يفضل الموت على أن تعرف أنه شخص قذر اعتدى عليها وأذهب نور عيناها. لا يوجد خيار غير الطلاق حتى ولو كان صعبًا. أما هي فتكاد تقسم أن أذنيها تكذبان. لا تصدق ما سمعت، أحقًا يريد أن يطلقها؟ قالت بصوت مرتعش: • أنت… أنت بتقول إيه يا عماد؟ نطلق… نطلق يعني إيه؟ قصدي… قصدي ليه؟ هو.. هو أنت.. أنت مش وعدتني هتفضل معايا و.. وهتستحملني؟ أنت… أنت زعلت.. زعلت صح؟
كنت متأكدة… أنت زعلت علشان أنا رفضتك الصبح. بس.. بس أنت عارف إن.. إن ده وضع مؤقت وهنسى.. هنسى علشانك.. هحاول والله. تتساقط دموعه على وجهه بألم وحسرة. لا أعشق غيرك يا فتاتي… لم أتمنى غيرك من الدنيا… ولكن كيف أقول لها ما بداخلي؟ كيف أقول إني مجبر؟ قال بدموع وصوت مهزوز: • تمار أنا.. أنا آسف.. مش هقدر أكمل. ولكن لم ينهِ حديثه، فهي أضعف من أن تتحمل مثل هذه الصدمة. سقطت أرضًا مغشيًا عليها. وسقط قلبه معها من الخوف الشديد.
ركض نحوها وحملها برعب وهو يقول: • تمار.. تمار حبيبتي… حبيبتي ردي عليا أنا آسف. وضعها على السرير وهو يضرب وجنتيها بخفة لتفيق.. ولكن لا جدوى، فكانت في عالم آخر. أخرج جذبه شعره إلى الوراء بخوف وندم وهو يلعن نفسه ألف مرة.. فكم من خيبة وألم سببها لها. ركض إلى هاتفه واتصل بطبيبتها وقال: • الو…. دكتورة صفاء… أنا عماد.. عايزك حالا لو سمحت.
في مكان آخر، بإحدى المناطق السكنية الراقية، يجلس رجل في الستين من عمره يقرأ جريدة اليوم بتركيز. حتى نزلت فتاة جميلة جدًا في الثامنة عشر من عمرها وجلست بجواره قائلة بمرح: • صباح الخير يا أحلى حمادة في الدنيا. ابتسم لها بود وقال: • صباح النور على أحلى عيون. صباحك قمر زيك يا سما. بقى أنا محمد الشامي على سن ورمح يتقالي حمادة.. طب أنا صحابي لو عرفوا إني حمادة هتهزأ والله. ضحكت على كلماته وقالت: • ليه بقى بندلعك يا حمو؟
أصل سوسو ملهاش في الدلع. استمعت إليهم سيدة في عمر الخمسين وضربتها بخفة على رأسها وقالت: • هيه سوسو كانت جات جمبك؟ ضحكت سما وهي تفرك رأسها. بينما قال محمد بجدية هادئة: • سيبك من البكش بتاعك وقوليلي بتذاكري ولا مقضياها مشاوير وفسح ومطنشة؟ قالت بثقة: • لا متخافش عليا أنا مذاكرة كويس. ولكن بترت حديثها عند سماعهم صوت عالي، وأحدهم يقول: • بس انتي وهيه بس.. بس بقى فضحتونا.
