آنا ياتمار الي اعتديت عليكي… أنا عارف إن دلوقتي بخسرك للأبد… وإن مفيش فايدة من كلمة آسف أو سامحيني… سواء ليكي أو لأي حد هنا. كان الجميع في حالة ذهول شديدة… والدته لطمت بقوة وأخذت تلطم نفسها عدة لطمات وهي تقول: “لا… لا يا نهار أسود يا نهار أسود.” ركضت إليها سما تمنعها مما تفعله… ووليد كان ينظر لما يحدث بصدمة… أما محمد فقد تجمد مكانه مثل التمثال لم يتحرك ولم ينطق.
أما حازم فقد كان مثل الذي انسكب عليه ماء بارد في فصل الشتاء… وضع يده على رأسه وجلس بيأس وزهول… يكاد يجن من فعلة عماد. أما الصدمة الأكبر فقد كانت من نصيب تمار التي وقفت وقدماها ترتعش ودموعها تتساقط… وكل شبر بها يرتعد مما سمعت. ابتلعت ريقها وكأنها تبتلع الأشواك وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
“أنا… أنا مش مصدقاك… ومش هصدق… مهو… مهو أنت صحيح طلقتني… واتجوزت عليا وعملت كتير يزعلني… وتمام… تمام أنا… أنا زعلت منك بس… بس لا أنت… أنت فضلت ابن عمي… و… وحبيبي… وقلبي… اللي عمره… عمره ما أذاني… مستحيل… مستحيل أصدق… أنت متعملهاش… متعملهاش… مش أنت أكيد أكيد.” وأخذت تدور في المكان بصدمة وهي تقول:
“سكتوا ليه يا جماعة… اتكلموا… مفيش حاجة… ميعملهاش أنا بقولكم أهو… حتى لو قال كده… بس لا لا ميعملهاش… أنا… طب… طب أنا مش هصدقك إيه رأيك بقى مش هصدقك… أنت كداب… أنا أصدق أي حاجة إلا كده.” وارتعد صوتها بشدة ودموعها ازدادت… واقتربت منه تهزه قائلة: “متسكتش كده… قول إنك بتهزر… قول… أنا… أنا مستحيل أعمل فيكي كده… أنا… أنا اتقتلت يا عماد… واتعميت… اتعميت بسبب الشخص ده… مستحيل تكون أنت.”
لكن عماد كان يضع رأسه أرضاً ودموعه تتساقط بغزارة ولا يستطيع النظر إليها… ويبكي بقوة. ابتعدت عنه حين سمعت صوت بكائه المكتوم وصرخت بقوة قائلة: “لا… لا مستحيل…” ووقعت أرضاً وركض الجميع إليها وهي تصرخ قائلة: “لو أنت أبقى أنا انتهيت… انتهيت يا عماد… لاااا… لاااا… أنا جي في بالي كل الناس إلا أنت… إلا أنت… والنبي لااااااا.”
كانت سهر تحتضنها وتبكي وسما أيضاً… بينما كان يقف محمد مثل ما هو لا يحرك ساكناً… وعماد كان يشعر أن الأرض تدور به مما يحدث أمامه… فقد حطم الجميع… فقد خسر كل عائلته. قال بدموع: “أنا… أنا اتصلت بالبوليس… زمانه جاي… أنا خلاص هعترف بكل حاجة.” هنا سهر وقفت وهي تبكي قائلة: “أنت بتقول إيه… لا لا.” وكادت تقترب منه ولكن محمد أمسك يدها بقوة قائلاً بجمود: “سيبيه… ده مكانه الحقيقي… إحنا كان عندنا ولد… ومات… استعوضي ربنا فيه.”
