تحميل رواية «نظرة عمياء» PDF
بقلم زهرة الربيع
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تفتكر هتفضل تحبك بعد ما تعرف إن انت اللي اغتصبتها وكمان اتعميت بسببك؟ أنا رأيي تفكر يا عمده وبلاش تهور. ابتلع ريقه برعب دب في أعماقه وقال: • …انت…انت بتهددني يا حازم؟ ضحك الآخر بسخرية وقال بخبث دفين: • أنا بنبهك يا حبيب أخوك.. مش عايزك تغلط وتندم.. أنت اتجوزتها عشان تلم الدور وعملت نفسك الشهيد قدام أهلك… البطل اللي حمى شرفهم واتجوزها بعد اللي حصل لها… وقدامها هي المنقذ اللي أنقذها واتجوزها وهي عمية ومهتمش… بس تخيل بقى لو هي وأهلك عرفوا إنك أنت أساسًا اللي عملت كده وأنت اللي اعتدت عليها واتعميت ب...
رواية نظرة عمياء الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم زهرة الربيع
تضحك ما تقصد حين شقت قميصها وقالت بصراخ شديد:
"يا حيوان يا ابن الكلب، ابعد عني الحقونيييييي!"
كان عثمان ينظر لها بذهول من ما تفعله ولم يسعفه الوقت لفعل أي شيء، حيث قال حازم بصوت عالٍ ليسمع الجميع:
"ده صوت دكتورة علياء مراتك يا عماد الحقني!"
نظر لعماد بنظرة تهديد، فركض مسرعًا لخيمتها، وتبعته الطلاب والمديرون.
بمجرد دخولهم الخيمة، زهل الجميع وأخذوا يتهامسون، وعلياء كانت تبكي بشدة وقالت:
"الحقني يا عماد، الحيوان ده اتهجم عليا، كان عايز يعتدي عليا السافل."
غمض عماد عينيه بحزن وهو ينظر لهذا المسكين الذي يقف متجمدًا مكانه.
نظر العميد لعثمان وقال بغضب:
"أنا مش مصدق.. أنت تعمل كده.. اتفضل معايا يا دكتورة."
هنا دخلت تمار مع حازم، الذي قال:
"الأحسن إنك مش بتشوفي الي اسمه عثمان ده مبهدلها قوي.. أخس على الرجال."
زهلت تمار من ما سمعت وصوت بكاء علياء وهي ترتجف وتقول:
"قالي فيه تعبان في خيمتك وأنا سبته يدخل، وأول ما دخل بقى يعتدي عليا."
كان عثمان لا يعقب أبدًا وينظر لها بسخرية وزهول من اصطناعها الذي كاد هو أن يصدقه.
كانت رؤى تنظر إليهم بصدمة، واضعة يدها على فمها بذهول، والشباب يقفون ينظرون إلى علياء وملابسها الممزقة، وكانت تجذب ملابسها لتستر نفسها. فأخذ عثمان الروب وتقدم عليها ووضعه على أكتافها ليستره بها، وهز رأسه شمالًا ويمينًا أسفًا عليها.
هنا انهمرت دموعها بخجل وهي تنظر إليه برجاء أن يسامحها.
قال عثمان بغضب:
"كله يرجع على خيمته.. يلا، فيه مسرحية هنا."
ارتاعب الطلاب من صوته وركضوا وهم يضحكون ويتهامسون عليه، بينما نظر عثمان لعماد الذي يقف ينظر إليهم بجمود، وابتسم واضعًا يده على كتفه قائلًا:
"حمد الله على سلامة المدام يا أستاذ عماد."
ابتسم ساخرًا وخرج مع العميد، ولكن وقعت عيونه على تلك التي تقف ترتجف مكانها، فهذا الموقف يذكرها بذكريات مؤلمة تتمنى نسيانها.
اقترب منها وقال بهدوء ودموع:
"تمار… أنا.. أنا ما يهمنيش غيرك.. أكيد انتي عارفة إني ما عملتش كده…"
صاحقالت بصوت مهزوز:
"مش عارفة… أنا مبقتش أثق في أي حد يا عثمان.. مابقاش فيه حد أقدر أقول ده ما يعملش كده."
قالت كلماتها وخرجت، وخرج عثمان مع العميد بحزن.
جلس عماد واضعًا يده على رأسه ودموعه تنهمر من هذا الموقف السخيف، ووقعت علياء أرضًا تبكي بانهيار شديد، وتتذكر نظراته لها، كانت بها من خيبة أمل وخذلان وأسف، ما يجعلها تحتقر نفسها إلى الأبد.
نظر لها عماد بدهشة إن كانت تتألم لهذه الدرجة، فترى ما الذي يجعلها توافقه على كل ما يقول.
أما حازم فقد نظر لعماد بغضب وصفق بسخرية قائلًا:
"لا برافو.. برافو عليك تاخد الأوسكار في التمثيل، واحد داخل لقى شخص بيتهجم على مراته يقف يتفرج وهو ساكن إلا ما شتمته حتى."
وأكمل بغضب شديد وقال:
"لآخر مرة هقولك يا عماد… متختبرش صبري عليك، هعديهالك المرة دي علشان ملحقتش أقولك تعمل إيه بالظبط.. لكن مش هعديلك حاجة تاني، فاهم؟" وخرج بغضب شديد.
وقفت علياء ودموعها لا تتوقف وقالت:
"عن إذنك ممكن تطلع؟ عايزة أغير."
نظر لها عماد بدهشة وضحك ساخرًا وقال:
"ونعم الأخلاق.. أنا عايز أفهم طالما حضرتك مضايقة أوي كده وعندك دم وبتحسي إزاي توافقي على موضوع زي ده؟"
نظرت له بحدة وقالت:
"زي ما حضرتك موافق كده بالظبط يا أستاذ عماد، أظن اللي بيته من قزاز ما يحدفش الناس بالطوب."
قال بذهول من حديثها:
"أيوه بس انتي عارفة ظروفي وفاهمة أنا عملت كده ليه، أنا مضطر."
قالت بدموع:
"أنا كمان مضطرة، بس انت متعرفش ظروفي… ولا تعرف ليه بعمل كده… يبقى مفيش داعي تسمم بدني بالشكل ده."
ووضعت يدها على وجهها تبكي بشدة قائلة:
"من غير حاجة أنا مش قادرة أستحمل."
