اعتذر.. كوني في لحظة غباء أبكيت تلك الجوهرتين. كأنه أخرجها من بركان نار إلى نهر ماء بارد. أطفأ نيرانها الثائرة وغمر روحها بالهدوء المفاجئ والدفء. مشاعر معاكسة كليًا لما كانت تسيطر عليها منذ لحظات، تحديدًا قبل قبلته تلك. ابتعد عنها يتنفس بعمق بينما ينظر لها بقلق من رد فعلها، لكن عيناها الزائغة وارتعاشها أثبتا له أنه اختار الطريقة الصحيحة لتهدئتها. زفر أنفاسه براحة وهو يستغل حالتها تلك في التحكم بها.
حيث أخذها وأجلسها على الفراش، وجلس على ركبتيه أرضًا أمامها. أخذ يداها بين يديه وهتف بينما يضع عيناه نصب عينيها: "نيرة، انتي سمعاني؟ نظرت له بتشوش لحظات قليلة قبل أن يومئ بنعم. فزفر قائلاً: "مركزة معايا يعني؟ عادت يومئ بنعم وهي تعطيه كامل تركيزها، وهي تراه يؤكد على أن تمنحه ذلك التركيز الآن. ابتلع ريقه. أخذ نفسًا عميقًا، كأنه داخل في مسألة تعني له الحياة أو الموت، ثم بدأ بالحديث:
"انتي عارفة إني اتولدت بعد سنين كتير من جواز بابا وماما من غير خلفة. وأسر جه بعديا بكتير برضه. إن بابا وماما تقريبًا كانوا بينفذوا ليا أي طلب من غير ما أطلبه. دلعوني جدًا. كانوا بينفذوا ليا أي حاجة حتى أحيانًا لو كانت غلط. كبرت ودخلت الجامعة واتخرجت وعمري ما شلت هم أي حاجة. كل حاجة عايزها بابا بيدفع تمنها. حتى بعد تخرجي مشتغلتش. كملت في حياتي وخروجاتي وسفرياتي ومش مهم عندي أي حاجة تانية. هما كانوا بيحققوا لي كل حاجة عشان بيحبوني. مكنوش بيخلوني أتعب عشان آخد اللي عايزه، فبقيت كدا غصب عني. بقيت ميهمنيش الحاجة بتيجي إزاي. معرفش هي بتيجي إزاي أصلًا عشان أشيل همها لو راحت. لو عربية باظت تاني يوم بيجي الأحدث. فليه أهتم بيها؟
ليه أشيل مسؤولية وأخاف عليها من الكسر أو... أو وأنا عارف إن فيه بديل؟ قيسي نظرتي لكل حاجة زي نظرتي للعربية كدا. عايش وأنا عارف إن مفيش حاجة صعبة عليا. كل حاجة عادي تيجي ولو راحت فيها بديل. كل حاجة حتى الناس. هما أصلًا اللي بيقربوا مني. بيتمسكوا بيا. لو زعلنا من بعض هما اللي بيعتذروا. الكل بيأكد لي نظريتي إن كل حاجة سهلة. مفيش حاجة صعبة عليا إنها تبقي بتاعتي. حتى انتي." صمت قبل أن يتابع وهو يرى نظراتها التي توسعت
منتظرة منه حديثه عنها: "انتي صديقتي من الطفولة. من يومي مبحبش حد يقربلك عشان تفضلي تهتمي بيا أنا وبس. تلعبي معايا أنا وبس. عشان لما نتخاصم تصالحيني أنا وبس. ومتصالحيش حد زي ما بتصالحيني. كل مرة بنتخانق انتي اللي بتبدأي في الصلح. زيك زيهم. حسستوني إنكم مش هتمشوا. شئ ثابت. مهما أعمل مش هتزعلوا وهتفضلوا وهتتمنوا رضاي كمان.
لما جت فكرة الارتباط بيكي.. أنا رفضت وصرخت واعترضت. وانتي عارفة لما بعترض وبقول لأ يبقى لأ. بس أنا جوايا كنت عايز. كنت بقول لأ بس مش بقلب. مش زي كل مرة ببقى رافض فيها حاجة. كنت عايز أجرب حكاية إنك انتي.. انتي وبس تكوني خطيبتي. أنا عمر ما بنت لفتت انتباهي. صاحبت بنات زيي زي أي حد في سني بس كلهم كانوا بالنسبالي ولا حاجة. إلا انتي. انتي بس اللي كنتي بتهميني. لما قالوا نكتب الكتاب.. قولت لأ. مش عايز استعجال. لكن من جوايا كنت فرحان. عايز أجرب إنك تكوني مراتي. وبتاعتي وعلي اسمي.
يوم كتب الكتاب أنا قولت إني تعبان وسبتكم بعد ما كنتوا عايزين تحتفلوا ووشي كان مقلوب. لكن ليلتها أنا معرفتش أنام. معرفش من الفرحة ولا من إيه بالظبط! بس كنت مبسوط. كنت طاير. كل شوية افتكر إنك بقيتي مراتي وأبتسم من غير سبب. لما وصلنا للفرح.. كنت ممكن أعترض فعلًا بس معرفتش. نفس الحاجة بتمنعني. الحاجة اللي بتخليني عايز أعيش معاكي كل حاجة وأي شعور كأي اتنين متجوزين.
