الفصل 11 | من 16 فصل

رواية نيرة والعابث الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
20
كلمة
1,775
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

انتظر اجابتها مطولا ان كانت بقبول مبرراته والعفو، والموافقة على منحه فرصة التعويض أو دون ذلك. وبدورها، بعد صمت طال كثيراً، هتفت وهي تنهض عن جلستها بنبرة جامدة: -اللي فات مات يا أيان، وأنا سامحتك على اللي حصل خلاص. نهض سريعاً ومسك رسغها مانعاً إياها من متابعة السير، وقال: -يعني أفهم من كده... قاطعته قبل أن يحلم بأي شيء: -متفهمش من كده غير حاجة واحدة بس، أنا لسه مصرة على الطلاق. هتف بصوت راجٍ:

-نيرة أرجوكي، اعطيني فرصة، فرصة واحدة بس. نظرت لعينيه بدموع تحاول ألا تجعلها تسقط، وهي تقول بتألم: -أعطيتك كتير، كل السنين اللي فاتت وأنا بعطيك واحدة ورا الثانية، بس أنت عمرك ما استغليتهم، وأنا مبقاش عندي فرص تاني أصلاً أقدمها. حديثها، جمودها، برودها، كل ما يظهر على ملامحها الآن، يثبت له شيئاً واحداً فقط، هي اكتفت. نيرة: -أرجوك خليني محافظة على صورتك في عيني، ومتهزهاش أكتر من كده، وخلينا ننفصل بهدوء.

ابتلع ريقه بصعوبة، وقال: -لو قولت لا؟ -تبقى بتخسرني كصديقة وزوجة كمان. صمت قليلاً، يفكر في ما آلت إليه الأمور، وفي ما ستؤول له إذا اعترض. تنهد وهو يرى أنه إذا أحكم إمساكه عليها، ستفقد بريقها أكثر بعد، ستكرهه أيضاً وسيظل يسقط من أنظارها حتى يختفي. لذا قال بعد أن زفر نفساً طويلاً، أخرج فيه كامل وجعه وقلة حيلته: -أنتي طالق يا نيرة. شحطت عيناها وجعاً، لكنها حاولت أن تخفيه، وهو يبتسم بهدوء. تابع هو قبل

أن يتركها بالغرفة وحيدة: -أنا كده خسرتك كزوجة، أتمنى ما أخسركيش كمان كصديقة. *** فات على ذلك اليوم شهر كامل، تغير فيه أيان كثيراً، حيث بدأ أهدأ وأعقل مما مضى. يتابع أعماله بشركات والده بجدية، بعيداً عن المقر المشترك بين الصباغ وأبو النصر. حيث طوال ذلك الشهر ابتعد كلياً عن نيرة. كان الحزن يلمع في عينيه، لكنه كان ينجح في إخفائه.

استطاع أن يثبت أنه ذكي، متحمل للمسؤولية إلى حد ما، حيث عندما سافر والده في رحلة عمل ما لمدة أسبوعين، استطاع أن يمسك زمام العمل بيد من حديد، متحملاً كافة مشكلاته وما إلى ذلك. لكن نيرة، كان حالها غير. باتت باهتة الوجه، حزينة المظهر. لم تستطع أن تخفي حزنها ووجعها عن العيون مثله. لا تصدق أنه قام بتطليقها وأطلق سراحها بتلك السهولة. لم يتمسك بها كما توقعت. لكنها تعود وتتذكر في الأخير أنها من أصرت، إذن لا عليها أن تحزن.

بعد شهر أخذته كاملاً كاعتكاف في المنزل، قررت أنها منذ اليوم ستعاود ممارسة حياتها كما الماضي، وستنسى الماضي بكل ما فيه. وأول ما ستنساه حبها لذلك الصديق. *** -يعني إيه؟ خلاص كده حكايتهم خلصت؟ قالتها نور بضيق وهي تنظر لـ أسر بشفتين مزمومتين حزينتين. تنهد الآخر مجيباً عليها: -ده اللي أنا شايفه للأسف، أيان بيهرب من أي حوار ممكن تيجي سيرتها فيه. نور بحزن على شقيقتها:

-نيرة مبقتش تقعد معانا أصلاً، واخدة ركن ومنزوية فيه لروحها. أسر: -والحل؟ دول حتى قطعوا صداقتهم خالص. -أمم.. إحنا نجس النبض، لو كان لسه فيه حبة أمل نعمل المستحيل ونقربهم من بعض، لو مفيش.. فخلاص خلصت على كده. قالت نور كلماتها وهي تنظر بعيداً بنظرات لامعة. فقال أسر: -طيب وهنجس النبض ده إزاي؟ نور بنظرات ماكرة: -أخوك ملهوش غير مفتاح واحد.. *** -أنس! ماله أنس وإيه جاب سيرته دلوقتي؟!

قالها أيان بتعجب وهو ينظر لشقيقه الجالس أمامه يرمقه بنظرات متسلية يحاول جاهداً أن يخفيها وهو يقول مصطنع البراءة: -اللي عرفته إنه اتقدم تاني لـ نيرة ومستنيين العدة تخلص علشان يرتبطوا رسمي المرة دي. وهل ظن أنه نسي وتناسى حبه؟ ناره خمدت وتجمدت ببرود؟ كان كاذباً، فها هو الآن تكاد تخرج من أذنيه شرارات الغضب من جديد. -وأنت مين قالك الكلام ده؟ قالها بعصبية لأخيه الذي هتف بنفس البراءة المصطنعة: -نور.

