مرت أيام كئيبة على وتيرة واحدة، كان حسام فيها قد ترك المستشفى ولم يحضر للجامعة. ورغم الازدحام والضوضاء، لكنني شعرتُ أنني وحيدة. شعرتُ أن حياتي كانت راكدة، وفي حاجة لأن يُلقى أحدهم حجراً في مياهي الراكدة. كنتُ أبدد الوقت ما بين المحاضرات وكتابة البحث، وأحياناً كنت أزور مكة. في كل ليلة كنتُ أنتظر اتصالاً من حسام أو حتى رسالة، وهو الشيء الذي لم يحدث. وكلما عزمتُ على مهاتفته، كان الشيء القابع بداخلي يتحرك ويحذرني من المعصية، بينما شيء آخر يشدني أن أفعل. حين أخلو بنفسي وأبدأ في المذاكرة، أتذكر كل ما مرّ بي من أحداث، فكنتُ أكفُّ عن المذاكرة وتأخذني الخواطر.
ذات ليلة، بعد أن صليتُ العشاء وفتحتُ كتابي لأذاكر، سمعتُ هاتفي يرن. لم يكن اتصالاً، كانت رسالة. كلمة واحدة قصيرة موجزة، لكنها كانت كفيلة بأن تريحني وتهون عليّ غيابه هذه الأيام: "وحشتيني." وبدأتُ أفكر كيف أرد على رسالته، وماذا أقول. ثم كتبتُ كلمة واحدة: "شكراً." وضغطتُ زر الإرسال. كانت تعصف بقلبي أحاسيس شتى ما بين الخوف واللوم وشيء آخر لا أعرف اسمه ولا معناه. ونمتُ نوماً عميقاً تلونه أحلام وأمنيات.
في اليوم التالي، كنتُ في الجامعة. بدأت المحاضرة، انتهتْ. قمتُ بتقديم البحث. بدأتْ محاضرة أخرى. استمعتُ لأستاذ المادة بجسدي فقط كعادتي. كنتُ شاردة ساهمة أفكر في أشياء تسحر العقول وتسكر النفوس. كنتُ أفكر في تلك الأحاسيس التي تعتريني حينما أتذكر اسمه، حتى انتهتْ المحاضرة. خرجتُ متوجهة إلى أحد المقاعد وجلست. لم يدمْ جلوسي طويلاً لأنني سمعتُ هاتفي يرن، وكان المتصل حسام: "نورا... ازيك." قلتُ بشفتين مرتعشتين: "الحمد لله...
وأنت؟ قال مسرعاً: "اقفي قدام باب الجامعة... بوابة (ص) . هتلاقي عربية مستنياكي." قلتُ في عدم فهم: "عربية إيه؟ أجاب: "عايز أشوفك... لمّا طال صمتي، أردف: "متخافيش... أنا بعت السواق بالعربية... هيجيبك لحد الفيلا." ثم أغلق الخط.
كنتُ أرتعش ودقات قلبي تتلاحق. وفى داخلي ذلك الشيء الذي يمنعني، لكنني توجهتُ إلى باب الجامعة كالمسحورة كعادتي. توقفتْ سيارة أنيقة وأشار لي سائقها أن أركب. وكان رجلاً متقدماً في السن أشيب الرأس. وبعد ساعة توقفتْ السيارة بداخل الفيلا. صعدتُ إلى الطابق الثاني. وتركني السائق. حينما رأتني والدة حسام، رحبتْ بي وأمرتْ خادماً بإحضار العصير. ثم جاء حسام وكان في صحة جيدة. جلس على الأريكة بجواري. فقلتُ مرتبكة: "أومال فين الشلة؟
أجاب: "أكيد هييجوا كمان شوية... بس بصراحة أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا." قلتُ وأنا أنظر في أصابع يدي المضطربة: "لوحدنا إزاي يعني؟ قال وهو يقترب مني: "هو لحد دلوقتي قلبك قالكِيش حاجة." قلتُ وقد شعرتُ بسخونة تلهب وجنتيّ: "انت... انت... آآه انت خفيت أهو... كويس." مدّ يده ووضعها على يدي المرتعشة وضغط عليها برقة وحنان وقال: "ياااه... دا انتي خايفة أوي." نزعتُ يدي من يده وقلتُ: "لو سمحت يا حسام... أنا مبحبش كده." قال
في ثقة بعد أن مال نحوي: "كده إزاي يعني؟ قلتُ وأنا أمدّ ثوبي ناحية الحذاء الممزق: "مينفعش أصلاً تلمسني كده... مش كده يبقى حرام؟ قال: "حرام؟! .... انتي عايشة في سنة كام؟ قلتُ في ارتباك: "لو سمحت يا حسام متتنكش عليا." قال بعد أن ثبت نظره في عينيّ: "أنا مش قصدي... بس قصدي مين اللي قالك الحب حرام؟ قلتُ في نبرة مهتزة: "حب إزاي يعني؟ قال بلهجة واثقة: "أيوه احنا بنحب بعض يا نورا." ارتبكتُ أكثر وتلاحقتْ أنفاسي واهتزتْ
أنامي وأنا أقول: "لا لا... إيه ده؟ ... أنا مش بحب حد أصلاً." قال وقد وضع يده على يدي مرة أخرى: "لأ انتي بتحبيني.... خايفة ليه تقولي... ما تسيبى قلبي هو اللي يتكلم ويقول إنك بتحبيني." كان الرجلان اللذان بداخلي في ذروة الصراع. أحدهما يشدني نحو خوفي وخجلي، والآخر يشدّني نحو تصديق ما يحدث في قصص الحب وأفلام الغرام. أفقْتُ من سكرتي وأنا أنزع يدي من يده. لم أتكلم فتراجع هو في جلسته وقال:
"انتي هتفضلي لأمتى تخبي اللي جواكي... أنتي لو قادرة تخبي أنا مش هقدر أخبي أكتر من كده... أنا بحبك... بحبك من ساعة ما شفتك أول مرة في المحاضرة.... حبيت فيكي كسوفك وأخلاقك وشخصيتك الجميلة اللي زي قلبك... حبيت عنيكي دي اللي مش بتفارقني أبداً.... حتى كلمة أصلاً حبيتها عشانك." شعرتُ بأن الزمن قد توقف، وكل شيء حولي صار جامداً ثابتاً لا يتحرك إلا دموعي التي تدفقتْ تهطل كالمطر. ونهضتُ فشعرتُ بدوار يأكل رأسي وقلتُ:
"أنا همشي." كنتُ في سكرة وأنا أنصرف، لذلك لم أكن أعلم ماذا يقول، لكنى أعتقد أنه كان يريدني أن أبقى. وسمعته بوضوح ينادي على السائق. حين خرجتُ من باب الفيلا كان يتبعني السائق بسيارته، وأوصلني إلى باب الجامعة. ثم سرتُ على قدمي إلى محطة الزهور وركبت سيارة ووصلتُ الشقة.
حينما طلبتْ مني زوجة أبي أن أقوم بأعمال المطبخ، لم أتذمر أو أغضب. أسرعتُ وأخرجتُ كل تلك الأحاسيس في غسل الأطباق وتجهيز الطعام. وتعجبتُ حين حضر أبي مبكراً من العمل وقد أحضر معه فواكه وبخور على غير عادته. وتناولنا الغداء. وقبل أن أنهض قال أبي: "حضري نفسك يا نورا عشان... ظننته سيخبرني أنه سيزور حماته المريضة ويريدني أن أذهب معه. لكن حاجبيّ ارتفعا تعجباً حين سمعته يقول: "الليلة فيه عريس جاي يطلب إيدك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!