سقط جهاز الريموت كنترول من يدي، وتجمعت دمائي متدفقة إلى وجهي، وشعرت بشعر رأسي يتحرك من الرعب. وقبل أن أصرخ، عاد الإرسال كما كان، وقد ظهر على الشاشة سمير غانم وهو ينظر باشمئزاز رافعًا حاجبيه لجورج سيدهم. كتمت صرختي حتى لا تصحو سعاد فتخرب بيتي. أغلقت التليفزيون وأسرعت إلى غرفتي، ارتديت حجابي وصليت، ورحت أتمتم بآيات الله حتى هدأ روعي ونمت.
حينما استيقظت صباحًا، بدا لي ما حدث ليلة أمس مجرد خيالات وأوهام، وقررت أن أنسى ما حدث. أخرجت من خزانة ملابسي الثوب الجديد ومسحت حذائي، وأحكمت وضع حجابي، وخرجت. كانت الساعة السابعة والنصف صباحًا. لقد دوّنت كل ما قاله لي أبي في ورقة: "عند الميكانيكي، تمشي يمين لحد ما توصلي نهاية الشارع الرئيسي... هتلاقي عربيات أجرة رايحة محطة الزهور. وفي محطة الزهور هتركبي عربية من اللي بيروحوا الجامعة...
يدوبك عشر دقايق هتلاقي نفسك قدام باب الجامعة." وحينما وصلت محطة الزهور، وجدت نفسي في ازدحام شديد. ارتبكت حينما شعرت أني ضللت الطريق. ثم سألت فتاة نزلت من نفس السيارة: "أروح الجامعة إزاي؟ ابتسمت الفتاة وقالت لي: "تعالي معايا... أنا رايحة الجامعة." ركبت معها سيارة أجرة، وبعد عشرة دقائق وصلنا. وعلى باب الجامعة شكرتها. وبعد ساعة كنت قد استخرجت الكارنيه، وحصلت على جدول المحاضرات، واشتريت الكتب الدراسية.
كنت منبهرة حينما ولجت مدرج الكلية، وسرت بخطوات مترددة. وكنت حريصة ألا تظهر الناحية اليسرى من حذائي الممزقة مقدمته. كان الأولاد يجلسون بجوار البنات، يتحدثون ويضحكون. أحسست نفسي غريبة بملابسي هذه. البنات يلبسن مثل الأولاد، جينز وبديهات وتيشيرتات. فانزويت بعيدًا وبحثت بعيني عن مكان بجوار البنات فلم أجد. توغلت لآخر المدرج حتى وجدت فتاة تجلس بعيدًا عن صف الأولاد وبعيدًا عن اختلاط الأولاد بالبنات. جلست بجوارها.
ثم دخل أستاذ المادة، وقال: "في هذا الشهر هنتعلم البحث المكتبى... وهنعمل زي ما عملنا الشهر اللي فات... علشان كده حددت عشرة موضوعات تعملوا فيها الأبحاث... طبعًا شغل الفهلوة وأنكم تجيبوا البحث من مواقع الإنترنت ممنوع." فضحك الجميع وابتسم الأستاذ وأردف بعد أن أخرج بعض الأوراق: "في كل بحث هيشترك طالب وطالبة، ومش هقبل أي بحث يقل عن 60 صفحة مكتوبين بخط الأيد... ودلوقتي اللي يسمع اسمه يتفضل يقف." وبدأ يقرأ الأسماء.
هل قال كل طالب مع طالبة؟! ما هذا المأزق؟ معقولة! دعوت الله في سري أن يكون بحثي مع بنت. كيف أشارك ولدًا في كتابة بحث؟ ثم سمعت الأستاذ يقول: "حسام عبد المجيد." هنا نهض أحد الطلاب. رأيته من الخلف لأنه كان يجلس أمامي بصفين بجوار فتاة. سرعان ما قال حسام: "بس أنا قدمت بحث الشهر اللي فات يا دكتور." قال الأستاذ: "بحثك معجبنيش يا سيدي... البحث مش موثق بمصادر... تفضل اقعد." فقال حسام: "ومين هتكون معايا في البحث؟ قال الأستاذ
بعد أن نظر في أوراقه: "نورا قاسم." أحسست بقلبي يسقط بين قدميّ، وشعرت بأن ريقي قد جف، واحمر وجهي، وأذنيّ سُخونة. وسمعت الأستاذ يسأل: "هي فين؟ نهضت في تردد ولم أتكلم. استدار حسام ينظر نحوي. كانت نظرته مزلزلة ثابتة. شعرت أنه تفحص فيها وجهي وهيأتي. غير أن نظرة الفتاة التي كانت تجلس جواره كانت نظرة مربكة لم أسترح لها أبدًا. قال الأستاذ: "موضوع البحث: مسرحية الضفادع. الكاتب المسرحي اليوناني أريستوفان. دراسة نقدية."
