشيرين التي أسرعتْ نحو حسام وجلستْ بجواره من الناحية اليمنى ووضعتْ يدها على جبهته وقالتْ: ـ متخفش يا حسام... هتخف. قال أحمد في مكر: ـ عارفه يا آنسة... أنا حاسس إنه خف لما شافك. نظر حسام نحوه نظرة نارية رغم ألمه، فقالتْ شيرين: ـ هو كويس وهيبقى أحسن بعد العملية. قال حسام موجها نظراته نحوي: ـ روحي إنتي يا نورا... علشان متتأخريش. قلتُ في ارتباكٍ واضح: ـ هستنى شوية.
هنا دخلتْ والدة حسام التي قالتْ: ـ الدكتور هيأجل العملية لبكرة 6 الصبح. وجلستْ معنا وتبادلوا أطراف الحديث، كانتْ شيرين تميل نحو حسام وتقدم له مشروبات تارة وتتأمل بعض الأدوية تارة، فكان أحمد يعلّق قائلا: ـ متخافيش يا شيري... عمر الشقي بقى... هيقوم ويتنطط زي القرد. ضحك الجميع وقال شريف: ـ أنت بس موت وأنا هكتب فيك قصيدة رثاء إنما إيه. ابتسم حسام وقامتْ شيرين بإلقاء علبة عصير على شريف وهى تقول:
ـ إن شاء الله أنتَ يا بعيد... ثم عادتْ نحو حسام بنظرها وقالتْ: ـ بعد الشر. نهضتُ طالبة الاستئذان، فقال حسام: ـ ابقي تعالى بكرة يا نورا اطمّني عليا. قلتُ بوجهٍ متورد من الخجل وبصوت غير متزن: ـ حاضر. وأنا عائدة إلى البيت قررتُ زيارة مكة للاطمئنان عليها ولأعتذر لها عن عدم حضوري الندوة، طرقتُ الباب فرحبتْ بي والدتها كعادتها، والتي وجدتها تجلس في الصالة مع سيدة وشاب، ولمّا رأتْ الخجل على وجهي قالتْ
وهى تشير ناحية غرفة مكة: ـ تفضلي يانورا... مكة في أوضتها. هذا الشاب رأيته من قبل، أين؟ لا أتذكر، لكن يبدو مألوفًا لدي، وفى حجرة مكة سألتها: ـ أنا جيت في وقت مش مناسب... هو انتو عندكم ضيوف. قالتْ مكة: ـ دا معتز... هو ووالدته بييجوا يطمنوا علينا كل فترة. هنا بدأتُ أتذكر، فقلتُ مسرعة: ـ مش دا الميكانيكي اللي تحت؟ قال: ـ آه هو. قلتُ: ـ بس متغير شوية. قالتْ مستفسرة: ـ إزاي؟ قلتُ:
ـ أصل أنا شفته في المحل هدومه متبهدلة.. ودلوقتي لابس كده زي العريس... دا أنا قلتُ جاي يخطبك. ضحكتْ ثم قالتْ: ـ هو أي حد جاي لابس ومتشييك يبقى جاي يخطبني... هم عرفوا إن ماما كانت تعبانة شوية فجم يطمنوا.... وبعدين هو متعلم تعليم عالي... هو إمام المسجد القريب وباشمهندس أساسًا. قلتُ في غباء: ـ مهندس؟ وشغال ميكانيكي! وإمام مسجد؟ إيه الكوكتيل ده؟ قالتْ وهى تفتح جهاز الكمبيوتر: ـ كنت صغيرة لما جم هو وأهله سكنوا عندنا...
وباباه مات فجأة وهو أخد المحل اللي تحت و............. ثم صمتتْ قليلا وقالتْ: ـ وبعدين إنتي بتوهيني في الكلام... كنتي فين ساعة الندوة؟ قلتُ شاردة: ـ بصراحة جالي مشوار مهم... وعلشان كده جايه اعتذرلك. قالتْ: ـ مشوار إيه بقا؟ ... اللي أعرفه إنك متعرفيش حد هنا. قلتُ: ـ مشوار وخلاص يا مكة... إنتي هتعملي فيها مرات أبويا. قالتْ وهى تنهض: ـ لا يا شابة... لا مرات أبوكي ولا خالتك... استني أعملك شاي وجايه. قلتُ وأنا أنهض:
ـ لا لا... أنا اطمنت عليكي خلاص... هروح. في اليوم التالي صباحًا لم أذهبْ إلى الجامعة بل توجهتُ مسرعة المستشفى، كان حسام قد خرج من حجرة العمليات وكان مازال تحت تأثير المخدر، ووجدتُ حوله الشلة المعتادة، كانوا يتبادلون أطراف الحديث، وكانتْ شيرين تجلس بجواره من الناحية اليمنى على طرف السرير وتمدّ ساقيها على مقعد أمامها.
