عاد معتز من الخارج، فأسرعتُ نحوه بالورقة المرسومة، فتلألأ وجهه كأنه عثر على كنز، وسألني في لهفة إذا ما كنتُ متأكدة من أن الذي رسمته هو نفس الرجل الذي رأيته يقتل والده، فأجبته موافقة، ومن فوره دون أن يبدّل ملابسه أو يستريح غادر الشقة، ففهمتُ أنه ذاهب إلى صديقه عادل. وبعد مغادرته بقليل حضرتْ مكة لتطمأن على حالتي، فاستأذنتُ من والدة معتز ودلفنا إلى غرفتي. قالتْ مكة: ـ ها... عاملة إيه دلوقتي؟ أجبتُ: ـ الحمد لله كويسة.
قالتْ وهي تغمز بإحدى عينيها: ـ يعني أقول مبروك؟ كنتُ غير متوقعة أن تسألني هذا السؤال، لكنني أجبتُ مسرعة: ـ لا طبعًا. قالتْ في تنهيدة: ـ ليه تاني؟ ... الراجل قايد ليكِ صوابعه شمع... أنا ملاحظة كده. قلتُ في شرود وأسى: ـ عارفة يا مكة... معتز واحد محترم أوي وأخلاقه عالية أوي... ومنكرش إن اللي هتتجوزه هتبقى محظوظة بالحب والعطف... بس المشكلة إني بحس مع حسام إحساس تاني خالص. قالتْ في غيظ وضجر:
ـ هو انتي لازم تخسري كل حاجة علشان تتعلمي الدرس... لازم تحطي إيدك في النار علشان تتعلمي إن النار بتلسع... تملي قلبك بالأوهام والحرام وعاوزة الحلال يدخل إزاي... فرّغي قلبك من الحرام علشان الحلال يدخل... استحالة يجتمعوا مع بعض. ثم صمتتْ حينما رأتْ بوادر دموع في عينيّ. فقالتْ في لهجة رقيقة واعتذار: ـ أنا آسفة يا نورا... يظهر إني تعصبت شوية... بس يا ولية افهمي... أنا مش ضد مشاعرك وأحاسيسك الجميلة دي بالعكس...
دي حاجة كويسة إنك تحبي وتطلعي المشاعر دي كلها... بس طلعيها في الطريق الصح... عارفة لو حسام جه وطلب إيدك... كنت أول واحدة هفرحلك وهشجعك... بس حسام ده واحد مدلل يحب يشتري كل حاجة بفلوسه... يحب يمتلك كل حاجة ومش مهم بقا في الحلال ولا الحرام... وكان مفكر إنه ممكن يتشريكي بالهدايا والفلوس... ولولا ربنا نجاكي كان زمانك بتبوسي رجله دلوقتي علشان يجوزك زي ما...
ثم صمتتْ ولم تُكمل كأنها استدركتْ شيئًا أو كأنها تريد أن تخفي عنّي أمرًا. فقلتُ في شرود: ـ بس حاسة إنه بيحبني. قالتْ وهي تتميز غيظًا: ـ لا يا ختي مش بيحبك... والنوع ده مش بتاع حب ولا جواز... وبصي من الآخر كده علشان انتي من النوع اللي لازم يتصدم علشان يفوق... اللي حسام كان عاوز يعمله معاكي عمله مع شيرين. انتفضتُ في ذعر وأنا غير مستوعبة ما تقول، وقلتُ في توتر: ـ إزاي يعني؟ أجابتْ في نفاذ صبر: ـ شيرين حامل يا هانم...
ها... حلوة اللسعة دي ولا لسه مش ناوية تفوقي. قلتُ في ذهول وعدم استيعاب: ـ حامل؟! ... إزاي... عرفتي إزاي؟ أجابتْ: ـ أنا مشتركة في معسكر الكلية الصيفي... وكل البنات بيتكلموا عن الموضوع ده... وشفت شيرين مرة واحدة بس في المعسكر... بقيت واحدة تانية... غير شيرين اللي تعرفيها... العيون الخضرا بقيت دبلانة والوش الأشقر اللي كان مليان حيوية بقي حزين وتايه... نفسيتها اللي كانتْ شامخة ومتكبرة بقيت ضايعة منكسرة...
