وقفت بيسان أمام النافذة لا تفارق مكانها. كلما مرت دقائق الساعة، ينتفض قلبها خوفاً ورعباً لعدم مجيئه. لقد اقترب الفجر وما زال في الخارج. في تلك اللحظة، ابتسمت وشعرت بالارتياح. لقد وصلت سيارته أمام العمارة. نزل منها، ولكن لم يصعد. وقف بجانب السيارة تحت المطر. كانت تنظر من النافذة وشعرت بالقلق لأنه يقف تحت الأمطار وهو لا يوجد معه شيء يحتمي به.
أخذت الشمسية ونزلت. اصطدمت حين اقتربت منه ورأته في تلك الحال المزري. كان يقف تحت المطر وهو لا يشعر به، ويده تنزف دماً ولا يشعر بها. فأسرعت باتجاهه بلهفة ووضعت الشمسية فوقه لتحميه من الأمطار، وأمسكت يده التي تنزف قائلة: "أبيه، إيدكم مجروحة؟ ليه واقف تحت المطر كده؟ هتتعب، تعالى معايا." جواد، وكأنه لم يشعر بشيء حوله، وعيونه محمرة كالجمر، لا يستجيب لها ولا يتحرك من مكانه. تنهدت برجاء قائلة:
"عشان خاطري يا أبيه، يلا نطلع. إيدك بتنزف جامد." جواد، أخيراً استمع لها. صعدا إلى الشقة ودخلا غرفة جواد. وتين جلسته على أحد الكراسي وجلبت علبة الإسعافات وبدأت في تنظيف الجرح وتوقف النزيف، ولف يده بالشاش. كان ما زال صامتاً ولا يتحرك، كأنه مغيب تماماً عن هذا العالم.
وتين ترى وتشعر بتلك الآلام والوجع الذي يشعر بها، ولكن لا تعرف ما سببه، ولماذا هو في تلك الحالة المخيفة. فهي من يوم وفاة نور وابنته لم ترَ بهذا الحال. فماذا حدث من جديد ليرجع لتلك الحالة؟ كانت ملابسه تتساقط منها المياه من أثر المطر. وضعت يدها على جبينه وكان يشتعل من ارتفاع الحرارة. فقالت بخوف: "أبيه، أنت حرارتك مرتفعة، لازم تغير الهدوم دي حالا. وأنا هعمل لك حاجة دافية تشربها."
لم تأتيها أي رد منه، وهذا أخافها أكثر. فهو لا يتحرك ولا يتكلم، ولا تعرف ما به. فجلبت له بيجامة، واقتربت منه، وأغلقت عيونها ببراءة كي لا ترى جسده، وبدأت تستشعر بيديها أزرار قميصه لتفكها. وهو ما زال لا يشعر بشيء.
ولكن كان ينظر لها، وحجر عينه مثبت عليها وهي مغمضة العينين وتحاول أن تبدل له ملابسه المبللة كي لا يتعب. وبعد أن انتهت من فك أزرار قميصه، سحبت ذراعه من القميص وهي ما زالت مغمضة العين. أمسكت برأس التيشيرت وبدأت تستشعر رأسه لتلبسه إياه.
وبعد أن انتهت من تغيير ملابسه، فتحت عينيها ببطء لتجده على نفس الحال. ذهبت إلى المطبخ لتحضر له شيئاً دافئاً يشربه. عادت مرة أخرى وبدأت أن تسقيه ليدفئ جسده. كانت مثل أم تتعامل مع طفلها بكل حب. وبعد أن انتهت، جلبت له غطاء كي لا يبرد. فأمسك يدها وقال بنبرة حزينة: "أنا ما أستاهلش حبك واهتمامك ده؟ وتين تلتفت عليه بابتسامة، وأخيراً خرج صوته الذي يريح قلبها، قائلة: "أنت تستاهل إني أضع روحي تحت قدميك، فكيف لا تستحق الاهتمام؟
جواد، بدون وعي، قائلاً: "لأني قاتل." وتين بصدمة، قائلة: "أنت بتقول إيه يا أبيه؟ قاتل؟ جواد، أخيراً سمح لتلك الدموع المتحجرة بعينيه أن تنزل، قائلاً: "مااااات اليوم ألف شخص. أنا قتلتهم." وتين يهتز قلبها لرؤية دموعه وتقترب منه وتمسحها، قائلة: "ما تقولش كده، أنت مستحيل تقتل. أنا متأكدة."
