في منزل جواد بعد منتصف الليل والدنيا شتاء والأمطار تنزل بكثرة. وكان يتبعها الرعد في السماء لا يتوقف. بيسان وهي في سريرها تستعد للنوم، تنظر إلى وتين التي تقف عند النافذة قائلة: "يا بنتي تعالي نامي بقى. هتفضلي واقفة عندك كده لحد ما يرجع يعني؟ وتين وهي تنظر من النافذة بقلق قائلة: "الساعة بقت واحدة وأبيه لسه ما رجعش. وبكلمة ما بيردش على تليفون." بيسان باطمئنان قائلة:
"عادي يا وتين. أبيه جواد أوقات بيتأخر كده بره بسبب شغله. تعالي نامي وهو شوية وهتلاقيه بيفتح باب الشقة ودخل." وتين بانفعال يغلفه الخوف والتوتر قائلة: "خلاص يا بيسان، نامي انتِ. أنا مش جاي لي نوم." بيسان بنعاس تشد اللحاف عليها قائلة: "براحتك. فضلي واقفة عند الشباك كده لحد ما يجي عبد الحليم حافظ بتاعك. أمال عايزة تسيبيه إزاي وتروحي تتجوزي واحد تاني؟ وانتِ هتموتي عليه كده؟ وتين وهي ما زالت تقف عند النافذة ويشتد المطر
أكثر وتقول بصوت منخفض: "قلقي وخوفي وقلبي وروحي هيفضلوا ملكه هو." يقع نظرها على تلك الخاتم الذي في إصبعها وتتذكر ما حدث قبل ساعات. *** في منزل جابر في المساء، تطلق فريال الزغاريد بفرحة وتضم ابنتها بحب قائلة: "ألف مبروك يا حبيبتي." نديم يقدم الدبل بابتسامة قائلاً: "وبما إننا اتفقنا على كل حاجة وقرأنا الفاتحة، يبقى مش فاضل غير تلبيس الدبل. يلا يا عريس لبس عروستك شبكتها."
ماجد يقترب منها ليقوم بتلبيس الشبكة ويمسك يدها ويضع بها الخاتم الألماظ، وكان في قمة الأناقة قائلاً: "مبروك يا حبيبتي." وتين وهي لا تطيق قربه منها تسحب يدها وتلبس الخاتم وتكتفي بابتسامة خفيفة كي لا تلفت الانتباه. ماجد بمكر يقبل يد فريال ليكسب ثقتها قائلاً: "أنتِ جبتي لي هدية لو قعدت عمري كله أشكرك عليها مش هكفيكي. بجد وتين محظوظة لأنها عندها أم مثلك." فريال بطيبة تمسح على رأسه قائلة:
"من النهارده انت كمان بقيت ابني. وأنا في مقام أمك وكمان تناديني يا ماما. ربنا يسعدكم يا ابني." ماجد للحظة يدخل إلى الفراغ الذي بداخله ليستشعر هذه الكلمة. فقد افتقدها منذ سنين من وقت ما رحلت أمه عن هذه الدنيا وهو في عمر الخمس أعوام. فلا يتذكر متى آخر مرة قال هذه الكلمة. عينه تلمع بالدموع ويقبل يدها مرة أخرى قائلاً: "حاضر يا ماما."