شفتي بقا البنت لما تخسر الحاجة دي بتبقى إيه... بتخسر نفسها... حتى لو كانتْ شيرين بنت الذوات... يعني فلوسها وبرستيجها وفلوس أبوها مش هيعوضوها عن الحاجة دي... لأن فيه حاجات أغلى بكتير من الفلوس. قلتُ في غباء وجهل وعبط: ـ وهو كده مش هيجوزها بعد اللي عمله؟ قالتْ وهي تتحس كتفها الأيمن: ـ متعرفيش علامة الشلل الرباعي بتبدأ من هنا ولا من الكتف الشمال. ابتسمتُ ابتسامة شاحبة وسمعتها تُكمل: ـ ياستي هنعتبر إنه هيجوزها...
هتفضل طول عمرها في نظرة واحدة رخيصة فرّطت في نفسها... حياتهم هتكون كلها شك ونكد ومشاكل... ومش هي دي الطريقة اللي نبني بيها بيوتنا. هنا تذكرتُ حياة أمي مع أبي، أمي سلّمتْ نفسها له باسم الحب، فحملتْ في أحشائها جنينًا، وأراد أبي التخلي عنها والهرب، ورغم أنه تزوجها لكنه لم يكن زواجًا سعيدًا، كان زواجًا مليئًا بالشك والنكد والمشاكل، زواجًا نتج عنه مخلوق مشوه مهزوز فاقد الثقة مشتت الذهن، هذا المخلوق هو أنا. قلتُ
ودموعي تسقط: ـ مكة... إزاي أعرف إني كرهت حسام؟ أجابتْ في تلطف: ـ لما تفتكريه أو تسمعي اسمه من غير ما قلبك يدق دقات الولع والهيام... ساعتها اعرفي إنك نسيتيه.
مرّ شهر كامل وأنا أعيش مع معتز ووالدته، كانتْ من أجمل فترات حياتي، لم ينقصني فيها إلا عم حسين، فكم تمنيتُ أن يعيش بالقاهرة معنا، لأول مرة في حياتي أشعر بهذا الدفء الأسري والصحبة الآدمية وونس النهار، فكان معتز يتفنن في إرضائي، كما حرص أن يظل طوال النهار خارج الشقة، حتى أظل في كامل حريتي، وقد اعتدتُ تلك الحياة وأحببتها.
ففي كل صباح كان معتز يُعد الفطور لي ولوالدته، ثم يوقظنا، فنتناول إفطارنا، ثم ينزل إلى المحل ويتركني مع والدته التي سمحت لي بعد محاولات وإصرار دائم أن أساعدها في أعمال البيت والمطبخ، وبعد الظهيرة يصعد معتز ليتناول معنا الغداء ويطمئن علينا، ثم يعود للعمل، ليعود آخر المساء وحينما علم أنني أحب نوعًا معينًا من الشيكولاتة حرص أشد الحرص أن يحضره كل ليلة وهو عائد من المحل، كنا نتناول العشاء، ثم نحكي ونثرثر ونتبادل أطراف الحديث في أمور شتى ثم يذهب للنوم، هكذا مرت الأيام تتخللها زيارات مكة ووالدتها بشكل شبه أسبوعي حتى بدأت الدراسة.
بدأ العام الدراسي الجديد وكنتُ في ضيق لأن عم حسين لم يحضر لي بالمال، فأنا مقبلة على دفع تكاليف الكتب الدراسية وتجديد الكارنيه، وفى حاجة للأموال اللازمة للمواصلات اليومية. ذهبتُ إلى الجامعة في أول يوم من العام الجامعي الثاني، ولم يكن معي سوى ثلاث عشرة جنيها، وبدأتُ أحسب، ست جنيهات ذهابًا إلى محطة الزهور، ثم أسير على الأقدام حتى الجامعة وأعود بنفس الطريقة، إذن ستة جنيهات إضافية، النتيجة: يتبقى معي جنيها واحد، لا بأس.