وحين رأتني سددتْ نحوي نظرات نارية في استعلاء ونهضتْ ودارتْ في الغرفة وحركتْ ستائر النافذة، كنتُ قد جلستُ ونسيتُ إخفاء الجزء المقطوع من حذائي الأيسر، فلاحتْ نظرة ساخرة منها على حذائي، فغيرتُ من جلستي، وسحبتُ حذائي ليغطى الجزء الممزق. شعرتُ وقتها بالاختناق ولمتُ نفسي على المجيء، وأخرجني من هذا الموقف حركة حسام الذي بدأ يتحرك فاتحًا عينيه، فأسرعتْ نحوه شيرين وأمسكت بيده في فرح قائلة: ـ حمد الله على السلامة.
نظر إلينا جميعًا وهو يحاول أن يجمع شتات ذهنه وقال بصوتٍ واهن: ـ الله يسلمك. نهض شريف الشاعر بعدما أخرج من جيب بنطاله ورقة وقال: سلامتك سلامتك يا حســـام الدكتور قال بلاش كــــــــلام احنا جينا بس نقولك ســــلام ونسيبك ترتاح وتنـــــــــــام وهنا قاطعه أحمد قائلا: ـ اهمد بقا يا عم الشاعر... شعرك ده أصعب عليه من العملية نفسها. ضحكوا جميعًا وابتسم حسام في ضعفٍ وقال: ـ أنا ارحملي أرجع أوضة العمليات ولا أسمع شعرك.
قالها ثم نظر نحوي كأنه ينتظر مني أن أقول شيئًا، لكنى لم أتكلمْ، كنتُ أضغط على أصابع يدي بيدي الأخرى وخشيتُ أن أقول له سلامتك فيتهمونني بقلة الحياء، لذلك ظللتُ صامتة. بادرني حسام قائلا: ـ ازيك يا نورا. قلتُ في خجل: ـ كويسة... سلامتك. هنا دخلتْ والدة حسام وقالتْ: ـ الدكتور هيعدّي عليك كمان شوية يطمن على الجرح ويكتبلنا على خروج. ثم نظرتْ نحونا وأضافتْ: ـ اجهزوا يا عيال. قمتُ لأستأذن، فقال حسام مسرعًا:
ـ تعالى معانا يا نورا. فقلتُ: ـ لا لا... أنا هروح. فقالتْ والدته: ـ ما تروحي معانا يا بنتي تطمني عليه وتتغدي معانا وبعدين تروحي. شكرتها وغادرت. وصلتُ البيت وكان أبي مازال بالخارج، وحين شعرتْ سعاد بدخولي فتحتْ باب حجرتي وقالتْ: ـ جيتي بدري يعني النهارده! قلتُ: ـ آه مكنش عندنا إلا محاضرة واحدة. قالتْ وهى تمصمص شفتيها وتنظر نحوي بسخرية: ـ طيب شوفى المطبخ عبال ما أجيب وفاء من المدرسة. قالتْها ثم انصرفت.
أديتُ صلاة الظهر ورحتُ أدعو الله أن يهديني إلى طريق الصواب، ثم سمعتُ من يطرق الباب: ـ افتح يا قاسم. كان صوت رجل، فتحتُ الباب فرأيتُ الرجل الذي أتى بالأسماك من قبل، لم يتحدثْ، وضع اللفافة بين يدي مبتسمًا وغادر. للحظة بدأتُ أسترجع يوم حفلة عيد ميلاد حسام، نفس النظرة التي كان ينظر بها الرجل إلى (التورتة)
حين كانتْ تتراقص ظلالنا، الرجل الأنيق الأصلع الذي كان يرتدي بذلة أنيقة، لكن الرجل الذي أعطاني الأسماك ليس أصلع، شعره بني اللون وشاربه أسود عريض. يالهواجسي! ـ إنتي خلاص اتجننتي يا نورا... إيش جاب لجاب.. الراجل اللي شفته في الحفلة غني وشيك وابن ذوات... لكن ده غلبان و...... ـ بس بينهم حاجة مشتركة يا نورا... هي إيه؟ هي إيه؟ ... آه العيون.
إن المرء يستطيع أن يتنكر في أي صورة أرادها ويغيّر ملامحه وشعره وأنفه وكل شيء، إلا شيئًا واحد سيظل كما هو دون تغيير، العيون. تجاهلتُ هذا الاستنتاج وليتني ما تجاهلته، لأنه سيكون سر مصائبي في أيامي القادمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!