بكى عماد بقوة وأمه أيضاً وأخذت تترجاهم قائلة: “لا لا والنبي يا محمد لا… والنبي تسامحوه بس متحبسوهوش والنبي.” لكن محمد قال بجمود: “اللي هيقف معاه… هيبقى زيه… ملوش مكان هنا.” كانت تمار ترتعش وتضم قدماها إليها وهي تبكي بانهيار شديد… حالتها كانت صعبة جداً… أسوأ من أول يوم علمت فيه ما حدث لها… كانت أسوأ من أي يوم مر بها. كانت سما تحتضنها بقوة وتحاول تهدئتها وقالت بصوت عالٍ: “اطلبوا الدكتورة بسرعة يا وليد.”
ركض وليد يخبر الطبيبة… بينما كان عماد ينظر إليها بدموع… وألم… تمنى أن يذهب إليها ويضمها ويهدئها… لكن كيف وهو الجاني. نظر له حازم بغضب رهيب… فقد أفسد كل خطته من بدايتها لنهايتها باعترافه لها… فقد أحرق كرته الرابح الذي كان يهدده به وينفذ كل مطالبه لأجله. سمع الجميع صوت سيارة الشرطة… ونظر عماد لتمار بدموع… وابتسم وسط دموعه قائلاً: “ربنا ياخدلك حقك مني يا تمار… ربنا ينتقم مني… ومشوفش النور أبداً تاني زي ما حرمتك منه.”
وقال كلماته بمنتهى الألم… ودخلت الشرطة ووضعوا الأصفاد في يديه وأخذوه معهم. وقفت تمار حين سمعت خطواتهم وصوت الأصفاد… وكاد قلبها يخرج من بين ضلوعها… رغم كل ما يحدث تتمنى أن توقفهم… لا تريده أن يسجن… لم تتحمل كل هذا الاضطراب وكل هذا الألم… ووقعت على الأرض مغشياً عليها. صرخت أختها باسمها… ونظر عماد إليها وهم يأخذوه… وقدماه لا تريد الابتعاد… وأخذوه بصعوبة وهو ينظر إليها ملقاة على الأرض. ركضت علياء ورائه قائلة:
“متخافش يا عماد أنت عملت الصح… وأنا مش هسيبك وهقوملك محامي و…” قاطعها قائلاً وهو يصعد إلى سيارة الشرطة: “أوعي يا علياء… أوعي… أنا أستاهل العقاب وأكتر من كده… أنا مستحيل أقف ضد تمار في المحاكم.” ذهبت سيارة الشرطة… وأوقفت علياء سيارة أجرة وتبعته. في فيلا الوزان كان الجميع حول تمار يقفون بقلق عليها… وخرجت الطبيبة قائلة: “حالة انهيار حاد… أنا شايفه إنها تروح المستشفى.” وقاطعها محمد قائلاً:
“سبق وقلت لحضرتك إني مش هدخلها مستشفيات… زي ما خافت الأول هتخف تاني… أرجوكي يا دكتورة اتصرفي وميهمكيش أي مبلغ.” تنهدت قائلة: “طيب… طيب… مبدئياً لازم تاخد الأدوية دي علشان تهدى شوية… وعلشان تعرف تنام… وهنرجع علاجها اللي وقفناه… يعني بمعنى أصح هنرجع من الصفر.” أما عماد فقد خرج من غرفة التحقيقات بعد أن اعترف بفعلته… وأمر بترحيله إلى النيابة. كانت علياء تنتظره بالخارج وتقدمت عليه قائلة:
“متقولش يا عماد… ربنا هيكون معانا بإذن الله.” ابتسم قائلاً: “شكراً يا علياء… تقدري تروحي خلاص… أنا مش هدافع عن نفسي أبداً… ده حق تمار وأنا هاخده… روحي أنتِ وحاولي توصلي لأخوكي… كده خلاص حازم مبقاش محتاجك معاه… ولو حب يستفزك تاني هدديه إنك هتحكي لعمي عنه وعن تهديده لينا… أنا مرضتش أقوله إنه عارف كل حاجة وبيستغل تمار علشان إنتي تقدري ترجعي أخوكي… هدديه إنه لو ماسابهوش هتتكلمي.” ولكن قبل أن ترد سحبه الضابط قائلاً:
“يلا يا أخويا أنت هترغي كتير.” ذهب عماد معه وهو يقول بصوت عالٍ: “قولي له إنك هتقولي لعمي… ماشي.” ذهب عن أنظارها… وجلست تبكي بقوة على هذا المسكين. في البيت فتحت تمار عيونها التي لا قيمة لها… أما للمحيطين حولها فقد كانت مفيدة وجعلتهم يدركون أنها عادت لوعيها. ابتسم محمد قائلاً: “تمار يا بنتي… أنتِ كويسة.” نظرت له بدموع وقالت: “أنا بخير يا عمي.” تنهد براحة شديدة فقد تكلمت عكس المرة السابقة… التي فقدت بها النطق لأسابيع.