سأذهب إلى الجامعة وسأنتظر مجيء عم حسين بالمال، وإن تأخر سوف أبيع الهاتف المحمول الذي أهداني إياه حسام من قبل. وحينما ذهبتُ إلى الجامعة وسألتُ عن أسعار الكتب الدراسية في المكتبات، وجدت أنه تم حجز جميع الكتب الدراسية، هنا علمتُ أن معتز هو الذي فعل ذلك، نعم تأكدتُ من ذلك، لأنني حينما عدتُ آخر اليوم وجدته يمدّ لي يده بمبلغ كبير من المال ثم قال لي:
ـ أنا حجزت لك كل الكتب الدراسية، ودي فلوس علشان تطلعي الكارنيه وعلشان المواصلات وتشترى هدوم جديدة... وفي أي وقت تحتاجي فيه فلوس اوعي تترددي. ـ لا لا... أنا معايا فلوس أصلاً... وفلوس كتير كمان. هكذا قلتُ كاذبة، لكنه ابتسم وهو يضع المال في يدي ويقول: ـ لا لا عيب لما الست تقول لجوزها لا. كان الخجل بادياً على وجنتيّ ورعشة أناملي، لكنني تشجعتُ وقلتُ: ـ مش هينفع أصلاً... كفاية إني قاعدة معاكم هنا و....
لم يمهلني أن أكمل لأنه وضع إصبعه على شفتي معترضًا على ما أقول. ثم قال: ـ إيه الكلام ده؟ ... دا أنا اللي خايف أكون مقصر معاكي في حاجة... انتي هنا في بيت جوزك.. يعني بيتك.. يعني أنا اللي ساكن عندك انتي وأمي... يعني انتو الاتنين تقدروا تطردوني... بس أكيد مش ههون عليكي... قصدي عليكم. فابتسمتُ وكانتْ ابتسامتي مؤشرًا على قبولي المال، وحينما خلوتُ بنفسي في الغرفة وجدتُ بين يدي سبعة آلاف جنيها. ـ إيه ده كل دي فلوس؟! ...
لا كده كتير أوي أصلاً. كانتْ هي المرة الأولى التي أملك فيها مثل هذا المبلغ لدرجة أنني أخطأتُ في العد أكثر من مرة. في الصباح سمعتُ من يطرق باب غرفتي، ولما طالتْ الطرقات علمتُ أنه معتز وينتظر السماح بالدخول، فوضعتُ الحجاب على رأسي وقلتُ: ـ تفضل. دلف إلى الحجرة مبتسمًا وهو يقول: ـ اصحي بقا يا كسلانة ولا مش رايحة الجامعة النهارده؟ أجبتُ في خجل: ـ رايحة. فقال: ـ طيب يلا...
زي الشاطرة كده تقومي تصلي وعبال ما تلبسي أكون جهزت الفطار وصحّيت أمي. وقبل أن ينصرف تذكرتُ المال فقلتُ مسرعة: ـ استنى. نظر نحوي منتظرًا ما سأقوله، فقلتُ وأنا أخرج المال من تحت وسادتي: ـ الفلوس دي كتير... وأنا مش هحتاج كل ده أصلاً. قال متعجبًا: ـ كتير إيه؟ ... دا أنا نفسي أجيب القمر وأحطه بين إيديكي. قلتُ في حرج: ـ أنا مش هحتاج إلا تمن الكارنيه بس... هعمل إيه بكل الفلوس دي؟ أجاب: ـ ما أنا قلت لك تجيبي هدوم...