ركضت سما ومعها محمد ناحية الصوت. أما سهر فتنهدت بيأس وفضلت المكوث مكانها تتصفح أحد المواقع على الهاتف. محمد وسما دخلا أحد الغرف وكان بها شاب وسيم في الخامسة والعشرين من العمر. كان يقف بين فتاتين في محاولة منه تهدئتهما، أما هما فكانا يتعاركان بشدة. حتى قال بصوت عالٍ جاد: • أقسم بالله يا هدير انتي وسلوى.. لو مابطلتو خناق.. ل.. ل… لأرفع بالصوت وألم عليكم الشارع كله. هنا ضحكت سما بشدة، بينما قال عمها محمد بسخرية:
• لا راجل يلا هتلم عليهم الشارع وتفضحهم ولا هتفضحنا إحنا. مين دول يا دنجوان عصرك؟ ابتسم وقال وهو يشير إليهم: • دي سلوى ودي هدير.. كل المشكلة إننا عاملين طلعة وسفاري وكده مع أصحابنا.. وكل واحدة فيهم عايزة تيجي معايا يا عمي. هدر به بغضب وقال:
• جاك عمي يعمي عنيك زي ما عمي قلبك.. أنت عبيط يلا واقفلي وعمال تتخانقو عليك، انتو طلعتو كده إزاي أنا مش فاهم. حضرتك فلاتي وأخوك سكري ومجنون… شوف ٥ دقايق لو متصرفتش وبطلت فضايح هبقى قليل ذوق وأطردهم وهطردك معاهم إيه رأيك بقى. أنزل رأسه أرضًا بحرج وقال: • احم.. تمام.. أنا هحل الموضوع حالا. ارتاح أنت يا عمي ومتقلقش.
رمقه العم بنظرات حادة وخرج قبل أن يفقد صوابه. أما سما فضحكت عليه وذهبت وراء عمها. لكن أمسك يدها قبل أن تخرج وقال مسرعًا: • بقولك إيه متيجي انتي معايا وأكنسلهم الاتنين. أبعدت يده بضيق وقالت: • ما تحل عني يا أخي أنت مبتزهقش… شوف يا وليد يا حبيبي.. أنت ابن عمي ونصيحة ليك متحلمش بأكتر من كده. نظرت إليه بمشاكسة وقالت: • هو المفيد في الموضوع إنك قولتي حبيبين. نظرت إليه بحنق وذهبت وهي تقول: • يا أخي خنقتني بقى.
ضحك وليد وقال بصوت عالٍ ليصل إلى مسامعها: • مسيرك انت كمان تخنقيني وفي المحاكم ترجيني. أنهى هذه الجملة ونظر للفتاتين وقال: • يلا نستأنف الخناقة يا بنات بس بصوت واطي علشان عمي.. يلا ابدأ. حين خرجت سما من غرفة وليد كان عمها في انتظارها وقال: • سما يا حبيبتي اختك وابن عمك هييجوا يقعدوا معانا. عماد بيقول إن حالة اختك مش تمام وهو حابب نخفف عنها. تنهدت سما بحزن فهي أعلم الناس بحالة أختها وقالت:
• عمرها ما هتتحسن يا عمي في نار في قلبها.. مصرة تعرف مين اللي عمل فيها كده ومعاها حق. تنهد عمها وقال: • كلنا عايزين نعرفه يا بنتي بس هنعمل إيه محدش قدر يعرف هو مين. ربنا يصبرها. أنا بس حابب نقف معاها. أنتي عارفة مفيش غيرك أوصيه.. أنتي وسهر ولاد عمك دول إيدي منهم والقبر سواء وليد ولا حازم أخوه الاتنين في الضياع. وطبعاً أمهم انتي عارفاها. قالت مبتسمة:
• متقلقش يا عمي أنا وانت وطنط سهر وعماد ومتنساش دادا سعاد. كلنا هنكون معاها.. متشلش هم. تنهد عمها بحزن وقال: • أنا شلت الهم من ساعة ما إخواتي الاتنين اتوفوا.. وسابوكم كلكم معايا. خايف قوي يسألوني بعدين عنكم قدام ربنا وبذات اللي حصل في تمار وأنا مقدرتش أعمل حاجة. ابتسمت سما وقالت بحب:
• أنت تاج راسنا ياعمي. محدش يعمل اللي انت عملته. أنت استحملتني أنا وتمار وربيتنا وكبرتنا وكمان استحملت طيش وليد وحازم مع إنك مش مضطر. ربنا هيكافئك على كل ده.. ولو إني شايفه إنه كافئك بعماد.. أحسن واحد فينا كلنا. ربنا يخليهولك. أما عماد فقد كان يقف بجوار الطبيبة والقلق يكاد يقتله. قال مسرعًا: • مالها يا دكتورة… إيه اللي حصل… تنهدت الطبيبة ونظرت له بضيق وقالت:
• المفروض أنا اللي أسأل إيه اللي حصل يا أستاذ عماد… أقدر أعرف إزاي أغمى عليها. أنزل رأسه أرضًا واصطنع عدم الاستيعاب وقال: • احم.. مش فاهم.. إحنا.. احم كنا بنتكلم و.. وفجأة أغمى عليها. تنهدت الطبيبة وقالت:
• أنا مش عايزة أعرف انت قولتلها إيه.. كفاية نظرات الندم اللي على وشك… بس انت عارف إن مراتك من بعد اللي حصل بقت مش حمل صدمات… فلو سمحت… حاول تتكلم معاها وتشرح لها كل حاجة مهما كانت صعبة أحسن ما تتفاجأ بيها.. هي شوية وهتفوق.. يا ريت تحاول تخليها هادية.. ولو احتاجتني في أي وقت اتصل عليا من غير تردد. قالت الطبيبة كلماتها بعملية وخرجت.. وعماد جلس بجوار تمار مقبلًا يدها ودموعه لا تتوقف.
يكاد قلبه ينشطر نصفين. حتى ظهرت ابتسامة ذابلة على وجهه حين فتحت عيناها الجميلتان بتعب شديد. قال عماد بلهفة: • تمار.. حبيبتي انتي كويسة.. سمعاني؟ جلست مسرعة وقالت: • عماد.. أنا.. أنا كنت بحلم صح.. أنت.. أنت كنت عايز تط… لكن أسرع بوضع سبابته على شفتيها الناعمتين وقال مسرعًا: • مكنتش عايز حاجة.. مش عايز غيرك من الدنيا.. أنا آسف.. هزار تقيل كنت عايز أعرف غلاوتي عندك.. بس طلعت غالي قوي. بلع ريقه بصعوبة وقال:
• أه.. أه طبعًا هزار… أنا… أنا بحبك… أطلقك إزاي بس.. بقولك إيه قومي كده وفوقي علشان أنا كلمتهم في البيت ومستنينا. قال كلماته وهم بالخروج. ولكن أمسكت يده وقالت: • أكيد مفيش حاجة عايز تقولها يا عماد… احم أنا عارفة إني صعبتها عليك بس غصب عني اتفاجأت بس أنا تمام دلوقتي صدقني… لو فيه حاجة قولها.. وأنا هسمعك.. أنا حابة أسمع اللي في قلبك. تنهد بتعب شديد وقبل جبينها وقال:
• مش عايز غير أشوفك مرتاحة يا تمار… أنا آسف على كل حاجة يا قلبي. بعد ساعات كان قد انتهى من تجهيز حقائبهم. حين قالت تمار ببرائة: • مش شرط تاخد كل حاجة. إحنا بإذن الله مش هنطول، كام يوم ونرجع مش كده. تجمعت الدموع في عينيه عندما نطقت بهذه الكلمات. حاول جعل صوته طبيعيًا وقال: • احم.. إن شاء الله… إن شاء الله نرجع. وحمل الحقائب ووضعها بالسيارة. وهم بالدخول لإحضار تمار. لكن وصله اتصال من حازم. رد عليه بجمود وقال: • نعم.
رد الآخر بسخرية: • بس بطمن عملت إيه. قال عماد بدموع: • حازم.. حازم والله أنا حاولت… بس.. بس تعبت جدا.. ارجوك.. بس لحد ما تكمل علاجها. ولكن لم ينتظره ينهي كلامه قال مسرعًا: • النهارده يا عماد.. النهارده آخر مهلة ليك.. لو مكلمتهاش.. هكلمها أنا.. ولا أقولك.. أنا هبعت لها الفيديو حالا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!