تنهد عماد بحزن، فحتمًا هناك ما يجبرها على هذا الوضع. اقترب منها وجلس بجوارها قائلًا:
"طب اهدي.. اهدي واحكيلي يا علياء.. على الأقل تشيلي من على قلبك… مفيش أسوأ من اللي عرفته عني.. مكسوفة من إيه؟ احم.. هو انتي.. انتي فيه بينك وبينه حاجة؟ ماسك عليكي حاجة زي اللي ماسكها عليا؟ بينكم حاجة يعني؟"
زادت دموعها بحزن شديد وقالت:
"ياريت.. ياريت كان هيفضحني أو هيقتلني.. كنت قبلت الأذى على نفسي ومقبلتوش على غيري بالشكل ده… البني آدم اللي أنا غدرت بيه انهارده.. واللي دخل الخيمة علشان يساعدني.. هو اللي شغلني في الجامعة… وهو اللي اتوسطلي.. وأنا انهارده طلعتُه منها ونهيت مستقبله ومش قادرة أستحمل الوجع مش قادرة."
تنهد عماد يسمعها بانصات، وهي قالت ببكاء:
"بابا سافر يشتغل في بلد عربي واتقتل هناك.. مقدرناش نلم جثته حتى ولا نعرف له قبر، ووالدتي تعبت بعده وماتت بعده كمان وسابتنا أنا وكريم أخويا لوحدنا في الدنيا… هو ملوش غيري وأنا مليش غيره."
ابتسمت وسط دموعها وهي تتذكر وجه أخيها قائلة:
"كريم صغير في أولى جامعة.. عمره ما سقط ولا كان مستواه عادي كان من الممتازين.. لحد ما.. لحد ما من شهرين اتعرف على الشطان ابن عمك.. كانوا يخرجوا سوا ويعرفوا على بنات ويدخلوا أماكن عمره ما راحها… كان معاه حبوب بياخدها منه.. كان كل ما يحس بصداع ياخدها.. كان فاكرها حبوب للصداع."
اتسعت عيون عماد بذهول وقال:
"أمال هي إيه؟"
بكت بشدة وهي تقول:
"حبوب مخدرة مكانش عارف أبدًا.. كانوا بيقولوا هتريحك وكانت فعلاً تريحه من تعب المذاكرة والسهر لحد ما اتعود عليها بقى يترجاه علشان يديه منها ويسمع كلامه في أي حاجة.. في مرة تعب ومبقاش قادر وبقى يصرخ عايز الحبوب دي.. فحست بحاجة غريبة وأخدته فحصته وطلع… طلع مدمن بنسبة كبيرة… الموضوع كان كسرة ضهر بالنسبالي.. حاولت أعالجه أو أدخله مصحة بس رفض وكان مصر يرجع ياخد الحبوب ومكنتش قادرة عليه."
"وفي يوم رجعت من الشغل ملقتوش بقيت أرنله بس معرفتش أوصله لحد ما رنلي حازم وأداني عنوان أروح عليه وياريتني ما روحت."
وظلت تبكي بانهيار قائلة:
"روحت للمتصل ولقيته حازم أنا اتصدمت.. لأني أعرف حازم من زمان… كان.. كان اتعرف عليا في النادي وطلب مني طلب وقح زبالة.. وأنا.. أنا غلطتي إني ضربته قدام الناس."
عماد قال بغضب:
"وده أقل واجب."
عليا بكت بشدة وقالت:
"ياريتني ما عملت كده ياريت.. انتقم مني في أخويا… لما روحتله الشقة اتصدمت… لقيتو مشغله عندي زي الكلب وبيأمره وبينفذ أي حاجة مهما كانت المهم يديه الحبوب كان معاهم بنات وكانوا بيعاملوا على إنه خدام وكان موافق لابس لبس غريب وبيتصرف بطريقة غريبة المنظر كان بشع."
كانت تبكي بقوة ولا تستطيع أن تسيطر على حالة الانهيار التي تملكتها، وكان عماد ينظر لها بدموع فحالتها موجعة جدًا. أكملت وقالت:
"حاولت آخده معايا بس مرضيش.. قالي إنه مرتاح.. طبعاً هو مكانش مرتاح أبداً بس كان بيديه الجرعات بنسبة أقل وهو كان بيستناها بفارغ الصبر.. بس أنا نويت أجيب البوليس وأخده وأحطه في مصحة لحد ما يخف.. لكن فاجأني السافل ابن عمك لما لقيتو عامل فيديوهات كتير وهو بيتعاطى وهو في أماكن مشبوهة وبيوت وسخة مع بنات مسجلين.. قالي هيُنهي مستقبله هيسجنه وهيُسجنه… اضطريت أوافق على كل اللي يقوله.. من شهرين وأنا عبد عنده وبعمل كل اللي بيقوله.. بقيت أوافق أي حاجة.. مقابل بس إنه يفضل يخفف له الجرعة وميحبسوش… معنديش غيره يا عماد… معنديش.. أنا.. أنا هموت لو جراله حاجة.. أنا لوحدي في الدنيا وكنت عايشة ليه."
كانت دموع عماد لا تتوقف، فلو رآها حجر لرق لحالها ولدموعها. اقترب منها ووضع رأسها على كتفه. بكت بقوة وهي تقول:
"أخويا راح يا عماد راح اللي كنت عايشة علشانه راح… انت مشوفتش كريم يا عماد… كان.. كان من الأوائل.. دلوقتي له شهرين مش بيروح الجامعة.. حياته اتدمرت.. وتعب جدا جدا.. أنا مبقتش عارفة أنقذه دمره السافل ربنا ينتقم منه."
وكانت تبكي بقوة وعماد تذكر ما حدث له من ذاك الشيطان هو أيضاً دمره ودمر الكثير بسببه. نظر أمامه بغضب شديد وهو يفكر بأمر خطير.
بعد قليل من الوقت وقفت وقالت:
"أنا.. أنا آسفة دوشتك وانت مش ناقص."
ابتسم عماد بدموع وقال:
"أنا هخلصك من كل ده… أنا هحررك انتي وأخوكي منه خليكي واثقة إني هساعدك."
نظرت له باستغراب وقالت:
"انت ناوي على إيه؟"
ابتسم عماد وقال:
"مش مهم.. المهم إني.. إني مشوفتش بنت أجدع منك.. وربنا يكافئك متقلقيش… أنا هسيبك تغيري هدومك.. عن إذنك."