حبيتي تشترى لنفسك حاجة... وبعدين انتي بتتأخري في الجامعة... يعني علشان لو حبيتي تشربي حاجة... تاكلي حاجة. هممتُ أن أقول شيئًا فسمعته يقول: ـ متتكلميش تاني بقا ويلا كده هتتأخري على الجامعة. بعد ثلاثة أيام وبينما أنا في المحاضرة أستمع لأستاذ المادة، رأيتُ فجأة شيرين، وكانتْ هي المرة الأولى التي أراها فيها منذ امتحانات العام السابق، لم أعرفها إلا حينما دققتُ النظر، هل هذه هي شيرين حقًا؟ لماذا هي شاحبة ذابلة؟
وأين ابتسامتها وشبابها وروحها المرحة المنطلقة؟ ولماذا ترتدي مثل هذا الثوب الواسع الفضفاض المحتشم؟ وكأنها تريد أن تخفي شيئًا ما بداخل هذا الثوب، وتذكرتُ ما قالتْه لي مكة من قبل: ـ شيرين حامل يا هانم. انتهتْ المحاضرة، ونظرتُ في ساعتي لأعرف موعد المحاضرة التالية: ـ لسه هستنى ساعة... إيه الملل ده؟
كنتُ أنتظر موعد انتهاء المحاضرات حتى أسرع إلى البيت، وتذكرتُ عامي الأول في الجامعة عندما كنتُ أهرب من بيت زوجة أبي إلى الجامعة، سبحان مغير الأحوال! أنا الآن أهرب من الجامعة لأعود إلى البيت. وبينما أنا شاردة في تلك الخواطر سمعتُ من يقول لي: ـ ازيك يا آنسة نورا؟ حينما رأيته ارتبكتُ قليلًا ثم قلتُ: ـ الحمد لله... كويسة... ازيك يا أستاذ شريف؟ في الحقيقة كنتُ أود أن أسأله عن أشياء كثيرة، لماذا ترك حسام الجامعة؟
لماذا انتقل إلى جامعة عين شمس؟ وهل تزوج من شيرين؟ وأزال عنّي شريف عبء هذا الحرج حينما قال: ـ كنتِ فين طول الصيف؟ محدش شافك في المعسكر ولا الرحلة؟ أجبتُ كاذبة: ـ كنت مسافرة. قال في مكر: ـ يعني متعرفيش اللي حصل؟ قلتُ: ـ لا معرفش... هو حصل إيه؟ قال وهو ينقل كتابًا من يده اليمنى إلى اليسرى: ـ تعالي نقعد على الكافتيريا علشان أحكيلك. كدتُ أن أوافق لأنني أريد أن أعرف، لكنني رفضتُ حينما تذكرتُ معتز:
ـ يعني الراجل مديني فلوس مكنتش أحلم بيها ومش مقصر معايا في حاجة وبيخدمني بعنيه... وأنا أقعد مع ولد على الكافتيريا... المفروض أخلي عندي شوية دم أحافظ على ثقته دي حتى لو مش هتجوزه. ـ بس أنا هقعد معاه علشان أعرف إيه اللي حصل... مفهاش حاجة. ـ لا يا نورا... انتي على ذمته وحرام اللي بتعمليه ده. حينما طال شرودي قال شريف: ـ مالك يا آنسة نورا؟ انتبهتُ وقلتُ: ـ بص أنا أصلاً مستعجلة... معنديش وقت أقعد على الكافتيريا...
بس لو فيه حاجة مهمة قولها هنا. قال بعدما أشار لي وانتحي بي جانبًا بعيدًا عن ازدحام المارة: ـ الموضوع ياستي إن شيرين غلطت مع حسام. ثم نظر شاردًا وبرقتْ عيناه وأكمل: ـ تخيلي... شيرين اللي كنت بحبها ومستني اليوم اللي أتخرج فيه علشان أخطبها تعمل كده ومع مين؟ قلتُ في غيظ: ـ تحبها إيه؟ ... انت مكنتش شايف هي كانتْ بتحب حسام إزاي؟ أجاب: ـ كنت شايف كل حاجة... ولما كنت بسألها كانتْ بتقولي صداقة. ثم ضحك ضحكة قصيرة
ساخرة في مرارة وأكمل: ـ صداقة.... هي فهمتني كده... وأنا كنت مغفل... أيوه كنت مغفل علشان صدقتها... بس هي فعلا كانتْ بتحبه... وكتير كنت بسأل حسام... كان بيقولي إنه مش بيحبها... وفعلا مكنش بيحبها. قلتُ وقد راق لي الحدث: ـ مش جايز كان بيحبها وكان بيكذب عليك؟ قال ومازال في شرود: ـ ما أنا اتأكدت خلاص إنه مش بيحبها. قلتُ متلهفة: ـ اتأكدت إزاي بقا؟ أجاب: ـ استحالة واحد يحب واحدة ويعمل معاها اللي عمله حسام مع شيرين.
وكأنه بكلماته هذه قد ضغط على جرح قديم في قلبي، فارتبكتُ وشعرتُ كما يشعر من يتعرقل في قدمه المصابة، ثم سمعته يقول وهو ينظر إليّ في تركيز: ـ عارفه... أنا مش زعلان... هي تستاهل... أهي بتجري وراه زي الكلب علشان يقبل بس إنه يجوزها. ابتلعتُ ريقي وشعرتُ بخدر يجري في قدميّ، وتخيلتُ أن هذا سيكون مصيري مع حسام لولا عناية الله في تلك الليلة، ولا أعرف لماذا شعرت الآن بشوق جارف نحو معتز.