جواد يسترجع تلك اللحظات الذي وصلوا بها إلى موقع المشروع ولم يلحقوا. فقط انهار المشروع بأكمله، وعدد الموتى تخطى الألف شخص من رجال ونساء وأطفال. راحوا تحت تلك الأنقاض، بسبب اللعب في الأساسات والنقص فيها ولم يكتمل بالشكل الصحيح لها. فكان المشروع تحت مسؤوليته ولا يلاحظ تلك الألاعيب التي حدثت، وهو لا يدري. "يا نهار...
" جواد من تلك المشهد الذي رآه ولم يفارق ذاكرته ولا عينيه، حين رأى رجال الإسعاف وهم ينقلون الموتى في تلك المناظر البشعة. ويبدأ أن يضرب بيده المجروحة الجدار بكل قوته، قائلاً: "أنا السبب! أنا اللي قتلتهم! إزاي ما قدرت انتبه للعب اللي حصل ده؟ وكان السبب في موت ناس كتير؟
وتين تنتفض خوفاً وهي ترى يده تنزف مرة أخرى بسبب ضرباته المتتالية للجدار. تحاول أن تمنعه لكنه لا يستمع لها، وما زال يقرر في كلماته بدون وعي. وقفت على الجدار أمامه لكي يتوقف ولا يؤذي نفسه أكثر. جواد بدموع وألم الضمير يأكله ولا يرحمه. يوقف قبضة يده عند وجه وتين وهي مغمضة العين وتنكمش خوفاً منه. يلف وجهه عنها ويسقط على الأرض بضعف.
تفتح عيونها على صوت شهاقاته وتراه يجلس أرضاً ويبكي بوجع وحرقة. فتبكي هي الأخرى عليه ولا تشعر بنفسها إلا وهي تنزل وتأخذه بحضنها. فينكمش بها ولا يرغب في تركها وهو ما زال يبكي مثل الطفل في حضن أمه. كانت تحاول أن تهدئه بكل الطرق، لكن هو كان قلبه يحترق ولا يعرف أن يهدأ. قائلاً: "أنا اللي قتلتهم... أنا اللي قتلتهم... " قالها جواد بنبرة حزينة. وتين تضمه إليها أكثر وكأنها تخبيه في حضنها، قائلة:
"لا يا حبيبي، أنت ما قتلتش حد، وده مش ذنبك، ده ذنب اللي لعبوا في الأساسات والرسومات اللي أنت كنت عاملها. أنت مستحيل تقتل! أرجوك اهدى يا جواد." جواد يهتز قلبه لسماع اسمه من بين شفتيها بدون ذكر "أبيه". هدأ قليلاً ونظر لها، قائلاً: "أول مرة تنطقي اسمي من غير ما تقولي يا أبيه؟ وتين بارتباك، تبعد عنه وتقف بخجل، قائلة: "أنا آسفة يا أبيه! ما تزعلش مني."
جواد يبتسم من براءتها وخدودها اللي بقت حمر من الخجل. برغم كل ما يمر به، إلا أنها بتقدر تجذبه من كل أوجاعه. ليقف بجانبها، قائلاً: "تعرفي إن اسمي خارج من شفايفك حلو قوي، وكأني أول مرة أسمعه." وتين بتوتر تتجه نحو الباب لتخرج، ولكن يمسك يدها ويسحبها إلى حضنه ويغرق في عيونها وكأنه لم يرها من قبل، ويهمس بهدوء، قائلاً: "خليكي، ما تمشيش."