نادية كانت تقف بجانب وتين التي كانت عايزة تجيب ماجد من شعره اللي عامله زي البنات وتهرسه تحت رجليها من شدة غضبها منه. وأنه بيحاول يستغل طيبة قلب أمها بكلامه المعسول وشخصيته المهذبة. الذي يداري خلفها شخص بشع بكل تفاصيله المقرفة. تضغط على يدها لتهدأ قليلاً وبنبرة منخفضة قائلة: "حاولي تهدي. أنتِ لحد دلوقتي ماشية كويس. خلاص كلها شوية وهيمشوا. أهدي." وتين وهي لا تطيق ذلك الخاتم بإصبعها تقول من بين أسنانها:
"أنا مش قادرة أتحمل البني آدم ده أكتر من كده. حاسة إني عايزة أقتله. وأبوه ده كمان شكله مش كويس نظراته كلها مقرفة." نادية بنبرة توعد قائلة: "ما تقلقيش. كل واحد فيهم هيجي دوره وهيدفع ثمن كل اللي عمله. أهدي أنتِ بس وعدي الكم ساعة اللي فاضلين دول." تقترب عليهم فريال بفرحة وهي تمسح على خد ابنتها بحنان قائلة: "الولد باين عليه كويس ومحترم. ربنا يسعدك يا بنتي." "أنا هدخل أجيب لهم حاجة يشربوها." وتين بانكسار قائلة:
"للأسف يا ماما الشخص المحترم ده هو في الحقيقة كلب سعران ونهش في بنتك بخسة ونذالة." نادية تضغط على يدها لتهدأ قائلة: "تمام. أهدي وحاولي تبتسمي عشان أبوكي بيبص علينا. خلي كل حاجة تمشي طبيعي." وتين بابتسامة متألمة قائلة: "لو كان بابا بيفكر فينا بس شوية يمكن ما كنتش وصلت للمرحلة اللي أنا فيها دي." جابر بفرحة يحضنها قائلاً: "ليه ما قلتيليش إنك رفضت الدكتور هشام عشان خاطر ماجد؟
أنا كنت هوافق. ما كنتش هقول لأ. الولد غني ومن عيلة كبيرة وأغنى من الدكتور هشام 100 مرة. طلعتي بنت أبوكي صحيح ووقعتي واقفة." وتين بوجع يشق قلبها بين ضلوعها من كلماته وهو لا يرى تلك الآلام التي تخفيها خلف ابتسامتها. لقد فقد الإحساس بابنته ولا يهتم إلا بالفلوس ولا يعرف أنها تموت في كل ثانية ودقيقة تمر عليها بعد أن أخذت هذا القرار، لكنه لا يشعر بكل تلك الآلام. تخونها دموعها وتسقط بحرقة ولكن سرعان ما تخفيها،
تردد بنبرة حزينة قائلة: "مبسوط يا بابا؟ جابر وعيونه تلمع بالخاتم الألماظ الذي ماجد لبسه لها قائلاً: "طبعاً مبسوط. شايفة الخاتم اللي في إيدك ده؟ ثمنه بس يشتري 10 عمارات زي اللي إحنا قاعدين فيها دي. ولسه الخير جاي لك قدام. كل ده هيبقى بتاعك أنت." "ما تبقيش تنسي أبوكي." وتين بانكسار قائلة: "مش هنسالك يا بابا. تأكد إني عمري ما هنسالك." جابر يسيبها ويقدم المقبلات لنديم وماجد بفرحة قائلاً: "اتفضل يا بيه."
نديم وهو يختلس النظرات إلى نادية بدون أن يلفت الانتباه وبابتسامة يأخذ منه كأس العصير قائلاً: "إحنا خلاص بقينا نسايب. ما ينفعش بقى تقول لي يا بيه ويا حضرتك والكلام ده. تقول لي يا نديم وبس." جابر بضحكة خفيفة قائلاً: "ونعم النسب. أنت نسبك شرفنا. وأنا مش هلاقي لبنتي عريس أحسن من ماجد." ثم يوجه كلامه لماجد: "لازم تخلي بالك من وتين دي بنتي الغالية. أوعى تزعلها." قالها ماجد وهو ينظر لوتين بخبث:
"ما تقلقش يا عمي. وتين في عيني." عاصم وهو يحمل أدهم ابنه الصغير قائلاً: "ما بقاش ليها لازمة الجامعة دلوقتي يا وتين. عايزينك تتفرغي تماماً لعريسنا. ولا إيه رأيك يا عمي؟ جابر بلا مبالاة قائلاً: "والله جوزها بقى هو اللي يقرر. لو شايف إن الجامعة هتأثر على علاقتهم بلاش منها. يعني هتعمل بها إيه؟ وتين بصدمة من رد أبوها، فهو يريد أيضاً أن ينهي على مستقبلها الدراسي قائلة: "إنت بتقول إيه يا بابا؟ أنا مش هسيب دراستي."