حاولتُ جمع شتات أعصابي وقلتُ بصوت جاهدتُ كي يخرج متزنًا: ـ طيب وده جزاؤها إنها حبته؟ أجاب: ـ لا طبعًا... بس ده جزاء إنها رخيصة... ما انتي كمان حبيتي حسام بس مطلش منك حاجة لأنك محترمة وعرفتي تحافظي على نفسك. قلتُ مسرعة في عصبية: ـ لو سمحت أنا محبتش حد... وأنا..... وأنا..... أه أنا حاليًا مخطوبة... وبحب خطيبي أوي وهو بيموت فيا... ولو يعرف إني اتكلمت معاك أصلاً هيموتني. قال في أسف: ـ أنا آسف... مقصدش حاجة...
أنا بس ما صدقت لقيت حد أفضفض له... خاصة إني بعدت عن الشلة ومبقتش أطيق أشوف حد منهم... لا حسام ولا شيرين ولا محمد. شعرتُ بالشفقة وأحسستُ بصدقه، فقلتُ محاولة أن أخفف: ـ انت بس خلي بالك من دراستك وهتتخرج وتلاقي بنت الحلال اللي تقدر حبك. قال: ـ شكرًا. قلتُ سائلة: ـ وشيرين هتعمل إيه؟ أجاب: ـ والد شيرين هدد حسام إنه هيرفع قضية يتهمه فيها باغتصاب بنته...
بس والد حسام بيحاول يسكتهم بالفلوس والعربيات علشان خايف على سمعته في السوق. بعد ثلاثة أيام دلف معتز الغرفة ثم جلس مبتسمًا وقال: ـ مفاجأة. قلتُ: ـ إيه؟ لم يتكلم بل أخرج من جيب بنطاله ورقة طويلة عريضة ووضعها أمام عيني فأخذت أقرأ، كان عقد شراء شقة زوجة أبي، قلتُ مندهشة: ـ دا العقد باسمك. قال ومازال يبتسم: ـ اشتريتها من مرات أبوكي. ثم نظر ساهماً كأنه ينظر للفراغ وقال: ـ بس مش ده المهم...
المهم إن الراجل اللي كان بيجيب لكم سمك أكيد هيظهر تاني. قلتُ في عدم فهم: ـ ودا إيه دخله بالموضوع؟ أجاب بعد أن زفر زفرة طويلة: ـ هو ده الخيط اللي هيوصلنا بالقاتل. ثم نظر نحوي في عطف وأكمل: ـ أنا وعادل رتبنا كل حاجة.
بعد يومين كنتُ مع مكة والشيخ عبد الحميد في الشقة الجديدة، شقة زوجة أبي التي صارتْ شقة معتز، كانتْ فارغة من أي أثاث، وقفنا في الصالة، بينما تجول الشيخ عبد الحميد الشقة وهو يتمتم بآيات الله وهو يضع يده تارة على أحد الجدران، وتارة أخرى على حواف نوافذ المطبخ وحجرة النوم الكبيرة. حينما انتهى من عمله قال: ـ يا معتز أنا شايف إن الأمور طبيعية... بس علشان أتأكد أكتر لازم تجيب تليفزيون وتحطه في الصالة. قال معتز مستفسرًا:
ـ ليه؟ أجاب الشيخ: ـ لازم حد فينا يشوف المشهد... ونعرف أبوك هيقول إيه بعد اللي حصل. قلتُ في خوف: ـ إزاي يعني؟ أجاب: ـ كل واحد فينا هيبات لوحده هنا 3 أيام... ولو مظهرش المشهد على التليفزيون أو محصلتش حاجة غريبة في المطبخ... هنركز على الأيام المرتبطة بالأرقام. قال معتز: ـ أرقام؟ أجاب الشيخ: ـ آه... مثلًا الليلة القمرية... مثلًا يوم 7 في الشهر الهجري أو يوم 13. ثم أكمل وهو يضع يده على كتف معتز:
ـ الأيام دي بيكون لها ارتباط بظهور الأرواح المعذبة اللي بتدور على الراحة. خلال أيام قليلة كان معتز قد أحضر جهاز تليفزيون ووضعه على منضدة في الصالة، كما أحضر بعض المقاعد، وسرير في حجرة النوم الكبيرة وبعض مستلزمات المطبخ، وبدأنا في تنفيذ الخطة، مكث الشيخ لمدة ثلاثة أيام ولم يظهر له شيئًا، ومكث معتز ثلاثة أيام بلا جديد، وحينما جاء دوري أصرّ معتز أن تبيت معي والدته حتى لا يصيبني مكروه إذا ما جدّ جديد.
