حرام عليك أنا جوزها. سبني أروح أدور عليها، دي مش بتشوف. ممكن تحصل لها حاجة. نظر له حازم بضيق وقال: مش هتروح يا عماد. واتأقلم مع وضعك ده، لأن كلها أيام معدودة ومتبقاش جوزها. وإذا على تمار، أنا هلاقيها بمعرفتي. قال عماد بانفعال: إزاي يعني إزاي؟ هقف مكاني وأسيبها تحصل لها حاجة في الشوارع؟ أنت... أنت بتستهبل. أنا رايح ومش هرد عليك المرة دي. مضى بضع خطوات لكن أوقفه حازم حين قال:
براحتك. أنا بقى هطلع من هنا عند عمي على طول. أستناك على ما تجيبها، يكون هو سمع الفيديو بتاعك. ونستناكم لحد ما توصلوا علشان... علشان تمار كمان تسمع. وقف عماد مكانه ونزلت دموعه بحزن، أما حازم قال كلماته بمنتهى البرود ومضى بجانبه مصطدمًا به عمدًا وذهب ليبحث عنها، تاركًا وراءه يقف بدموع.
المجذب عماد شعره للوراء، يشعر أنه مقيد، لا يستطيع أن يهدأ ويقف مكتوف الأيدي، ولا يستطيع أن يذهب ليبحث عنها خوفًا من تهديدات حازم. أمسك هاتفه وأخذ يحاول الاتصال بها والخوف يقتله. في أحد الطرقات المبللة بالماء، وسط ضجيج السيارات، تمشي بلا هدف وتتخبط بالمارة وتعتذر. فهي لا ترى شيئًا، فقد تخلى عنها النور الوحيد الذي كان يضيء عتمتها. تنهمر دموعها على وجنتيها وتتردد كلماته في أذنيها:
دي بنت عمي. وأنا بشفق عليها. دي عندها ظروف، عمياء وبتتعالج نفسيًا. أنا بحبك أنتِ. مستحيل أحبها. وتعاد الكلمات في أذانها كثيرًا بطريقة أفقدتها صوابها. وقفت بجانب أحد الأسوار تتكئ عليه وتبكي بشدة، حتى سمعت من يقول من خلفها: فيه حاجة يا آنسة؟ أنتي تعبانة ولا حاجة؟ ضحكت ضحكات مرهقة وسط دموعها وقالت: آنسة... ههه. أنا مش آنسة. ومش مدام، تخيل. أنا... أنا مش عارفة أنا عايشة ليه. ولا عارفة عايشة لمين.
استغرب كلماتها ولكن شعر أنها في وضع لا يسمح بالنقاش. قال: الدنيا بدأت تمطر. قومي معايا. أنا بيتي قريب من هنا. اشربي حاجة سخنة وارتاحي شوية. نظرت إليه بأعينها الزيتوني اللامعة من كثرة الدموع، نظرة صابت شيئًا ما بداخله. فحمحم بحرج لأنه أطال النظر إليها وقال: أنا... أنا مش عايش لوحدي. متخافيش. أمي وأختي عايشين معايا. ضحكت تمار بسخرية وقالت: لا عادي. عادي حتى لو لوحدك. مبقتش تفرق.
لم يفهم قصدها، وكانت حالتها سيئة جدًا. ترتعش من البرد ومن الأمطار التي بللت شعرها ودموعها تنهمر على وجهها بلا توقف. تنهد قائلًا بحزن: يا آنسة، أرجوكي قومي معايا. أنتي هتتعبي كده وأنا كمان. أنا مش هقدر أسيبك خالص. بجد صعبان عليا أسيبك بالحالة دي لوحدك. نظرت له بحدة حين قال تلك الكلمة وقالت: أنا مش عايزة أصعب على حد. مش مستنية منكم شفقة. أنا أقدر أكمل لوحدي عادي ومش محتاجاكم. وأحاولت أن تمضي بعيدًا عنه،
ودفعته ببطء قائلة: ابعد عني. أنا كويسة. سبني في حالي. ولكن لم تنهِ جملتها واصطدمت بعامود إنارة ووقعت أرضًا. ركض إليها وقال بذهول: أنتي كويسة؟ مش تاخدي بالك إزاي مخدتيش بالك للعامود ده كله؟ تمار نظرت إليه بدموع وهي تفرك جبينها من الألم وضحكت ضحكات سخرية وقالت: لأني مش بشوف أصلًا. مش بشوف أبدًا. نظر إليها بدهشة، فتلك العيون الصافية خدعته. لم يتوقع أبدًا أنها لا عمياء. كان ينظر إليها بذهول وهي تحولت ضحكاتها لدموع وبدأت
في البكاء بشدة وهي تقول: أنا فعلًا أستاهل الشفقة. أنا... أنا... ذنبي إيه طيب؟ وانهارت في البكاء بطريقة جعلت دموعه تتساقط لا إراديًا. حاول الهدوء وقال: احم. تمام. اهدي. قومي معايا. هنتفاهم. قومي. أنتي شكلك أقوى من كده. مفيش حاجة تستاهل تنهاري كده عشانها. وأي ابتلاء من ربنا المفروض منعترضش عليه علشان نؤجر. يا... صحيح أنا أناديكي بإيه؟ قالت في سخرية ويأس: قولي يا آنسة. ابتسم لأنه يعلم أنها تسخر لأنه أعاد الكلمة مرارًا.