قالت تمار بدموع: “سما هنا.” ردت سما بحزن وقالت: “أيوه يا حبيبتي أنا هنا.” ابتسمت بدموع قائلة: “ليه كدبتي يا سما؟ ليه قولتيلي إنه مكنش في الخيمة؟ أنا… أنا كنت متأكدة… أنا مش محتاجة عيوني علشان أعرف بوجوده.” بكت سما وقالت بدموع: “والله يا حبيبتي أنا كنت هقولك… وهو فضل يبصلي ويمنعني أتكلم… قولت أفهم منه وأقولك اللي حصل… بس… بس اعترفلي باللي عمله وجريت عليكي فوراً علشان أحكيلك… بس خلى رجالتو خطفوني.” نظرت إليها
بذهول وقال محمد بدموع: “إنتي بتقولي إيه؟ رجالة مين؟ عماد خطفك؟ سما قالت بدموع: “أيوه يا عمي… يومها اختفيت في الرحلة… حتى اسأل وليد هما دوروا عليا كتير.” قال وليد بسرعة: “معاها حق… اختفت ودورنا عليها بس ملقنهاش.” قالت سما ببكاء: “هددوني إني لو حكيت هيقتلوكي… وزي… زي ما زقك من على السلم وعماكي يقدر يقتلك بسهولة.” قالت بدهشة: “زقني؟ هو مين اللي زقني؟ أنا وقعت لوحدي.” قالت سما بدموع:
“أنا كنت فاكرة زيك كده… بس رجالتو قالوا إنه هو زقك علشان كده وقعتي… غصب عني سكت يا حبيبتي سامحيني… خفت عليكي والله.” قال محمد بذهول: “أنا مش مصدق… هو هو اللي بتتكلموا عليه ده عماد؟ عماد ابني؟ ده أنا… ده أنا كنت فاكر نفسي ربيت… وإن تربيته أحسن تربية… إزاي… إزاي كده.” نزلت دموع تمار بشدة وخرج محمد قائلاً بدموع: “أنا هطلع أشم هوا.” تنهدت تمار بدموع وقالت: “وأنا حابة أقعد لوحدي… ممكن… ممكن تسبوني.”
تنهدوا بحزن وخرجوا… وظلت سما أمام غرفة اختها… جلست على الأرض وهي تبكي بشدة. جلس وليد بجوارها ونظر إليها بدموع… فاحتضنته وهي تبكي بقوة وقالت: “أختي يا وليد… كسر قلبها… هي مكانتش ناقصة أبداً.” تساقطت دموعه لحزنها وقال بدموع: “خليكي قوية علشان تقوي بيكي… مينفعش نضعف دلوقتي… هي محتاجانا… ماشي يا قلبي… اهدي.” ابتعدت عنه قائلة بحرج: “احم… شكراً يا وليد.” قال وليد بمرح زائف ليخرجها من ما هي فيه… وهو يشدها لحضنه مرة ثانية:
“بس برضو مفيش مانع تطلعي اللي جواكي… ارمي على كتفي… الكتف ده شيال.” ابتعدت عنه وضحكت بخفة وقالت: “مفيش فايدة فيك أبداً.” كاد يرد ولكن جائتها مكالمة… نظرت للرقم وأجابت قائلة: “أيوه يا مراد.” وقف وليد وقد تغيرت معالم وجهه… وأكملت سما قائلة ببكاء: “فيه حاجات كتير حصلت وأنا محتاجالك جنبي قوي يا مراد… أنت فين؟ وصمتت قليلاً لتسمعه ثم قالت بحزن: “في الشغل… لا… لا أبداً… أنا… أنا تمام… أحكيلك لما ترجع.”