ماجد بمكر قائلاً: "أنا كمان شايف إن الجامعة ملهاش لازمة. أنا ما أحبش حاجة تاخد مراتي مني. أحبها تكون ليا وبس." جابر قائلاً: "خلاص يا وتين. ماجد هيبقى جوزك ولازم تسمعي كلامه. وبعدين أنتِ بعد الفرح مش هتبقي فاضية للجامعة. هو بيتكلم صح." ماجد يضع رجلاً على الأخرى بغرور قائلاً: "أنا أحب لما أصحى من النوم ألاقي مراتي جنبي." قال جملته هذه وهو ينظر بطرف عينه لوتين على قدميه. بمعنى أنك هتكوني تحت رجلي.
وتين كانت هترد عليه ولكن أوقفها صوت نادية وهي قائلة: "وتين هتكمل دراستها. مستقبلها الدراسي أهم بكتير من الجواز." ماجد بنظرة حادة لنادية قائلاً: "وأنا مش عايزها تكمل." نديم يحسم الأمر قائلاً: "وتين هتكمل دراستها يا ماجد. وما حدش هيمنعها. ولو عايزة تعمل دكتوراه في الهندسة بعد ما تتخرج ما فيش مانع برده. هاي.. عروستنا مبسوطة كده." قال هذه الجملة وهو ينظر لنادية بابتسامة. ماجد بغضب مكتوم قائلاً: "بس يا بابا." نديم قائلاً:
"الموضوع انتهى خلاص يا ماجد. لو وتين حبت تكمل دراستها فين المشكلة؟ شركتنا محتاجة مهندسين شاطرين. وأنا سامع إن وتين شاطرة في دراستها." عاصم ليغير مسار النقاش قائلاً: "طيب خلونا نسيب العرسان يقعدوا مع بعض شوية. أكيد في كلام كتير عايزين يقولوه لبعض." الكل يخرج من الغرفة ولا يبقى بها سوى وتين وماجد. وأول ما اتقفل عليهم باب الغرفة، حاول أن يقترب منها ويبوسها ولكن ضربته بالقلم قائلة: "إنت اتجننت؟ إنت بتعمل إيه؟
ماجد يضغط على ذراعها بقسوة قائلاً: "القلم ده هحاسبك عليه لكن مش دلوقتي. وبعدين أنتِ واخدة الموضوع بحساسية ليه كده؟ مش إحنا عدينا المراحل دي؟ ولا أنتِ لحقتي تنسي حبيبك؟ وتين وهي تتألم من مسكته لذراعها قائلة: "إنت حيوان ابعد عني." ماجد يترك يدها وابتسامة قائلاً: "بس بلاش تنكري إني عرفت أبسطك." وتين وهي لا تطيق أنفاسه القريبة منها قائلة: "إنت أقذر شخص شفته في حياتي." ماجد قائلاً:
"لما شفتك في الحفلة كنت فاكرك من البنات اللي بتسهر كل يوم مع شاب. بس لما قربت منك وعرفت إني أول واحد لمسك. عجبتيني قوي." وتين بغضب حاولت أن تضربه بالقلم مرة أخرى على وقاحته ولكن أمسك يدها بتحذير قائلاً: "مش عيب كده في بنت محترمة ترفع إيدها على جوزها؟ إيه؟ عايزاني أنده لحماكي يجي يشوف بنته بتعمل إيه؟ ثم يترك يدها ويجلس ويطلق ضحكات مستفزة قائلاً: "ما كنتش أعرف إن باباكي طلع بايعك للدرجة دي. شكلي هحبه."
نادية تدخل عليهم الأوضة وتسمع جملة ماجد الأخيرة وترفع حاجبها قائلة: "أبوك مستنيك تحت." قالتها وكانها تحدث طفل. ماجد بغيظ من نادية قائلاً: "مش عايزك تصطدمي معايا كتير، فهماني! عشان أختك الحلوة دي ما تدفعش الثمن." نادية تطلق ضحكة ساخرة قائلة: "طب اسمع الكلمتين دول يا ابن أبوه. لو بس فكرت إنك تأذي وتين مش هاصطدم بيك. هدوس عليك. الصغير فهم ولا محتاج حد كبير يشرح له؟ ماجد يخرج وهو يمتلئه الغضب اتجاه نادية.