وتين تحاول السيطرة على نبضات قلبها السريعة من هذا القرب، وتحاول أن يخرج صوتها بهمس خفيف يكاد أن يسمعه، قائلة: "أبيه... سيبني أخرج. أنت بقيت كويس." جواد ما زال ينظر لها بحب، قائلاً:
"أنا إزاي كنت طول الوقت بعذب نفسي إني ما أشوفش كل الجمال ده. عيونك الجميلة اللي زرقانها يتفوق على زرقان البحر، وجمال رموشك اللي مغطياها، وحاجبك الساحر اللي مثل الموج بيخطفني كل ما أشوفه، شفايفك الوردي اللي بعشقها بشكل خاص، بشرتك الناعمة، وملامحك الهادية، ولا العصفورتين اللي نايمين على خدك، وبيحمروا أول ما تنطقي اسمي. إزاي كنت قادر أمنع نفسي عن كل ده؟
أنت إزاي قادرة تكوني بريئة قوي كده، في كل تفاصيلك، وكأنك ملاك من نور! مش من سكان الأرض. أنت قولي لي إزاي قدرت أسمح لقلبي وعيني إني أبعد عنك؟ وتين كادت أن تذوب من صوته الهادئ، وتحاول تستجمع نفسها، قائلة: "لو سمحت يا أبيه، سيبني أخرج." جواد، وهو ما زال يحتجزها بين ذراعيه على الجدار، ولا يمل من النظر إليها وكأنه تغيب تماماً ولا يسمعها، قائلاً:
"لما بشوفك وبقرب منك، قلبي بيبدأ يدق بسرعة مليون. أنا تعبت من كتر الاشتياق ليكي. كنت دايماً بكذب إحساسي بيكي، وأقول ما ينفعش طفلة أنت مربيها على إيدك تعشقها؟
لكن حبي ليكي كان بيؤذيني مع كل ثانية ودقيقة. اتجوزت نور عشان أمنع على نفسي أي فرصة تقربني منك، لكن فشلت كل محاولاتي. فضلتِ محفورة في قلبي وما حدش عرف يخرجك منه. لما نور ماتت وقسيت عليك، كنت بقسى على نفسي مش عليك. كنت بحاول أموت أي إحساس جوايا ليكي، لأني كنت شايف إن ما ينفعش إني أفكر فيك بالشكل ده، لكن برضه فشلت." وتين كانت تستمع له ولا تعرف ماذا تفعل. هل تفرح لتلك الكلمات التي يقولها الآن؟
ولا تحزن لأنها خلاص مجبورة أنها تبعد عنه. تغمض عيونها وكأنها تتمنى لو تنزع قلبها من بين ضلوعها لكي تتخلص من كل تلك الآلام الذي تشعر بها في تلك اللحظة. فتقرر أنها لم تسرح بمشاعرها تجاهه كي لا تعذبه أكثر، وبنبرة متألمة، قائلة: "أرجوك أبيه فوق لنفسك. أنت مش في وعيك. سيبني أخرج لو سمحت." جواد، الحب الذي بداخله يضعفه أمامها ولا يقدر أن يبتعد عنها، فيضع وجهها بين كفيه، قائلاً:
"طول عمري بحس بيكي وباللي عايزة تقوليه، حتى وأنت كاتمّاه في قلبك، أنا بسمعه بكل وضوح. حسيت بيكي من أول يوم جيت فيه الدنيا دي وكنت أول واحد حملك على إيديه، واختار لك اسمك من قلبه {نياط القلب} {بمعنى وتين القلب}. وكبرتي قدام عينيه لحظة بلحظة. أنا عارفك أكتر ما أنت تعرفي نفسك... بفهمك من إشارة عينك، وحركة إيدك، وهزة دماغك، ولما تتغاظي مني وتعدي على شفايفك... أنا عاشق لكل تفاصيلك!
ليه عايزة تسيبيني، وأنا عارف إن قلبك اتخلق ليا... قلبي مش قادر يتحمل بعدك أكتر من كده! ينهي كلماته هذه ولا يشعر بنفسه إلا وشفايفه تقترب منها ليطفئ كل تلك الشوق الذي يشتعل في قلبه وداخله منذ سنين. ولكن وتين أغمضت عيونها والتفتت إلى الجانب الآخر وتنزل دموعها بحرقة، قائلة: "لا يا جواد... أرجوك ما تعملش كده! جواد، وكأنه فقط السيطرة تماماً على نفسه، يحاول أن يقترب منها مرة ثانية وبانفعال يغلفه الشوق، قائلاً:
"أنت بتاعتي أنا يا وتين، وده حقي وأنا بأخده." وتين وهي تحاول تبعده بكل قوتها، ولكن قوته تتفوق عليها، فهو لا يرغب في تركها. فغلبت عليه المشاعر، فلا يعد يرى دموعها. فلا تجد نفسها إلا وهي تحضنه بقوة وتقول من وسط شهقاتها، قائلة: "احميني يا أبيه... احميني من نفسك، أرجوك احميني من نفسك يا أبيه...
وفي تلك اللحظة، يرجع جواد إلى وعيه من جديد وهي تتخبى في حضنه وتتحامى فيه كما تفعل دائم. فكان هو السند لها والدرع الحامي. كانت تهرب من الدنيا كلها وتأتي إليه لتتخبى في حضنه لتشعر بالأمان. فندم على ما فعله وضَمّها إلى حضنه ليشعرها بالأمان، والتطمئن، قائلاً: "تمام، اهدي يا حبيبتي، أنا آسف. أنا مش عارف أنا إزاي عملت كده، أنا آسف خلاص، اهدي. أنا مش هعمل لك حاجة... اهدي."