ابتعد وليد وتركها تحادثه وقلبه يتقطع. أما علياء وصلت شقتها وجائتها مكالمة… وردت بحزن قائلة: “الو.” فجأتها صوت عثمان قائلاً: “أيوه يا دكتورة… أنا جبت الملف… وقالولي إنك كلمتيهم وعلشان كده وافقوا يدوهولي… بكلمك علشان أسألك… إنتي متأكدة من اللي هنعمله ده؟ يعني نقدمه للعميد… إنتي كده هتخسري شغلك.” ابتسمت بدموع وهي تنظر للبيت الذي أصبحت وحيدة فيه… وقالت:
“متأكدة يا دكتور… أنا هتصرف في شغل تاني… أنت برأ نفسك بس… أهم حاجة زي ما قولتلك… محدش يعرف إني ساعدتك في الموضوع ده.” أغلقت الهاتف وجلست بحزن شديد. أما حازم فقد كان يدور في غرفته ذهاباً وإياباً بغضب شديد… كيف فاجأه بهذا الشكل… كيف لم يلاحظ أنه سيعترف بكل شيء… لقد خسر كل خطته… لم يعد يمسك عليه شيئاً… ربما يعود يوماً ما ويتصالح معها… كل ما فكر بالأمر يزداد غضباً.
جائته رسالة صوتية على هاتفه وسمعها واستشاط غضباً… فقد كان تسجيل لمكالمة علياء وعثمان… تلك المسكينة لا تعلم أنه يتنصت على هاتفها. احتدمت عيناه بغضب مرعب… وكاد يكسر الهاتف… ولكن ابتسم بخبث وبعث رسالة لشخص ما وكتب: “الشاب اللي عندكم قد ما يعوز ادوله… سيبوه يتعاطى قد ما هو عايز ومن أي نوع.”
مر أسبوع وعلياء تحادث حازم ولا يرد على اتصالاتها أبداً… تريد أن تطبق خطة عماد وتخرج أخاها… لكنها لم تصل إليه أبداً… فقد حظر اتصالاتها… كما أنه لم يخرج طوال الأسبوع. وتمار كانت على نفس حالتها… تبكي طوال النهار… وأحياناً تدخل بحالة من البكاء الهستيري أو الانهيار العصبي. حتى جاء يوم محاكمة عماد الأولى… وذهبت كل عائلته ليحضروا محاكمته… حتى تمار أصرت على الذهاب وأخبرتهم أنها تريد أن تسمع الحكم عليه.
جاء العسكري ومعه عماد… ووضعه خلف قفص الاتهام… وكانت حالته سيئة جداً… يبدو عليه أنه لم يأكل أبداً… وعيناه بلون الدم… ويبدو اليأس على ملامحه. انفجرت والدته بالبكاء وركضت إليه تمسك بيده وتقبلها بدموع… وهو أيضاً… بينما نظر له والده بشوق ودموع… ولكن من بعيد… ولم يذهب إليه. نظر عماد لتمار التي كانت تجلس ودموعها على وجهها… كم تمنت لو تراه… ليس لأنها تريد أن تنتقم مثلما أخبرت الجميع… بل لأنها تشتاق إليه بشدة.
ابتسم عماد حين رآها… وكانت علياء تقف بجانب القفص بحزن وتدعو له… فهي لا تملك شيئاً آخر بعد أن رفض كل المدافعين. بدأت الجلسة… ولكن قبل النطق بالحكم حدثت مفاجأة هزت أرجاء المحكمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!