خرج عماد وتركها تنظر لطيفة بتعجب وخوف، ترى ما الذي يفكر به.
أما عثمان فقد كان يقف أمام العميد الذي قال بغضب:
"أنا مش عارف إزاي يطلع منك تصرف زي ده.. إزاي… تعتدي على زميلة ليك أنا مش مصدق."
قال عثمان مدافعاً عن نفسه:
"يا حضرة العميد… انت عارفني كويس.. معقولة أنا أعمل حاجة زي دي… دي بتكدب، قالتلي فيه تعبان في الخيمة دخلت أساعدها لقيتها بتصرخ وتعمل اللي عملته ده."
تنهد العميد بضيق وقال:
"هتفضح نفسها ليه بالشكل ده… فيه بينكم حاجة؟"
قال عثمان:
"ده اللي مش قادر أفهمه.. أنا.. أنا مفيش بيني وبينها أي خلاف."
وقاطعه العميد وقال:
"انت مرفود يا دكتور… للأسف مش هينفع تكمل معانا…. ياريت أول ما نرجع تقدم استقالتك وتحمد ربنا إنهم مبلغوش البوليس وعملوا شوشرة."
ابتسم عثمان ساخرًا وقال:
"شوشرة… لسه فين شوشرة أكتر من اللي حصل.. على العموم شكراً على ثقتك الغالية يا سيادة العميد."
خرج بغضب شديد وهو يفكر بأمر علياء والذي فعلته به، كاد يذهب لخيمته ولكن تفاجأ بها تنتظره في زاوية قائلة بخوف وحرج:
"أستاذ عثمان ممكن نتكلم؟"
ترى ما ستقوله وما الذي سيحدث، سنعرف البارت اللي جاي.
رواية نظرة عمياء الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم زهرة الربيع
تكلم.. طب مش خايفه أعتدي عليكي تاني؟ يا قوة قلبك.
قال عثمان هذه الجملة لعلياء بمنتهى السخرية.
فاخفضت رأسها أرضًا من الخجل وقالت بدموع:
أنا… أنا آسفة يا أستاذ عثمان، آسفة بجد.
نظر لها باستفهام وقال ساخرًا:
آسفة.. ودي بتعمل كام في الشعر بقى؟ عشان أشوف هتكفيني مصاريف ولا لأ. أصلي عقبال عندك اترفدت… ربنا يبارك لنا في أسفك بقى.
نزلت دموعها بشدة، فهذا ما توقعته وكانت ترجو ألا يحدث.
قالت بدموع:
أنا.. أنا مستحيل أسكت، متقلقش. هكلم العميد.
ضحك عثمان بدهشة من حديثها وقال:
هتكلميه تقولي له إيه؟ معلش يا حضرة العميد، كنت فاهمة غلط، مطلعش عايز يعتدي عليا، أنا بس اتلخبطت.
اخفضت رأسها خجلًا من سخريته، وهو قال:
اسمعي يا مدام علياء.
ابتسم ساخرًا وعقب قائلًا:
ده طبعًا لو كنتي مدام، لأن من الواضح إن ملكيش أي علاقة مع اللي بتدعي إنه جوزك ده. مهو برضه مفيش واحد يشوف مراته في الموقف ده ويسكت كده. ولكم ما علينا، مش قصتي. أنا حاليًا مش طايق أشوف وشك حقيقة، يعني مش طايقك. فلو تعملي معروف، متظهريش قدامي الكام ساعة اللي مضطرين نبقى سوا فيهم.
قال كده ولسه هيمشي، مسكت إيده بسرعة وقالت بدموع:
استني، أرجوكي.
مالت لتقبل يده قائلة:
أبوس إيدك.
ولكن عثمان سحبها مسرعًا وهو ينظر إليها بذهول من ما تفعل.
وقالت علياء بدموع وانهيار:
أرجوك تسامحني، غصب عني والله، والله غصب عني.
نظر إليها بدهشة، ورغم كل شيء، ولكن رق قلبه لحالها وقال:
احم.. اهدي.. اهدي طيب لو سمحتي. اهدى.
كانت تبكي بشدة وقالت بدموع:
أنا… أنا مكنتش أتمنى أأذيك أبدًا.. حقك عليا.
وحاولت أن تهدأ قليلًا، ونظرت يمينًا ويسارًا تتأكد أن ذاك الشيطان ليس قريبًا، وقالت:
أنا من فترة تعبت وحالتي النفسية ساءت جدًا ودخلت مصحة نفسية، قعدت فيها فترة… هديلك اسم المكان، تروح تطلع من هناك تقارير عني، وأنا هكون معاك علشان يوافقوا يدهولك… وأقدمهم للعميد. قولوا إن مريضة وإن حالتي بتخف وترجع تاني، وأنا مش هكدب. بس أرجوك تحاول تسامحني.
كان ينظر إليها بصدمة وعيناه تكاد تخرج من مكانها وقال:
إنتي بتقولي إيه؟ إنتي عايزاني أتهمك بالجنون؟ طب ما إنتي كده هتخسري، وإنتي اللي هتتـرفدي.
قالت مسرعة:
مش مهم.. مش مهم أبدًا، المهم متتأذيش بسببي. وكمان تحاول تسامحني، أرجوك.. حاول.
قالت جملتها وتركته يقف بصدمة من تلك الفتاة، ماذا يحدث معها؟ قبل أن تبتعد تبعه وقال:
مدام علياء.. لو فيه حاجة عايزة تقوليها، هسمعك، وأكيد هساعدك… تقدري تثقي فيا.
ابتسمت علياء ونظرت إليه بامتنان وقالت:
من غير أي حاجة.. أنا بثق فيك جدًا يا دكتور. ربنا يوفقك… اللي بطلبه منك بس إنك تعمل اللي قلتلك عليه، بس بسرية. متخليش حد يعرف إني قلتلك على موضوع مرضي أو على موضوع الملف اللي في المصحة.
قال باستغراب:
حد.. حد زي مين؟
علياء قالت بسرعة:
أي حد.. أنت تقدر تبرأ نفسك قدام الطلاب وقدام الجامعة كلها وتقول اللي حصل وتقول إني مريضة… بس… بس متقولش إني أنا اللي قلتلك، كأنك دورت ورايا وعرفت لوحدك. أرجوك.. دي مسألة حياة أو موت.
قالت كلماتها وذهبت مسرعة وهي تنظر يمينًا ويسارًا بخوف.