"يا نهار أبيض... هي وصلت للضفادع... ده اللي كان ناقص... ضفادع في الكلية ومرات أبويا في البيت." طلب منا الأستاذ الجلوس وأخذ يتحدث بالفصحى: "تتعلمون من خلال هذه الأبحاث المكتبية القدرة على البحث والنقد وتكوين رأي والوقوف على الأدب الروماني واليوناني من حيث القوة والضعف و...
لم أنتبه لبقية كلامه، لأنني كنت أنظر إلى الفتاة التي تجلس بجوار حسام. كانت كل ثلاث دقائق تميل نحوه وتهمس له بكلام فيضحك. كان شعرها أصفر طويلاً يتدلى على ظهرها في غير نظام. وحينما كانت تنظر لحسام، كنت أرى أديم وجهها الغض الأشقر وجزءًا من حواجبها المتمردة المرسومة بعناية. قلت في نفسي: "كل ده مكياج على وشك... انتي أصلاً حلوة وناعمة من غير مكياج... آه طبعًا... لا عندك مرات أب تنكد عليكي ولا مستنية صدقة من حد."
انتهت المحاضرة، فنظرت للفتاة التي تجلس بجواري، لأسألها لماذا لم يكلف الأستاذ جميع الطلاب بأبحاث. لكنني تعجبت حينما وجدتها نفس الفتاة التي قابلتني في محطة الزهور. فقلت: "إيه ده؟ انتي هنا؟ ... أنا اللي سألتك على عربيات الجامعة؟ فاكراني؟ قالت: "هو انتي معانا في القسم هنا؟ قلت: "أيوه، أنا معاكم في نفس القسم بس لسه منتظمة في الدراسة." قالت: "أهلًا بيكي... أنا هستأذنك بقى." قلت وقد شعرت براحة كبيرة تجاه هذه الفتاة:
"رايحة فين؟ مش إحنا المفروض نستنى هنا لحد ما تبدأ المحاضرة اللي بعدها؟ ابتسمت من جهلي وقالت: "لا... كل محاضرة بتكون في مدرج معين... أنا هحضر ندوة في قاعة (ج) وبعدين هقابل واحدة صاحبتي على الكافتيريا." قلت: "كافتيريا؟! ... طيب هي فين الكافتيريا دي؟ قالت مبتسمة: "قدام كلية الآداب... مبنى (ص) وقبل أن تنهض سألتها: "وليه الدكتور مكلفش كل الطلاب بأبحاث؟ قالت: "في كل شهر بيكلف مجموعة معينة...
وأنا مجموعتي كانت في الشهر اللي فات." وقفت أمام الكافتيريا، فوجدت الازدحام شديدًا. كل منضدة تحيطها مجموعة من المقاعد التي يجلس عليها الأولاد والبنات جنبًا إلى جنب. وعلى كل منضدة كتب وحقائب يد ونظارات شمس وهواتف جوالة ومشروبات وسندوتشات. كنت مأخوذة متلاحقة الأنفاس وأنا أرى كل هذا. فتحت حقيبة يدي، وبدأت أعد نقودي، وقلت لنفسي: "لا يا نورا، الميزانية كده هتبوظ."
وتذكرت عم حسين حينما نصحني بأن أحافظ على النقود وأكون حذرة في الإنفاق. ثم درت بنظري وسط الازدحام فرأيت بعض الفتيات يجلسن على مقاعد خشبية ممتدة تشبه مقاعد استراحة المسافرين على محطات القطار. "أيوه هقعد هنا أحسن... بدل الكافتيريا وتضييع الفلوس."