وبعد ما ماجد خرج من الغرفة وذهب إلى نديم، ارمت وتين في حضن نادية ببكاء قائلة: "هو كلامه صح؟ بابا باعني؟ لو كان بيسمع لمشاكلنا ويهتم بينا زي أي أب. ما كانش خلى واحد زي ده اتجرأ عليا." نادية تضمها بحب قائلة: "اهدي يا حبيبتي. أنا جنبك مش هسمح لحد يؤذيكي." وتين من وسط دموعها وكسرة قلبها قائلة:
"كلها يومين يا أبلة وهبقى في بيت البني آدم ده. وأنا مش طايقاه. مش عارفة هتعامل معاه إزاي. أنا بقيت بخاف قوي من بكرة مش عايزة النهار يطلع." نادية تمسح دموعها قائلة: "مش عايزك تبقي ضعيفة لما تروحي هناك. عايزاك تبقي قوية. وأوعي تخلي حد يدوس عليك. أنتِ فاهمة يا وتين! وتين تجلس بتعب قائلة: "أنا أضعف بكتير من إني أقف قدام ماجد بعد كل اللي عمله فيا. هو بيهددني بالفيديو اللي معاه. يعني أنا هفضل تحت رحمته."
نادية بتفكير قائلة: "أكيد الحيوان عاصم هو اللي صور الفيديو ده. أنا مش عايزك تخافي. الفيديو ده أنا هوصل له بأي طريقة كانت. هوصل له. وبعد ما ناخد الفيديو ده هخليه يطلقك غصب عنه." وتين قائلة: "أنا حاسة إن في كابوس مش عارفة أفوق منه. نفسي يطلع كابوس وكل اللي بيحصل ده يختفي. أنا خلاص تعبت." نادية قائلة: "هيخلص صدقيني. كل ده هيخلص وهترجعي لحياتك تاني وتبدأي من الأول." بس أنا عايزاك تكوني أقوى من كده.
وتين تستجمع نفسها قائلة: حاضر يا أبلة، هوعدك إني هكون قوية على قد ما أقدر. أبلة، أنا عايزة منك طلب. نادية تلمس خدها بحنان قائلة: طبعاً يا حبيبتي، اطلبي اللي انت عايزاه. وتين قائلة: أنا عايزة تاخدي إذن بابا إني أبِيت الليلة دي في شقة خالي. نادية تغمض عينيها بالم. لقد فهمت أنها تريد أن تودع جواد في آخر ليلة لها. ترسل تنهيدة قائلة: حاضر يا حبيبتي. زي ما تحبي. هي بيسان ليه ما حضرتش الخطوبة؟
وتين قائلة: بيسان بعد ما شافت الفيديو وعرفت اللي ماجد عمله معايا، قالت إنها مش هتتحمل تشوف البني آدم ده. وأكيد كان هيبان عليها حاجة عشان كده رفضت تنزل. نادية قائلة: انت متأكدة إن بيسان مش هتقول حاجة لجواد؟ مش عايزين نعقد الأمور أكتر يا وتين. وتين باطمئنان قائلة: لا يا أبلة، ما تخافيش. بيسان وعدتني إنها مش هتقول له. نادية بابتسامة قائلة: إن شاء الله كل ده يخلص وينتهي وترجعي تبدأي حياتك من جديد مع جواد.
وتين بنبرة حزينة قائلة: أنا خلاص يا أبلة خسرت جواد للأبد بالجوازة دي. نادية تأخذها في حضنها وتتألم على الحال اللي وصلت له. كانت بالأمس طفلة تجري وتلعب بمرح. كانت الدنيا كلها لا تسع تلك الضحكة التي كانت تملأ أرجاء المنزل ببراءتها. والآن تحولت الضحكة إلى دموع. حتى تلك البراءة لم يرحموها، قتلوها. فأصبحت ميتة وهي ما زالت تتنفس. وبعد مرور وقت، غرقت بيسان في نومها.
وهي تقف أمام النافذة ولا تترك مكانها ثانية واحدة. وكلما عدت دقائق الساعة ينتفض قلبها خوف ورعب لعدم مجيئه إلى هذا الوقت. لقد اقترب الفجر وهو ما زال في الخارج ولم يأتِ. وفي تلك اللحظة ابتسمت وشعرت بالارتياح. لقد وصلت سيارته أمام العمارة. نزل منها ولكن لم يصعد. وقف بجانب السيارة تحت المطر. كانت تنظر من النافذة وشعرت بالقلق لأنه يقف تحت الأمطار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!