فجأة وبدون سابق إنذار استقرت السكين داخل قلبها. حدث ذلك أمامهم في ثوانٍ، ولم يستوعبوا ما حدث إلا حينما وجدوها واقعة أرضاً والدماء تسيل منها. هرول إليها ريان فهرع وجثى على أرجله وحمل رأسها ووضعها على رجليه وقال بقلق: "ماما ليه عملتي كده؟ ليه يا ماما؟ جاهدت ناهد لكي تتحدث، ولكن أوقفها ريان وقال: "اهدي، متتكلميش. هنروح المستشفى دلوقتي وهتكوني كويسة. ماما مش هيحصل حاجة، أنا جنبك." "ه.. هوديكي المستشفى حالا."
منعته ناهد برأسها ونظرت له بندم وحزن، وكأنها تقول إنها النهاية. كانت ناهد تلفظ أنفاسها الأخيرة وجاهدت لكي تتحدث ولكن لا تستطيع. رفعت يديها الملطخة بالدماء ووضعت يديها على خد ريان وقالت كلمة واحدة: "سامحني." بعد هذه الكلمة، زهقت روحها وانتقلت لخالقها.
كان ريان ينظر لها بصدمة وهي بين يديه ووجهه مليء بالماء وملابسه. ينظر لها فقط. تحجر به كل شيء. عينيه تأبى الرضوخ للبكاء، يشعر أن قلبه توقف عن الخفقان. يريد أن يصرخ بكل قوته حتى يخرج نار الألم المشتعلة بداخله. نزلت نسمة لمستواه ووضعت يديها على كتفيه وقالت بقلق عليه: "ريان.. ريان. اصرخ، متعملش في نفسك كده." احتضنته بشدة وقالت: "عيط يا ريان."
لم يستطع الصمود أكثر من هذا فصرخ بكل معاني الألم. بكت نسمة هي الأخرى لا تتحمل رؤيته هكذا. ربتت على ظهره بحنان وقالت بحزن: "ربنا يرحمها ويسامحها يا رب." تم دفن ناهد، ومر على هذه الحادثة أسبوع وريان دائماً صامت لا يتكلم. ونسمة لا تتركه وبحنان دائماً وتحاول أن تخفف عنه. وأيضاً علمت عائلة نسمة عندما ذهبوا لها لزيارتها وعلموا بموتها فساند الجميع ريان.
دخلت نسمة إلى ريان، وجدته نائماً وأثر الدموع على وجهه. حزنت على حالتها، ثم ذهبت ناحيته ونادته بهدوء. "ريان." أفاق بعد دقائق. "قوم يلا، كفاية حبسة في الأوضة كده." جلست أمامه وأمسكت يديه وقالت: "أنا حاسة بيك والله، بس قدر ربنا. ادعيلها ربنا يرحمها ويسامحها." نظر لها قليلاً ثم قال: "نسمة." "نعم." "انتي ليه معرفتيش أهلك الحقيقة وقولتلهم إنها كانت عندها كانسر وبسببه ماتت؟ ليه مقولتليش السبب الحقيقي؟ تنهدت نسمة وقالت:
"عشان ملوش لازمة أفتح جروح الماضي تاني. لازم نطوي على الصفحة دي. لو قولتلهم مش هسيب ليهم غير الحزن دايماً. خلينا ندفن الماضي ونبدأ صفحة جديدة بعيدة عن الألم. وكلنا هنجتمع في الآخرة وكل واحد هياخد حقه. سيبها على الله. هنسي اللي فات ونفكر في مستقبلنا. مش هقولك إني مش زعلانة على كل حاجة حصلت، بس لو دفنت نفسي في الماضي هموت. ربنا موجود وحقك وحق أبويا وأبوك والناس اللي اتظلموا هيجوا، بس مش الحكم الدنيوي هيجي من العدل. سلم أمرك لربنا."
ابتسم لها بالفعل العدل أُقيم حينما قتلت نفسها واستقبلت عذاب الموت بدلاً من أن تتحمل حزنه وألمه منها. مر خمسة أشهر وبدأ ريان بالفعل أن يعود كما كان ويلتفت لعمله. ولكنه ترك البلدة وانتقل للقاهرة لأن كل شيء بالمنزل يذكره بها. ولكنه في كل صلاة له يدعي لها بالرحمة، ففي نهاية الأمر هي أمه. نعم جرحت الجميع حتى هو، لم يسلم منها، ولكن قلبه يأبى أن ينسى واجباته تجاهها ولا يستطيع أن يكرهها.
كانت نسمة تقف أمام المرآة تنظر لشكلها برضا كبير. فقد خسرت وزن كبير. تتذكر نفسها حينما نظرت لنفسها في المرآة من فترة. تنظر لشكلها بعدم رضا وملابسها التي تشبه الرجال بنسبة كبيرة. حزنت على نفسها ومن كل الكلام السلبي الذي أوصلها إلى هذه الحالة واختبأت في عالم غير عالمها.
بعد ابتسمت حينما وجدت ريان يقف بجانبها ويدعمها ويقول إنها جميلة بجميع حالاتها ويحبها كما هي. وإذا قررت أن تتغير فلنفسها ليس من أجل أحد. أخذت قرارها وهو ساعدها في كل خطوة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. دائماً كان يدعمها بكلامه وحبه لها وثنائه الدائم. بسبب كلماته تشعر أنها أجمل امرأة. حينما تنظر لعينيه يبوح منها حب ومشاعر حب صادقة. لم تكن تتوقع أن يحدث هذا. ففي بداية الأمر كان القلب الذي يمقتها والعين التي تبوح بالكره. ولكن دائماً الأقدار تفاجئنا. أصبح الآن حصني المنيع وكل شيء تجعل روحي ترفرف من السعادة.