قال: ياستي لو بتضايقك مش هقولها خالص. ها بقى أناديكي بإيه؟ قالت بهدوء: اسمي تمار. ابتسم وقال: أهلاً يا تمار. اسمك جميل قوي. أنا عثمان الجارحي. دكتور في الجامعة. خلينا نكمل كلامنا في العربية. ذهبت معه لأنها لا تقوى على السير أكثر ولأنها لا تريد العودة إلى المنزل. ركبت السيارة وقالت: احم. شكرًا. معلش أفرطت وصدعتك. يا ريت تاخدني على عيادة الدكتورة بتاعتي وأبقى شاكرة جدًا. ابتسم وقال:
مش قبل ما تشربي حاجة وتنشفي هدومك. ومش هقبل نقاش أبدًا. بقلم… زهرة الربيع أما عماد فلم يسمع لحازم. انتظر حتى ذهب وظل يبحث عن تمار ومعه صورتها على الهاتف. يدور تحت المطر بقلب موجوع جدًا ويسأل المارة عليها ربما رآها أحد. في الفيلا كان محمد يكاد يجن جنونه بسبب غياب تمار. قال بخوف وانفعال: طب إيه العمل؟ ليه محدش اتصل بيا لحد دلوقتي؟ أنا هتجنن. البنت فين دي؟ كفيفة إزاي تنزل لوحدها؟ ليه عملت كده؟
وليد كان يجري اتصالاته بتوتر ولم يجبه أحد. لا حازم ولا عماد. تقدم على عمه ليهدئه لكن سبقه مراد وقال مسرعًا: اهدأ يا محمد بيه. واقعد. إن شاء الله خير. لو فضلت كده ممكن تتعب. محمد نظر له بدموع وكاد يحدثه، لكن وليد قال بضيق شديد: وهنشوف الخير إزاي؟ واضح إن فيه قدم شؤم أو عين حد مصلاش وهو داخل. صحيح العين فلقت الحجر. نظر له مراد بدهشة وأحرجته كلماته بشدة. أما سما ومحمد فنظروا له بذهول من تفكيره السخيف ورده الأسخف.
محمد قال بغضب: لا وهو أي مكان أنت فيه يتحسد فعلًا يا فلتة زمانك. روح من وشي عشر دقايق. لو متصرفتش وجبت خبر عن أخوك أو عماد وتمار أنا اللي هفلقك بنفسي. وليد قال مسرعًا: أنت معاك حق يا عمي. لازم أطلع أدور عليهم بنفسي. وكانت سمية والدته جالسة معهم. نظر إليها وقال مسرعًا: خلي بالك من عمي يا ماما. هرجع على طول. قالت سمية بتعجب: عمك مين؟ هو مش عمك توفيق مات الله يرحمه؟ وليد قال بيأس: يا ماما...
يا ماما ركزي مرة واحدة في حياتك. عمي ده ده اللي قدامك عمي محمد. إيه فكرك بعمي توفيق دلوقتي؟ ده انتي نسيني أنا ابني. قالت سمية: آآآآه... عمك محمد. ماشي. أنت روح متقلقش يا ابني. هو هيسافر النهارده ولا إيه؟ قال بتعجب: يسافر؟ هيسافر فين؟ قالت بسرعة: هو مش النهارده هيروح يتطوع في الجيش ولا لسه؟ ضرب وليد على جبينه وقال بيأس: يا ختاااااااي. نظر عمه بضيق وقال: هو الحق مش عليها. امشي غور. أنا كويس وسما هنا ومراد.
ولكن قاطعه وليد وقال وهو ينظر لمراد بضيق: معلش يا عمي. مراد مهما كان غريب. وسما هتيجي معايا. جاءت سهر وقالت: أنا هفضل مع محمد. روحوا أنتم. كده كده ملقتش أي حاجة غريبة في أوضتها. قال محمد بغضب: سيبك من الغريب والقريب. أنت هتاخد سما ليه أصلًا؟ عايزني بدل ما أدور على واحدة أدور على الاتنين؟ وليد نظر له بضيق لأنه قال هكذا أمام مراد وقال مسرعًا: مش هنطول يا عمي. وتجاهل حديثه وجذب سما من يدها وذهب بها وهو يقول:
هيه سما عايزة تدور على أختها. أما تمار فقد وصلت مع ذاك الشاب عثمان… لبيته. كانت شقة في أحد المباني الراقية ودخلوا سويا وصعدت معه في المصعد. كان عثمان ينظر لملامحها الجميلة بإعجاب واضح. لمح على جبينها آثار صدمتها بالعامود.. حزن عليها وتنهد قائلًا… أنتي مولودة كده. احم.. قصدي كفيفة من طفولتك يعني.
هنا ظهر الغضب على ملامح تمار وهي تتذكر لحظة خروجها من المخزن وركضها ناحية الدرج وهي في حالة صدمة رهيبة من ما حدث لها. وضعت يدها على أذنيها حين تذكرت لحظة وقوعها من على الدرج. كانت لحظة مؤلمة لم تر شيئًا بعدها. ذهل عثمان من حالتها قال مسرعًا: آنسة تمار حقك عليا. أنا.. أنا آسف والله. أنتي كويسة؟ حاول لمسها أو إبعاد يدها لكن صرخت فيه وقالت:
إياك تقرب. متقربليش. أوعى. أوعى تفتكر إني مش شايفة ومش هقدر أمنعك. والله أقتلك. هقتلك. خليكك بعيد. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!