توجهت إلى أحد المقاعد وجلست أكثر من نصف ساعة. ثم أخرجت جدول المحاضرات، لأعرف موعد المحاضرة القادمة. كانت الساعة الثانية عشرة، وموعد المحاضرة التالية الساعة الثانية ظهرًا. ماذا أفعل طوال هذه الفترة؟ لقد استرحت كثيرًا للفتاة التي كانت تجلس جواري في المحاضرة لكن أين هي الآن؟ لابد أنها ما زالت في الندوة. ثم تذكرت أنني لم أسأل الفتاة عن اسمها. وبينما أفكر، سمعت من يناديني باسمي فاهتز قلبي. ونظرت لأرى حسام
يقف أمامي بثقة وجرأة وقال: "نورا، تعالي نتكلم على الكافتيريا." قالها كأنه يعرفني منذ سنين. "يخربيتك! كافتيريا إيه ونتكلم إيه؟ قلتها في نفسي. وحين وجد الارتباك والغباء على وجهي قال: "آه... أنا حسام زميلك في البحث." قلت بخجل وبصوت متهدج وبقلبٍ تتصارع دقاته: "بس... بس البحث المفروض يتعمل في المكتبة." كانت هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها مع ولد. قال بابتسامة جذابة رقيقة: "عارف... بس فيه حاجة لازم تعرفيها."
"الله يخربيتك... لو أبويا شافني ممكن يدبحني أصلًا... غير كده حرام أصلًا إني أتكلم مع ولد." قلتها في نفسي وتخيلت أن زوجة أبي تراني، ثم تمصمص شفتيها قائلة لأبي: "شوف البت السهتانة." كنت كالمسحورة وأنا أسير خلف حسام ناحية الكافتيريا، وجلست على مقعد، فجلس أمامي والتفت للخلف مناديًا على النادل وقال: "تشربي إيه؟ سأشرب شاي، فهو المشروب الوحيد الذي أستطيع دفع حسابه هنا، هكذا حدثت نفسي. ثم انتبهت لحسام وهو يقول:
"هتشربي إيه يا نورا؟ قلت في ارتباك: "شاي." فابتسم وتحدث مع النادل ثم قال: "أنا عملت بحث الشهر اللي فات مع شيرين... بصراحة أنا عاوز أقولك إني مش بتاع أبحاث... علشان كده خليت واحد صاحبي يعملنا البحث ويحط اسمي واسم شيرين عليه... بس صاحبي ده الله يخرب بيته جاب البحث من النت من غير أي مصادر... وأنا قدمته للدكتور من غير ما أبص فيه... والدكتور كشف الحيلة... علشان كده كلّفني أعمل بحث جديد... فأنا عايز منك طلب."
قلت في خجل وأناملي ترتعتش وفى حلقي مرارة حلوة: "طلب... طلب إيه؟ قال في ثقة: "تعملي البحث لوحدك وتكتبي اسمي معاكي في مقدمة البحث." حمدت الله في سري، فلم أكن أتصور أن أشارك في بحث مع ولد، وأنا لا أعرف لماذا وافقت أن أتحدث معه، ولكن كما قلت لكم كنت كالمسحورة. قلت مسرعة: "أكيد.. حاضر." هنا حضرت الفتاة الشقراء، وجذبت مقعدًا، وجلست معنا قائلة: "فينك يا حسام كل ده؟
هنا رأيتها بوضوح. وجه مستطيل قليلاً، وأنف صارم، وفم مختصر دقيق، عينان خضراوان ووجه أشقر. أما عن ملابسها فأجارك الله، جينز ضيق و..... لا لن أصف أكثر من ذلك. نظر حسام لها قائلاً وهو يشير نحوي: "أعرفك يا شيرين... نورا زميلتي في البحث." فقالت الفتاة: "أهلًا." قالتها في مكرٍ وتكبر. ثم أشار حسام نحوها قائلاً: "شيرين." إذن هي شيرين التي كانت تشاركه في البحث الذي رفضه أستاذ المادة. قلت: "أهلًا يبدو."