جذب عثمان شعره للخلف بحيرة، فقد تيقن أن هناك من أجبرها على فعل ما فعلت، ولكن من؟ فهو لا يعادي أحد قط.
***
أما وليد فقد حزم أمتعته وحزم أمره أيضًا على نسيانها، فلا زالت كلماتها تتكرر في أذنيه، لا زالت عيناه تشكو من رؤيتها بأحضان غيره. تنهد بتعب وأخرج حقائبه وكاد يذهب، ولكن سمع صوت بكاء، وكانت رؤى تبكي بشدة.
ركش إليها وليد وقال بدهشة:
رؤى مالك؟ فيه إيه؟
بكت أكثر وقالت:
مفيش حاجة… سيبني لوحدي لو سمحت.
جلس وليد بجوارها وقال بتعجب:
هو إيه اللي مفيش حاجة؟ أمال بتعيطي ليه؟
قالت بدموع:
إنت مش في الدنيا خالص، روح شوف أصحابك وصحباتك بيقولوا إيه وأنت تفهم.
استغرب حديثها وقال:
وأنا أروح ليه؟ متقوليلي إنتي أحسن ما أروح وأيجي، هي فرهدة والسلام.
قالت بدموع:
بيتكلموا عن أبو عثمان بعد اللي حصل… وبيقولوا كلام وحش جدًا.
زادت دهشة وليد، فهو كان منشغلًا بسما ومراد ولم يرى ما حدث، وقال:
بيقولوا إيه؟ وإيه هو اللي حصل أصلًا؟ يا بنتي ما تفهميني فيه إيه؟
اخفضت عيناها بخجل وقالت:
احم… مرات ابن عمك.. اتهمته إن هو.. احم.. إن هو اتهجم عليها في خيمتها وكان عايز.. عايز.. إنت فاهم بقى.
ذهل وليد واتسعت عيناه بشدة، فمن المستحيل أن يكون ما جاء في خياله، وقال:
لا مش فاهم.. ومستحيل يكون اللي فهمته… دكتور عثمان.. لأ طبعًا.. إنتي بتقولي إيه؟ أكيد فيه غلط.
بكت أكثر وقالت:
بس محدش قال زيك كده يا وليد، كلهم بيقولوا عليه كلام وحش وبيتريقوا عليه.
تنهد وليد وقال:
طب اهدي.. اهدي واحكيلي اللي فاتني من الأول.
***
أما تمار فقد جلست على الشاطئ كعادتها تشعر بضيق في التنفس… وصوت علياء وبكائها لا يفارقون أفكارها… فقد ذكرتها بذاك اليوم الذي كانت تستنجد مثله وتصرخ ولا أحد يجيبها… في مكان مظلم شديد الظلمة تبحث عن قطتها، أنارت ضوء الفلاش وأخذت تبحث عنها حتى شعرت بشخص خلفها، ولكن قبل أن تلتفت له حاوطها بذراعيه بقوة، فسقط هاتفها أرضًا ولم تعد ترى شيئًا.
حاولت دفعه وصرخت كثيرًا حتى كادت تفقد صوتها، ولكن لا أحد يجيب، فالجميع مشغول بالاحتفال وصوت الموسيقى عالٍ جدًا… أخذت تسبه وتلعنه لعله ينطق بحرف واحد كي تميزه، ولكن دون جدوى. وشعرت بخسارتها حين أوقعها أرضًا وانقض عليها كأسد جائع، لا تسمع منه سوى أصوات أنفاسه اللاهثة.
أخذت تركله وتصرخ، ولكن ماذا تفعل بجسدها الصغير أمام قوته؟ انهمر عليها بالقبلات العنيفة التي كانت كأنها أسواط تجلدها، فلم تتحمل كل هذا وخارت قواها وغابت عن الوعي، وازداد الظلام ظلامًا، تاركة له الحرية ليفعل بها ما يشاء بسهولة.
فاقت من شرودها على يد تهزها برفق.
قفزت ووقفت تبتعد وهي تقول:
ابعد عني.. إياك تلمسني، خليك بعيد، ابعد.
تنهد قائلًا بيأس وحزن:
أنا عماد يا تمار.
تنهدت براحة وابتلعت ريقها تتنفس بهدوء، فهو لا يزال أمانها الوحيد بين كل العالم.
قالت بجمود:
احم.. إنت كويس.. كنت هاجي أتكلم معاك بس.. احم بس قولت أكيد زمانك جنب مراتك في الوقت ده.
ابتسم ساخرًا وقال:
هيه كويسة.. احم.. إنتي كنتي عايزاني ليه؟
وضعت يدها على عنقها بحرج وقالت:
لا.. لا أبدًا، بس قولت أطمن عليك بعد اللي حصل.. يعني أكيد مش سهل اللي حصل.
ابتسم على برائتها وشعر بنسيم السعادة، فهي لا تزال تفكر به وتخاف على مشاعره… لا تزال تشعر مثله، فهو أيضًا جاء لنفس السبب ليطمئن عليها.. لأنه يعلم أن هذا الموقف سيذكرها بالماضي المؤلم…
حمحم قائلًا:
أنا تمام… شكرًا على اهتمامك.. ا.. احم.. يلا بينا عشان هنمشي خلاص… تعالي أوصلك العربية.
قبل أن ترد، تقدم حازم قائلًا:
لا خليك إنت، أنا هوصل تمار. روح شوف مراتك، أكيد اللي حصل مؤثر عليها ومحتاجاك جنبها.
تنهد عماد بضيق منه، ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
حاضر، إنت تأمرني يا حازم.
قال هذه الجملة وذهب، وتبعه حازم بنظاره وهو يتعجب من طريقته.
***
بعد قليل صعد الجميع بباص الجامعة ليقضوا آخر وقت سويًا قبل عودتهم، ورجع الحرس الخاص بهم بسياراتهم التي جاؤوا بها.
كان عثمان يصعد الباص، فقالت فتاة:
مستر عثمان.. تعالى اقعد جنبي.
ضحك الجميع وقالت أخرى:
لا يا دودو، هو ملوش في السمر، تعالى جنبي أنا يا مستر.
حزنت علياء بشدة، فقد كان صارمًا جدًا، لا يجرؤ أي طالب على العبث معه.
وتنهد عثمان وقال:
لا شكرًا يا منار، أنا مرتاح هنا.. شوفي حد تاني، إنتي أحبابك كتير.