لما وصلنا لليلة الفرح، لما كان خلاص فاضل ساعة، أخدت شاور وحلقت دقني. كنت خلاص بغسل وشي ورايح ألبس البدلة. ووقفت قدام المراية. وقفت وشوفت نفسي في السنين اللي جاية يا نيرة. أنا اللي متعود أهرب من أي حاجة مرهقة. لو حسيت بزهق ممكن أقفل كل طرق التواصل وأسافر مكان محدش يعرف يوصلي فيه. هينفع أكون زوج وأب؟ هينفع أقعد في مكان وأسيب مراتي في مكان؟ هكون مرتاح وأنا مش عارف هي ممكن تتعرض لإيه في أي وقت!
هقدر أفضل جنبك طول الوقت ومهربش من الدنيا لما أزهق؟ لا مش هعرف. ولو عرفت أهرب وقدرتي انتي ده... وخلفنا في يوم.. مش ممكن نخلف؟ ابننا يتعب.. وتجري بيه بنفسك عشان أنا للأسف مش فاضي! مش يمكن عنده حفلة ومطلوب مني أحضر لكني مش هقدر لأني مش مقدر أهميتها عنده وبالتالي نفسي أولى!
لقيت لقطات كتير من مستقبل قريب بتدور حواليا وأنا بنفسي القديمة بشوفها ومش قادر أتحملها. انتي دلوقتي مش طيقاني، لكن بعدين لو حصلت مكنتيش هتستحملي تبصي في وشي. كنت هنزل من نظرك أكتر. عشان كدا. وعشان أنا مش مسئول. وعشان أنا ميهمنيش غير نفسي. وعشان أنا عابث. وعشان أنا غبي. وعشان ألف حاجة وحاجة. عشان دا كله.. أنا هربت."
أنهى حديثه المطول أخيرًا وأطلق زفرة متعبة. ثم نظر لها. كانت ملامحها ساكنة، لكن لا يظهر عليها أي تفاعلات. خشي من القادم وهو يرى ذلك الهدوء. خاف أن يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة. قطعت أفكاره بسؤال خرج منها في منتهى الهدوء: "ولما هربت عشان دا كله وعشان خايف تبقى زوج وأب سيء، ليه لما رجعت رفضت تطلقني وجبتني قعدتني في بيتك وبقى عندك استعداد تكمل جوازنا؟
وهذا السؤال.. الذي لم يجد له سؤالًا لحتى لحظة عودته، لكن بعد عودته علم الإجابة والتي ما كانت سوى: "لأني عرفت إني بحبك. كنت عايز أتزوجك بس مش عارف السبب. لأنك صحبتي الوحيدة؟ لأني معرفش غيرك؟ ليه انتي الوحيدة اللي اتمسكت بيكي!
مكنتش لاقي سبب مخليني أعرف أنا ليه عايز أرتبط بيكي لحد ما سافرت نيويورك وأنا معنديش سبب. لحد ما رجعت وعرفت بحكاية أنس واتجننت وغيرت. لحد ما عديت باللي عديت بيه خلال الكام يوم اللي فاتوا دول. كل اللي فات واللي بحسه ناحيتك واللي كنت بحسه زمان.. كل حاجة أكدتلي إني بحبك يا نيرة." وقبل أن تقول حديثًا يتوقعه، هتف:
"عارف هتقولي هيفيد بأيه حبك أو عدمه طالما الغلط في الشخصية أصلًا، وإني أيان سوي بحبك أو من غيره. لكن.. الأول.. يوم الفرح وأنا واقف قدام المراية وأنا بشوف نفسي فيها في المستقبل سألت: هل ممكن أتقبل فكرة إني أكون زوج وأب وأضحي؟ أبطل أهرب وأبطل أفكر في نفسي بس.. وأفكر في غيري معايا. ولو هضحي؟ فـ هضحي ليه؟
ولما ملقيتش إجابة على ليه هربت.. لكن دلوقتي أنا عرفت الإجابة. هضحي وهتغير عشان بحبك.. عشان عايزك. هبقى أيان تاني. هيحاول يضحي.. بل هيضحي لأني مش عايز أخسرك تاني. لأن فعلًا أيان من غير نيرة ميسواش. وعلشان أيان من غير نيرة ميسواش. تسمحيله بفرصة تانية يحاول يعوضك فيها عن كل اللي فات يا نيرة؟ هل قلبها يدق بعنف بحب ظنت أنها تخلصت منه؟ يرتعش قلبها سعادةً بما تسمعه!
هي فرحة.. طائرة من كلماته. الآن فهمت كل شيء. أعطته عذره. خاصة أنها حضرت طفولته ومراهقته وشبابه وتدرك صديق حديثه. تعلم أن سبب من أسباب جعل شخصيته بذلك التكوين هو تدليل أهله المبالغ له. لكن هل بعد كل ما سمعته ستسامحه وتعطيه تلك الفرصة؟ أم لا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!