قطع شردوها ريان وهو يحتضن ظهرها ويقبل خدها ويقول: "جميلي سرحان في إيه؟ نظرت له عبر المرآة وابتسمت وقالت: "واحد شاغل عقلي وتفكيري غيرك." "بحبك." التفتت له ووضعت يديه على كتفيه وقالت: "وأنا كمان بحبك قوي قوي." "طب أنا بقول نطلع على الخروجة بقى." لم يعطيها فرصة لتردف بأي شيء وجذبها لعالمه الذي يتغنى بترانيم عشقهم. أما على الجانب الآخر. "يا حبيبتي أجيب بطيخ منين دلوقتي؟ مافيش مش موسمه ده."
"مليش دعوة، أنا عايزة بطيخ. يرضيك ابنك يطلع في راسه بطيخة؟ "آه مينفعش باردوه، هيطلع في رأسه بطيخة حرام." قام يونس من مكانه وقال: "طيب يا حبيبتي اختاري أي حاجة وهجبها، وياريت تكون موجودة." جلست تفكر قليلاً وقالت بابتسامة واسعة: "عايزة رنجة وفسيخ يا يونس." قام يونس من مكانه وقال: "طيب يا حبيبتي هقوم أعملك سندوتش جبنة." تركها وذهب للمطبخ وهي تصرخ وتقول: "الفسيخ والرنجة يا يونس! الواد هيتحول يبقى فسيخة." وضعت
يديها على بطنها وقالت: "معلش يا حبيبي بابا شرير أنا عارفة. يلا نقضيها جبنة بقى." قامت من مكانها بهدوء واتجهت للمطبخ، وجدته انتهى من تحضيره وقدمه لها وقال: "اتفضلي يا حبيبتي." أخذته منه وقضمت منه جزء وقالت: "امم، ماشي حاله." اتجهت بعدها إلى باب المطبخ وقالت: "اعملي واحد كمان وعندك مكرونة اعمليها، وابقي نام على الكنبة النهارده عقاباً عشان مجبتش اللي عايزاه." نظر في أثرها بصدمة ودعا أن تمر هذه الفترة على خير.
سمع صوتها وهي تقول: "يونس، انت لسه معملتش الأكل؟ رد عليها سريعاً: "حالا يا حبيبتي." نظر لنفسه بأسى وقال: "أهلاً بالأبوة أوي." أما عند مي ومراد. "يا بنتي اهدي بس، إيه اللي حصل؟ "والله متعرفش قاعد توزع ابتسامات لكل اللي بيكلمك، وقاعدين يعاكسوك وأنت ضحكتك وصلت لودانك. احترمني والله يا مراد لو لقيتك بتبتسم لحد تاني هكون مكسرالك سنانك اللي فرحان بيها دي عشان تبقى تفكر تضحك تاني." ابتسم على غيرتها ثم قال بخوف مصطنع:
"لا خلاص، وأنا مقدرش على عصبيتك يا كبير." ثم تابع كلامه بغمزة وقال: "أحبك وأنتِ غيرانة." ابتسمت مما قاله، فأردف بصوت عالٍ: "هاتولي المأذون يا جدعان." ضحكت على جنونه فشاركها الضحك. وبعد وقت من الألم والمقاومة اجتمع الأحياء واتحدت قلوبهم. ومن هنا تبدأ رحلة السعادة المغلقة بعوض الله بعد كل هذه التجارب. مرت الأيام وجاء يوم ولادة سالي. قامت سالي من نومها وهي تصرخ وتضرب بيونس وتقول: "الحقناااااي!
"نامي يا حبيبتي، مفيش حاجة. كل مرة بنروح المستشفى ومفيش حاجة. نامي نامي هترتاحي بعد شوية." ضربته سالي برجليها أوقعته أرضاً وقالت بصراخ: "بولددددد، يا حيوااااان، الحقنااااااي! "بتتكلمي جد؟ صرخت في وجهه مجدداً فأسعف نفسه سريعاً وحملها واتجه للمستشفى ورن على الجميع وأخبرهم أنهم ذاهبون للمستشفى. وطوال الطريق تصرخ وتمسك يديه وتعضها. حملها وهو يركض بها ويصرخ بالأطباء كي يسعفوها. وضعوها الأطباء على الترولي وكانت هي تمسكه
من تلابيب قميصه وتقول: "طلقنااااااي! بكرهكك، بكرهكك! "أولدي الأول وبعدين هنطلق كلنا ونكره بعضنا جامد." دخلت غرفة العمليات وظل بالخارج يمشي ذهاباً وإياباً والقلق ينهش قلبه. وبعدها وجد الجميع يتجهون له. "اهدي يا حبيبي، خير خير." "أنا قلقان قوي." هدأه مراد وريان قليلاً وطمأنوه أنها سوف تكون بخير. "خير إن شاء الله، اهدي، هتقوم بالسلامة بإذن الله." "يارب، يارب."
كانت نسمة تسمع صراخها والخوف تملك قلبها وخافت من هذه اللحظة. لاحظ ريان خوفها فذهب لها وقال بقلق: "مالك يا نسمة؟ تمسكت بذراعه بشدة وقالت: "أنا خايفة." "اهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة. اهدي." لم تتحمل سماع صراخها أكثر. وفجأة شعرت بدوار يجتاح رأسها وسقطت مغشياً عليها بين يدي ريان. فزع ريان عليها وقال بخوف: "نسمة، نسمة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!