ضحكت الفتيات، بينما شعرت منار بحرج وظلت صامتة.
على الطريق كان عماد بجوار علياء، وكان حازم يجلس بجوار تمار… وسما بجوار مراد… ووليد بجوار رؤى، وكان ينظر إلى سما ومراد، وكانا طوال الطريق يضحكان سويًا ويتحدثان.
قالت رؤى بحزن:
متزعلش… يمكن كده أحسن.
قال وليد بحزن:
جايز أحسن ليها، بس أكيد مش أحسن ليا.
وتنهد بضيق قائلًا:
ربنا يهنيها.
أما عماد فقد كان ينظر لتمار التي كانت بجانب حازم، وكان يساعدها في كل شيء ويتعمد لمسها من حين لآخر كأنه يلمسها بالخطأ… كان عماد يراه ويقبض على يده بغيرة شديدة.
ابتسمت علياء وقالت:
بتحبها من إمتى؟
تنهد عماد وقال:
من وقت ما عرفت يعني إيه حب.
ابتسمت وقالت:
طب وهي كانت بتحبك كمان؟
ابتسم عماد ابتسامة جميلة وقال:
الحب اللي في عيونها هو اللي مخليني عايش لحد دلوقتي.
ابتسمت قائلة:
ربنا يجمعكم يا عماد، إنت تستاهل كل خير.
تنهد بحزن قائلًا:
ربنا يسعدها.. أما يجمعنا دي مبقاش فيها أمل.
***
كان الطلاب يمرحون ويضحكون، وقالت نفس الفتاة منار:
خلينا نسلي وقتنا ونلعب يا شباب، هنقول كلمة ونلمح عليها، واللي يعرفها يقول هي إيه.
تحمس الجميع ووافقوا، وقالت منار:
كلمة أولها ألف وآخرها باء، وبي هواها أستاذ عثمان.
ضحك الجميع، وقالت الفتاة بجانبها:
اغتصاب.
ضحكوا مرة ثانية، وتنهد عثمان قائلًا في نفسه:
الصبر من عندك يا رب.
حزنت علياء بشدة، ورؤى أيضًا، فوقف وليد قائلًا بغضب:
ما بس يابت إنتي وهيه، أكلتوا دماغنا، إحنا في كباريه ولا إيه… وبعدين نلم نفسنا شوية.
ونظر لعلياء باشمئزاز وقال:
مش شرط اللي تشوفوه يبقى حقيقة، في ناس كده شغلتها تتبلى على الناس النضيفة عشان توسخهم زيها.
اخفضت علياء رأسها حزنًا، فأمسك عماد يدها ليدعمها.
ابتسمت وسط دموعها، فتنـهد عثمان حين رآها تبكي وقال:
شكرًا يا وليد.. شكرًا بجد على ثقتك دي، تقريبًا إنت الوحيد اللي دعمتني.
ونظر للطلاب وقال بجدية مخيفة كعادته:
نيجي بقى لحضراتكم، طبعًا كلكم عرفتوا إني هستقيل لما نرجع… وعشان كده واخدين راحتكم. بس لحد ما نرجع، أنا لسه المسؤول عن الرحلة وعندي كل الصلاحيات… فلحد ما نوصل مش عايز أسمع صوت.. يعني محدش يتكلم، محدش يلعب، محدش يغني، وأي حد مش هيسمع الكلام هوقف الباص وأنـزله هنا في قلب الصحرا.
وأكمل بنظرة تهديد قائلًا:
وطبعًا كلكم عارفينـي كويس.. وعارفين إن اللي بقوله بنفذه.
صمت الجميع بخوف والتزموا الصمت حتى وصلوا القاهرة وعاد كل شخص إلى منزله.
***
حين وصل أبطالنا إلى منزلهم استقبلهم محمد وسهر بفرحة، وجلست تمار بجانب عمها الذي كان مشتاقًا لها بشدة، فل طالما كانت المقربة إلى قلبه.
قبل عماد يد والده بحب، بينما ربت الآخر على رأسه بحب وحنان، وسلم أيضًا على أمه واحتضنها.
كان الجميع يتحدثون حول الرحلة، ولكن نظر محمد إلى وليد الذي كان صامتًا وحزينًا جدًا وقال:
الـ أرجوز بتاعنا ماله النهارده؟ حد زعله ولا إيه؟
التفت الجميع لوليد الذي قال بدهشة:
هو لما يقول الـ أرجوز كلو يبصلي أنا ليه؟ شايفني لابس طرطور؟ على العموم كتر خيركم.
وكاد أن يذهب، ولكن عماد قال مسرعًا:
خليك يا وليد، أنا عايزكم… عايز الكل يكون موجود.
نظر له الجميع باستفهام، ووقف عماد وقال:
ثانية واحدة، معايا مكالمة مهمة لازم أعملها وهرجع، عايزكم ضروري، محدش يمشي.
وابتعد قليلًا ليجري مكالمة هاتفية.
كان وليد يقف في زاوية، ووقفت سما بجواره وقالت:
أقدر أعرف إنت ليه مش بتكلمني؟ احم.. إنت لسه زعلان مني عشان.. عشان القلم اللي رنـتـهولك هنا؟
نظر لها بغضب وقال:
إيه رنـتـهولك دي؟ اتكلمي كويس.
ضحكت وقالت:
طب ياسيدي ما تزعلش.. حقك عليا. أنا.. أنا عارفة إني غلطت… بس إنت عارف إني مبحبش الناس تتكلم عليا، وإنت فرجت كل اللي في الرحلة علينا.
ولكن قاطعها وليد وقال مسرعًا:
سما إنتي صحيح بتحبيه… بتحبيه زي ما قولتي له؟ بجد عندك استعداد تتخطبيله وتبقى مراتو؟ هتبقى مرتاحة؟
نظرت له بتعجب وقالت:
إنت كنت بتتـصنت علينا يا وليد؟
قال وليد:
سما أنا بتكلم جد وحابب أسمع ردك بجد… إنتي بتحبي مراد؟
***
توترت سما وكادت أن ترد، ولكن رجع عماد. ونظر له محمد وقال:
ابني فيه إيه؟ ما تنطق وتخلصنا.
تنهد عماد واقترب من تمار وجلس على ركبته أمامها وأمسك يدها تحت أنظار الجميع.