مرتْ ثلاثة أيام أخرى كنتُ أجلس في الصالة لبعد منتصف الليل أشاهد التليفزيون، بينما تنام والدة معتز في حجرة النوم، لكن لم يحدث شيء، وشعرتُ أن ما نقوم به مجرد سخافات، حتى أخبرنا الشيخ عبد الحميد بعد فشل خطته أننا أخطأنا بشأن وضع التليفزيون على المنضدة، كما أخبرنا أننا سنعيد نوبات المبيت من جديد، لكن سنضع جهاز التليفزيون على العمود الخرساني المحاط بالطوب كما كان الأمر في وجود أبي وزوجته، وبدأنا نعيد الخطة، وعند نوبة مبيتي في الليلة الثانية انقطع الإرسال ورأيت نفس المشهد القديم، كنتُ متوترة هذه المرة رغم إني اعتدتُ رؤية هذا المشهد مرات عديدة، بينما أنا أشاهد المشهد كنتُ أضع أصبعي على زر الاتصال برقم معتز كما اتفقنا.
انتهى المشهد بنظرات والد معتز المتوسلة والدماء تسيل من جبهته هذه المرة، لكنه لم يقل كلمته المعتادة (انقذيني) لكنه قال مبتسمًا: ـ قربتوا أوي. ثم انقطع الإرسال، فعاد إسماعيل ياسين يحذر بكل عبط ريا وسكينة من وجود سيدتين قاتلتين بالإسكندرية، فابتسمتُ من سذاجة الفنان إسماعيل يس، ثم عدتُ لما أنا فيه، وضغطتُ على زر الاتصال، ولم تمض دقائق حتى حضر معتز، وأيقظتُ والدته وحكيتُ لهما عما رأيته، قال معتز:
ـ يبقى الشيخ عبد الحميد كان عنده حق. بعد ثلاثة أيام وعند منتصف الليل جئنا إلى الشقة من جديد. قال عادل بيه: ـ يا معتز... أنا من رأيي بلاش اللي ناوي تعمله ده ونستنى لما الراجل اللي بيبيع سمك ده يظهر تاني. قال معتز في إصرار: ـ جايز ميظهرش تاني يا عادل. قال الشيخ عبد الحميد موجهًا كلامه إلى عادل بيه: ـ إحنا مش هنخسر حاجة يا عادل يابني.. سيب معتز يشوف شغله.
جلس عادل بيه على أحد المقاعد في عدم اقتناع، وبدأتُ أراقب في فضول وخوف ما ينوي معتز فعله، حمل معتز جهاز التليفزيون بين يديه فبدا العمود الخرساني المحاط بالطوب واضحًا، وأخرج معتز من حقيبة قماشية بجواره فأسا ومطرقة وجهاز (شنيور)
، وبدأ يحطم في هذا العمود، كان تحطيمه صعبًا للغاية، لأنني رأيت العرق يبلل وجه معتز وقد برزتْ عضلات يديه وهو يهوي على العمود بالفأس، ثم قام بتوصيل قابس الشنيور بالكهرباء، وبدأ الشنيور يزمجر في إصرار، كنتُ أنظر لما يحدث بعيون ذاهلة، وعادل بيه ينفس دخان سجائره حتى إذا ما انتهتْ سيجارة أشعل الأخرى، بينما الشيخ فم عبد الحميد لم يتوقف عن التمتمة، وتحطم أعلى الجانب الأيمن من العمود، فتشجع معتز وأخذ يتابع التكسير والتحطيم في إصرار.
ثم.... ثم بدتْ لنا في ضوء مصباح الصالة جمجمة تلمع، فشهقتُ ووضعتُ كلتا يديّ على عينيّ وأنا أحبس صراخي، فترك معتز ما بيده وأسرع نحوي وأحاطني بذراعه، وقادني غالى غرفة النوم وهو يقول في تلطف ورفق: ـ متخافيش... اقفلي عليكي الباب من جوه لحد ما نخلص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!