وتين بدموع وهي تتشبث به ولا تتركه، وكانت تتذكر لحظة اعتداء ماجد عليها ودخلت في نوبة بكاء، قائلة: "أرجوك ما تعملش كده، احميني... احميني يا أبيه... جواد يعتصر قلبه لتلك الحالة الذي أوصلها لها، وهو لا يعرف أن هو لم يكن سبب تلك الحالة، قائلاً: "والله مش هعمل حاجة... اهدي... وتين حبيبتي، أنا جواد، مش ممكن أذيكي."
وتين تبدأ ترجع لوعيها من تاني وتضبط أنفاسها المتقاطعة وتبعد عنه، وكان جسدها ينتفض من الخوف، فتنكمش على نفسها في أحد زوايا الغرفة، وكان شريط اعتداء ماجد عليها يمر أمام عينيها ولا يفارقها، وتغرق في دموعها ولا تعرف أن تنطق بكلمة واحدة. جواد يؤلمه ضميره ويوجعه قلبه وهو يراها بتلك الحال، يقترب منها ولكن لا يلمسها كي لا تخاف أكثر، قائلاً: "وتين، أنت خايفة مني؟
أنا مستحيل أذيكي. أنا آسف، عارف إن اللي عملته ده غلط، والله آسف." وتين تقف وتمسح دموعها، قائلة: "لو سمحت سيبني أخرج." جواد باستجابة، قائلاً: "تمام، اخرجي، لكن حاولي تهدي." جواد كان ينظر لها وهي تخرج من الغرفة ليضيق صدره وتتصارع أنفاسه، ويشعر وكأن قلبه يختنق ولا يعد يتنفس، ليرسل تنهيدة متألمة، وليمسك يدها، قائلاً: "وتييين...
تلتفت وتين لتراه يتنفس بصعوبة وعلى مفارش الوقوع، فتقترب منه بسرعة وتسنده وتجلسه على طرف السرير، وتجلب له كوب الماء ليشرب، قائلة: "أنت بخير... جواد ما زال يشعر بضيق في صدره، ويحاول أن يضبط أنفاسه، ولكن يفشل تماماً، ويرسل تنهيدات متتالية ويبدأ أن يفقد قدرته على التنفس، ليقول بنبرة متقاطعة، قائلاً: "مش قادرة أتنفس!!! ونبضات قلبي سريعة."
وتين تقترب منه بخوف، وتضع يدها على صدره وتقوم بتدليكه، وبدأ جواد أن يسترد أنفاسه مرة ثانية أول ما لمست صدره، قائلة: "بقيت أحسن... جواد بتعب، يمسك يدها ويضمها على صدره، قائلاً: "أنا مش عارف إيه اللي حصل؟ أول ما بعدتي عني، حسيت وكأن قلبي خرج مني! مش عارف ليه دايماً بحس بالإحساس ده، لما أنت بتبعدي عني؟ وتين بوجع، تقول بداخلها: "إزاي هقدر أقول لك إن دي آخر ليلة هكون قريبة منك فيها!!
وإني خلاص هبعد عنك.. وحوش الدنيا أخذوني منك غصب عني... جواد، تقع عينه على تلك الخاتم بأصبعها، وباستغراب، قائلاً: "إيه الخاتم ده... وتين بابتسامة متألمة، قائلة: "نام أنت دلوقتي... وأنا هفضل جنبك مش هسيبك." جواد، ما زالت عينه معلقة على الخاتم، قائلاً: "وتين، سألتك إيه الخاتم ده؟ وتين تسحب يدها منه بهدوء وتشد الغطاء عليه، وبابتسامة، قائلة: "أبلة نادية جابته لي... ارتاح أنت دلوقتي وأنا هفضل جنبك."
جواد يغمض عينيه بتعب ويذهب إلى نوم عميق، ويتمتم وهو ما زال يمسك يدها ويضعها على صدره، قائلاً: "أنت نياط القلب؟ لا تروحي... ... "نياط القلب" هو عرق في القلب، وقيل عرق لاصق بالصلب من باطنه أجمع يسقي العروق كلها الدم، ويسقي اللحم وهو نهر الجسد، وقيل هو عرق أبيض مستبطن الفقار، وقيل الوتين يستقي من الفؤاد وفيه الدم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!