تعجبت تمار من ما فعل وارتبكت بشدة، وقال عماد بدموع:
تمار… حابب أقولك اللي في قلبي من زمان قوي… أنا من أول… من أول ما كبرت… وابتدى قلبي يدق… مدقش غير ليكي إنتي… وعمرو ما دق لأي واحدة وهيبطل يدق قبل ما يموت.
نظر له الجميع بذهول، اتسعت عيون تمار بذهول من ما تسمعه.
أما حازم فقد صك على أسنانه بغضب شديد.
بينما تابع عماد حديثه قائلًا بدموع:
اتمنيتك طول حياتي… واتمنيت لو.. لو قدرت أقولك… رغم إني عارف إنك بتبادليني نفس المشاعر، بس كنت أهبل… ومكنتش أقدر أتكلم… مقدرتش أبدًا أقولك إني عشقتك يا بنت عمي، وعمري ما عرفت أحب غيرك.
انسابت دموعها على وجنتيها وهي تنظر إليه بدهشة، وكادت أن تتكلم، ولكن أوقفها قائلًا:
أنا مش متجوز… وعلياء مش مراتي… مستحيل يبقالي زوجة غيرك… حتى لو هعيش عمري وحيد.
هنا كانت صدمة الجميع، خاصة والده، كاد يجن جنونه.
أما تمار كان قلبها يضرب بشدة، يكاد يخرج من بين ضلوعها، وقالت:
إنت… إنت بتقول إيه؟ طب.. طب ليه.. ليه عملت كده؟ وليه طلقتني؟ ليه؟
نظر لها وامتلأت عيونه بالدموع ولم يقوى على الكلام أبدًا، ولكن نظر لحازم الذي كاد يقتله، ونظر له بغضب وتهديد مع رجاء أن لا يتحدث. ولكن عماد رمقه بنظرة خبيثة، فيما تعني انتهى دورك وسنحرق سويًا.
نظر له الجميع بترقب ينتظرون إجابته. فوقف وأغمض عينيه واستجمع كل ما أوتي من قوة وقال بصوت مرتعش:
عشان أنا.. أنا مستاهلكش… وعشان أنا حيوان.. وحقير.. وندل… عشان أنا جبان أوي يا تمار.
تمار نظرت له بتعجب، بينما هزت سما رأسها يمينًا ويسارًا بخوف تحاول منعه، ولكن قال بدموع وصوته بالكاد يسمع:
تمار أنا… أنا اللي كنت… أنا اللي كنت معاكي في المخزن… وأنا اللي اعـتـديت عليكي يا تمار.
جرعة شجاعة عالية من الآخر، يا ترى إيه هيكون رد فعل تمار؟ وحازم هيعمل إيه في الموقف ده؟
رواية نظرة عمياء الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم زهرة الربيع
آنا ياتمار الي اعتديت عليكي… أنا عارف إن دلوقتي بخسرك للأبد… وإن مفيش فايدة من كلمة آسف أو سامحيني… سواء ليكي أو لأي حد هنا.
كان الجميع في حالة ذهول شديدة… والدته لطمت بقوة وأخذت تلطم نفسها عدة لطمات وهي تقول:
“لا… لا يا نهار أسود يا نهار أسود.”
ركضت إليها سما تمنعها مما تفعله… ووليد كان ينظر لما يحدث بصدمة… أما محمد فقد تجمد مكانه مثل التمثال لم يتحرك ولم ينطق.
أما حازم فقد كان مثل الذي انسكب عليه ماء بارد في فصل الشتاء… وضع يده على رأسه وجلس بيأس وزهول… يكاد يجن من فعلة عماد.
أما الصدمة الأكبر فقد كانت من نصيب تمار التي وقفت وقدماها ترتعش ودموعها تتساقط… وكل شبر بها يرتعد مما سمعت.
ابتلعت ريقها وكأنها تبتلع الأشواك وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
“أنا… أنا مش مصدقاك… ومش هصدق… مهو… مهو أنت صحيح طلقتني… واتجوزت عليا وعملت كتير يزعلني… وتمام… تمام أنا… أنا زعلت منك بس… بس لا أنت… أنت فضلت ابن عمي… و… وحبيبي… وقلبي… اللي عمره… عمره ما أذاني… مستحيل… مستحيل أصدق… أنت متعملهاش… متعملهاش… مش أنت أكيد أكيد.”
وأخذت تدور في المكان بصدمة وهي تقول:
“سكتوا ليه يا جماعة… اتكلموا… مفيش حاجة… ميعملهاش أنا بقولكم أهو… حتى لو قال كده… بس لا لا ميعملهاش… أنا… طب… طب أنا مش هصدقك إيه رأيك بقى مش هصدقك… أنت كداب… أنا أصدق أي حاجة إلا كده.”
وارتعد صوتها بشدة ودموعها ازدادت… واقتربت منه تهزه قائلة:
“متسكتش كده… قول إنك بتهزر… قول… أنا… أنا مستحيل أعمل فيكي كده… أنا… أنا اتقتلت يا عماد… واتعميت… اتعميت بسبب الشخص ده… مستحيل تكون أنت.”
لكن عماد كان يضع رأسه أرضاً ودموعه تتساقط بغزارة ولا يستطيع النظر إليها… ويبكي بقوة.
ابتعدت عنه حين سمعت صوت بكائه المكتوم وصرخت بقوة قائلة:
“لا… لا مستحيل…”
ووقعت أرضاً وركض الجميع إليها وهي تصرخ قائلة:
“لو أنت أبقى أنا انتهيت… انتهيت يا عماد… لاااا… لاااا… أنا جي في بالي كل الناس إلا أنت… إلا أنت… والنبي لااااااا.”
كانت سهر تحتضنها وتبكي وسما أيضاً… بينما كان يقف محمد مثل ما هو لا يحرك ساكناً… وعماد كان يشعر أن الأرض تدور به مما يحدث أمامه… فقد حطم الجميع… فقد خسر كل عائلته.
قال بدموع:
“أنا… أنا اتصلت بالبوليس… زمانه جاي… أنا خلاص هعترف بكل حاجة.”
هنا سهر وقفت وهي تبكي قائلة:
“أنت بتقول إيه… لا لا.”
وكادت تقترب منه ولكن محمد أمسك يدها بقوة قائلاً بجمود:
“سيبيه… ده مكانه الحقيقي… إحنا كان عندنا ولد… ومات… استعوضي ربنا فيه.”