نهضت طالبة الاستئذان، فقال حسام مسرعًا: "والشاي يا نورا." قلت: "مش لازم." وجلست أمام إصراره المتكرر حتى حضر النادل بكوب من الشاي وكوب من العصير. حين وضع النادل المشروبات على المنضدة طلب حسام مشروبًا لشيرين التي قالت على الفور: "فيه حتة فيلم جديد نازل السينما إنما إيه." ثم أخرجت من حقيبتها الأنيقة تذكرتين ووضعتهما أمامه، فقال: "بس أنا انهارده لازم أروح الشركة لبابا." قالت شيرين: "مش مشكلة... أنا هتصل بيه واعتذرله."
قالتها بعد أن وضعت ساقًا على ساق في تبسط وتجرد من الحياء، وأخرجت هاتفًا جوالاً من الطراز الحديث، هاتفها ملون مزركش وقد لُصِقَت على ظهره قلوب بجوار سلسلة دائرة. قال حسام: "مش هينفع يا شيرين... هو قالي لازم أعدي عليه انهارده في الشركة." قالت: "الفيلم من النوع اللي تحبه... قصة حب جامدة... وبعدين أنا جبتلك تذكرة." ثم ضغطت على أزرار هاتفها وتحدثت مع والده تعتذر له. "يالهوي... وكمان تعرف نمرة باباه وبتكلمه عادي."
كنت أجلس بينهما صامتة كجثة. كيف تجردت هذه الفتاة من كل درجات الحياء لتفعل كل هذا مع شخص ليس بزوجها. رحت أستغفر الله في سري، وتذكرت زميلاتي في قريتي في المدرسة الثانوية، كيف كن يتهامسن عن الحب وعن أولاد مدرسة البنين بكل جرأة. وتذكرت الرجلين اللذين يتصارعان بداخلي، أحدهما يمثل العشق، والآخر يمثل الخجل. ثم شعرت بالاختناق وكنت قد فرغت من الشاي فاستأذنت.
في المحاضرة الثانية لم أجد الفتاة التي كانت تجلس بجواري في المحاضرة الأولى، فانزويت بين كومة من البنات. لم أكن منصتة لأستاذ المادة، بل كنت شاردة في هذا العالم الجديد الذي لا أعرف ماذا ينتظرني فيه. ولما انتهت المحاضرة، خرجت وأنا أراجع في عقلي طريق العودة. كانت الساعة الثالثة والنصف عصرًا. قررت أن أسير على قدمي حتى محطة الزهور توفيرًا للمال. سرت قرابة عشرين دقيقة، ومن حسن الحظ أن الطريق كان مستقيمًا، لذلك لم أضل الطريق. ثم ركبت سيارة، وبعد نصف ساعة كنت في شقة أبي.
لم يكن أحد في الشقة، لأن أبي يعود كل يوم بعد الساعة الخامسة. أما زوجة أبي فقد أخبرتني بالأمس أنها ستبيت الليلة عند والدتها لأنها مريضة، وطلبت مني أن أجهز الطعام لأبي وأغسل ملابسهم. بدلت ملابسي وصليت ما فاتني من فروض ودخلت المطبخ. وبعد دقيقتين سمعت من يطرق الباب. هل عادت زوجة أبي؟ خرجت إلى الصالة وقلت: "مين؟ سمعت من يقول: "أنا يا قاسم." وضعت غطاءً على شعري وفتحت الباب. ابتسم الرجل قائلاً: "فين قاسم؟ قلت:
"لسه مرجعش من الشغل... أنا بنته." مد لي يده بلفافة وقال: "دي لأبوك." قلت له: "طيب أقوله مين؟ قال مبتسمًا: "هو عارف." ثم انصرف. كان الرجل طويل القامة ممتلئ الجسم له شارب أسود عريض ووجه أبيض باحمرار، وشعره كان بني اللون. أغلقت الباب وولجت إلى المطبخ لأفتح اللفافة، فوجدت كمية كبيرة من الأسماك. هل أرسل أبي هذه الأسماك مع هذا الرجل؟
وبينما أجهز في الطعام انتبهت لشيء أفزعني. ملامح الرجل تبدو مألوفة لدي. أين رأيت هذا الوجه يا نورا؟ أين؟ أين؟ ثم تذكرت. هذا الرجل يشبه الرجل طويل القامة الذي رأيته يهز رأسه على شاشة التليفزيون حينما انقطع الإرسال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!