بكى عماد بقوة وأمه أيضاً وأخذت تترجاهم قائلة:
“لا لا والنبي يا محمد لا… والنبي تسامحوه بس متحبسوهوش والنبي.”
لكن محمد قال بجمود:
“اللي هيقف معاه… هيبقى زيه… ملوش مكان هنا.”
كانت تمار ترتعش وتضم قدماها إليها وهي تبكي بانهيار شديد… حالتها كانت صعبة جداً… أسوأ من أول يوم علمت فيه ما حدث لها… كانت أسوأ من أي يوم مر بها.
كانت سما تحتضنها بقوة وتحاول تهدئتها وقالت بصوت عالٍ:
“اطلبوا الدكتورة بسرعة يا وليد.”
ركض وليد يخبر الطبيبة… بينما كان عماد ينظر إليها بدموع… وألم… تمنى أن يذهب إليها ويضمها ويهدئها… لكن كيف وهو الجاني.
نظر له حازم بغضب رهيب… فقد أفسد كل خطته من بدايتها لنهايتها باعترافه لها… فقد أحرق كرته الرابح الذي كان يهدده به وينفذ كل مطالبه لأجله.
سمع الجميع صوت سيارة الشرطة… ونظر عماد لتمار بدموع… وابتسم وسط دموعه قائلاً:
“ربنا ياخدلك حقك مني يا تمار… ربنا ينتقم مني… ومشوفش النور أبداً تاني زي ما حرمتك منه.”
وقال كلماته بمنتهى الألم… ودخلت الشرطة ووضعوا الأصفاد في يديه وأخذوه معهم.
وقفت تمار حين سمعت خطواتهم وصوت الأصفاد… وكاد قلبها يخرج من بين ضلوعها… رغم كل ما يحدث تتمنى أن توقفهم… لا تريده أن يسجن… لم تتحمل كل هذا الاضطراب وكل هذا الألم… ووقعت على الأرض مغشياً عليها.
صرخت أختها باسمها… ونظر عماد إليها وهم يأخذوه… وقدماه لا تريد الابتعاد… وأخذوه بصعوبة وهو ينظر إليها ملقاة على الأرض.
ركضت علياء ورائه قائلة:
“متخافش يا عماد أنت عملت الصح… وأنا مش هسيبك وهقوملك محامي و…”
قاطعها قائلاً وهو يصعد إلى سيارة الشرطة:
“أوعي يا علياء… أوعي… أنا أستاهل العقاب وأكتر من كده… أنا مستحيل أقف ضد تمار في المحاكم.”
ذهبت سيارة الشرطة… وأوقفت علياء سيارة أجرة وتبعته.
في فيلا الوزان كان الجميع حول تمار يقفون بقلق عليها… وخرجت الطبيبة قائلة:
“حالة انهيار حاد… أنا شايفه إنها تروح المستشفى.”
وقاطعها محمد قائلاً:
“سبق وقلت لحضرتك إني مش هدخلها مستشفيات… زي ما خافت الأول هتخف تاني… أرجوكي يا دكتورة اتصرفي وميهمكيش أي مبلغ.”
تنهدت قائلة:
“طيب… طيب… مبدئياً لازم تاخد الأدوية دي علشان تهدى شوية… وعلشان تعرف تنام… وهنرجع علاجها اللي وقفناه… يعني بمعنى أصح هنرجع من الصفر.”
أما عماد فقد خرج من غرفة التحقيقات بعد أن اعترف بفعلته… وأمر بترحيله إلى النيابة.
كانت علياء تنتظره بالخارج وتقدمت عليه قائلة:
“متقولش يا عماد… ربنا هيكون معانا بإذن الله.”
ابتسم قائلاً:
“شكراً يا علياء… تقدري تروحي خلاص… أنا مش هدافع عن نفسي أبداً… ده حق تمار وأنا هاخده… روحي أنتِ وحاولي توصلي لأخوكي… كده خلاص حازم مبقاش محتاجك معاه… ولو حب يستفزك تاني هدديه إنك هتحكي لعمي عنه وعن تهديده لينا… أنا مرضتش أقوله إنه عارف كل حاجة وبيستغل تمار علشان إنتي تقدري ترجعي أخوكي… هدديه إنه لو ماسابهوش هتتكلمي.”
ولكن قبل أن ترد سحبه الضابط قائلاً:
“يلا يا أخويا أنت هترغي كتير.”
ذهب عماد معه وهو يقول بصوت عالٍ:
“قولي له إنك هتقولي لعمي… ماشي.”
ذهب عن أنظارها… وجلست تبكي بقوة على هذا المسكين.
في البيت فتحت تمار عيونها التي لا قيمة لها… أما للمحيطين حولها فقد كانت مفيدة وجعلتهم يدركون أنها عادت لوعيها.
ابتسم محمد قائلاً:
“تمار يا بنتي… أنتِ كويسة.”
نظرت له بدموع وقالت:
“أنا بخير يا عمي.”
تنهد براحة شديدة فقد تكلمت عكس المرة السابقة… التي فقدت بها النطق لأسابيع.
قالت تمار بدموع:
“سما هنا.”
ردت سما بحزن وقالت:
“أيوه يا حبيبتي أنا هنا.”
ابتسمت بدموع قائلة:
“ليه كدبتي يا سما؟ ليه قولتيلي إنه مكنش في الخيمة؟ أنا… أنا كنت متأكدة… أنا مش محتاجة عيوني علشان أعرف بوجوده.”
بكت سما وقالت بدموع:
“والله يا حبيبتي أنا كنت هقولك… وهو فضل يبصلي ويمنعني أتكلم… قولت أفهم منه وأقولك اللي حصل… بس… بس اعترفلي باللي عمله وجريت عليكي فوراً علشان أحكيلك… بس خلى رجالتو خطفوني.”
نظرت إليها بذهول وقال محمد بدموع:
“إنتي بتقولي إيه؟ رجالة مين؟ عماد خطفك؟”
سما قالت بدموع:
“أيوه يا عمي… يومها اختفيت في الرحلة… حتى اسأل وليد هما دوروا عليا كتير.”
قال وليد بسرعة:
“معاها حق… اختفت ودورنا عليها بس ملقنهاش.”
قالت سما ببكاء:
“هددوني إني لو حكيت هيقتلوكي… وزي… زي ما زقك من على السلم وعماكي يقدر يقتلك بسهولة.”
قالت بدهشة:
“زقني؟ هو مين اللي زقني؟ أنا وقعت لوحدي.”
قالت سما بدموع:
“أنا كنت فاكرة زيك كده… بس رجالتو قالوا إنه هو زقك علشان كده وقعتي… غصب عني سكت يا حبيبتي سامحيني… خفت عليكي والله.”
قال محمد بذهول:
“أنا مش مصدق… هو هو اللي بتتكلموا عليه ده عماد؟ عماد ابني؟ ده أنا… ده أنا كنت فاكر نفسي ربيت… وإن تربيته أحسن تربية… إزاي… إزاي كده.”
نزلت دموع تمار بشدة وخرج محمد قائلاً بدموع:
“أنا هطلع أشم هوا.”
تنهدت تمار بدموع وقالت:
“وأنا حابة أقعد لوحدي… ممكن… ممكن تسبوني.”
تنهدوا بحزن وخرجوا… وظلت سما أمام غرفة اختها… جلست على الأرض وهي تبكي بشدة.
جلس وليد بجوارها ونظر إليها بدموع… فاحتضنته وهي تبكي بقوة وقالت:
“أختي يا وليد… كسر قلبها… هي مكانتش ناقصة أبداً.”
تساقطت دموعه لحزنها وقال بدموع:
“خليكي قوية علشان تقوي بيكي… مينفعش نضعف دلوقتي… هي محتاجانا… ماشي يا قلبي… اهدي.”
ابتعدت عنه قائلة بحرج:
“احم… شكراً يا وليد.”
قال وليد بمرح زائف ليخرجها من ما هي فيه… وهو يشدها لحضنه مرة ثانية:
“بس برضو مفيش مانع تطلعي اللي جواكي… ارمي على كتفي… الكتف ده شيال.”
ابتعدت عنه وضحكت بخفة وقالت:
“مفيش فايدة فيك أبداً.”
كاد يرد ولكن جائتها مكالمة… نظرت للرقم وأجابت قائلة:
“أيوه يا مراد.”
وقف وليد وقد تغيرت معالم وجهه… وأكملت سما قائلة ببكاء:
“فيه حاجات كتير حصلت وأنا محتاجالك جنبي قوي يا مراد… أنت فين؟”
وصمتت قليلاً لتسمعه ثم قالت بحزن:
“في الشغل… لا… لا أبداً… أنا… أنا تمام… أحكيلك لما ترجع.”
ابتعد وليد وتركها تحادثه وقلبه يتقطع.
أما علياء وصلت شقتها وجائتها مكالمة… وردت بحزن قائلة:
“الو.”
فجأتها صوت عثمان قائلاً:
“أيوه يا دكتورة… أنا جبت الملف… وقالولي إنك كلمتيهم وعلشان كده وافقوا يدوهولي… بكلمك علشان أسألك… إنتي متأكدة من اللي هنعمله ده؟ يعني نقدمه للعميد… إنتي كده هتخسري شغلك.”
ابتسمت بدموع وهي تنظر للبيت الذي أصبحت وحيدة فيه… وقالت:
“متأكدة يا دكتور… أنا هتصرف في شغل تاني… أنت برأ نفسك بس… أهم حاجة زي ما قولتلك… محدش يعرف إني ساعدتك في الموضوع ده.”
أغلقت الهاتف وجلست بحزن شديد.
أما حازم فقد كان يدور في غرفته ذهاباً وإياباً بغضب شديد… كيف فاجأه بهذا الشكل… كيف لم يلاحظ أنه سيعترف بكل شيء… لقد خسر كل خطته… لم يعد يمسك عليه شيئاً… ربما يعود يوماً ما ويتصالح معها… كل ما فكر بالأمر يزداد غضباً.
جائته رسالة صوتية على هاتفه وسمعها واستشاط غضباً… فقد كان تسجيل لمكالمة علياء وعثمان… تلك المسكينة لا تعلم أنه يتنصت على هاتفها.
احتدمت عيناه بغضب مرعب… وكاد يكسر الهاتف… ولكن ابتسم بخبث وبعث رسالة لشخص ما وكتب:
“الشاب اللي عندكم قد ما يعوز ادوله… سيبوه يتعاطى قد ما هو عايز ومن أي نوع.”
مر أسبوع وعلياء تحادث حازم ولا يرد على اتصالاتها أبداً… تريد أن تطبق خطة عماد وتخرج أخاها… لكنها لم تصل إليه أبداً… فقد حظر اتصالاتها… كما أنه لم يخرج طوال الأسبوع.
وتمار كانت على نفس حالتها… تبكي طوال النهار… وأحياناً تدخل بحالة من البكاء الهستيري أو الانهيار العصبي.
حتى جاء يوم محاكمة عماد الأولى… وذهبت كل عائلته ليحضروا محاكمته… حتى تمار أصرت على الذهاب وأخبرتهم أنها تريد أن تسمع الحكم عليه.
جاء العسكري ومعه عماد… ووضعه خلف قفص الاتهام… وكانت حالته سيئة جداً… يبدو عليه أنه لم يأكل أبداً… وعيناه بلون الدم… ويبدو اليأس على ملامحه.
انفجرت والدته بالبكاء وركضت إليه تمسك بيده وتقبلها بدموع… وهو أيضاً… بينما نظر له والده بشوق ودموع… ولكن من بعيد… ولم يذهب إليه.
نظر عماد لتمار التي كانت تجلس ودموعها على وجهها… كم تمنت لو تراه… ليس لأنها تريد أن تنتقم مثلما أخبرت الجميع… بل لأنها تشتاق إليه بشدة.
ابتسم عماد حين رآها… وكانت علياء تقف بجانب القفص بحزن وتدعو له… فهي لا تملك شيئاً آخر بعد أن رفض كل المدافعين.
بدأت الجلسة… ولكن قبل النطق بالحكم حدثت مفاجأة هزت أرجاء المحكمة.
رواية نظرة عمياء الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم زهرة الربيع
نظر عماد لتمار التي كانت تجلس ودموعها على وجهها. كم تمنت لو تراه، ليس لأنها تريد أن تنتقم مثلما أخبرت الجميع، بل لأنها تشتاق إليه بشدة.
ابتسم عماد حين رآها.
وكانت علياء تقف بجانب القفص بحزن وتدعو له. فهي لا تملك شيئًا آخر بعد أن رفض كل المدافعين.
بدأت الجلسة، ولكن قبل النطق بالحكم، حدثت مفاجأة هزت أرجاء المحكمة.