وانفتح باب المكتب وطل أيان من خلفه، بنفس جاذبيته وأناقته المعتادة، بنظراته الآسرة ورائحة عطره الفائحة. ارتعش قلبها بداخلها، لكنها جهدت لتتماسك، وهو تردف ببسمة خفيفة بينما تنهض عن جلستها: -أيان! اقترب منها، كانت ملامحه غير مقروءة. وقف أمامها يفصل بينهم ذلك المكتب فقط. أراح كفيه على المكتب، ومال قليلاً حتى تقابلت عيونهم. قال بنبرة جاهد ليظهرها هادئة:

-عايز فرصة أخيرة، لسة باقي على نهاية العدة شهرين، من بعدها هسيبك براحتك تتخطبي لـ أنس.. تتجوزيه، أو تقابلي أي حد براحتك، لكن طول الشهرين دول أنتِ ملكي.. هنرجع نتعامل فيهم أصحاب زي زمان، أنا وأنتي وبس ومش هتكلمي حد غيري فيهم، نعيشهم زي زمان وبعدها لو عايزاني أختفي من حياتك المرة دي للأبد وبلا رجعة أنا موافق.

نظرت له طويلاً، تفكر في عرضه بتركيز قبل أن يومئ بنعم. فهي أيضاً تشتاق لقربه، لصداقته. هي أيضاً ما زالت تضعف ولا يعجبها ذلك البعد الذي بينهم. هي أيضاً ستستغل الشهرين أولئك بكل دقيقة فيهم بالجلوس قربه والتعامل معه. ثم.. لـ الحديث بقية. مد كفه لها: -يعني deal يا صديقتي العزيزة؟ أومأت بنعم وهي تمد يدها لتسلم عليه: -يعني deal يا صديقي العزيز. ***

صباح يوم جديد. خرجت من المنزل ناوية الذهاب إلى العمل، لكن وجدت من يقف أمامها، مستنداً على دراجته النارية، مرتدياً ملابس شبابية عبارة عن بنطال جينز قصير "شورت" وقميص صيفي خفيف. خصلاته مصففة بعشوائية. نزع نظارته الشمسية عن عينيه ووضعها أعلى رأسه واعتدل في جلسته، بينما اتسعت بسمته عندما طلعت عليها. اقتربت منه تسأله بتعجب: -أنت بتعمل إيه هنا؟ قال ببساطة: -مستنيكي علشان نروح نفطر سوا. -بس أنا ورايا شغل! أعطاها "خوذة"

لترتديها بينما يجيبها: -بلا شغل بلا بتنجان يا نيرة، إحنا هنفطر سوا وهنكمل اليوم النهارده سوا وعمو إبراهيم سيبه عليا. -بس.. أخذ الخوذة منها، وألبسها إياها بنفسه وقال: -يلا اركبي.. اركبي أنا هفطرك النهارده فطار مستحيل تنسيه. لجنون الفكرة، أصابها الحماس لتخرج من أمورها الاعتيادية وتجرب جنونه هو وحماسه، فوافقت.

بعد قليل. على عربية فول وفلافل، كانت تقف نيرة أمامها وبجوارها أيان، يتسابقوا سوياً من سينهي أكبر عدد من السندوتشات أولاً. كانت تبلعهم بلعاً كي لا تخسر، لكنه كان متمكناً أكثر منها. بينما تنهي واحداً يكون أنهى ثلاثة. أكلاً حتى وصلا لحد التخمة، ولكنها ما زالت تعاند وتأكل! هتف وهو يتنهد متعباً: -خلاص يا نيرة استسلمي.. كفاية بقى أنا تعبت خلاص مش قادر. نيرة بعند: -لا لازم أغلبك بحق وحقيقي.

-أنتي كده هتتعبي، أنتي مش متعودة على السندوتشات دي وما شاء الله حضرتك أكلة كمية كبيرة يعني ممكن تموتي. رفعت إصبعها تضعه في وجهه وهي تهتف: -طيب تعرف إني غلبتك وإني كسبت؟ قال بقلة حيلة: -أعترف يا ستي، يلا بينا بقى؟ وعلى الرغم أنه لا يحب الخسارة، إلا أنه قرر التضحية، فهي عنيدة وهو يعلمها تمام العلم. ركب الدراجة النارية وقال: -هتوديني الشغل؟ -لا.. هنروح مكان هتحبيه أوي.

وأخذها إلى "الملاهي" أكملا يومهم فيها، يتلاعبا ويتمازحا كما الماضي. شعرت نيرة خلال تلك السويعات القليلة التي قضتها معه أنها في غمرة سعادة لا تتمنى أن تصحو منها قط. عاشت مع أيان لحظات كثيرة تشبه تلك التي كانوا يقضونها بالماضي قبل أن يدخلوا في معضلة الخطوبة والزواج. في نهاية الأمر. انتهى اليوم وعادت إلى المنزل مع تقارب الساعة إلى الثانية عشر ليلاً.

وذهب هو إلى المنزل وهو في غاية السعادة، يشعر وكأنه يملك الكون كله بأسره بين يديه. خلد إلى النوم قرير العين، كما لم يفعل منذ وقت طويل، سعيداً بما حدث، مفكراً بأنه بالغد وبالأيام التالية سيحيا معها وسيخلد معها ذكريات كتلك.. من جديد إذا شاء الله.. بالطبع. لكن.. صرخات أسر التي جاءته ما إن غفت عيناه قطعت عليه وصلة سروره، والآخر يقول في أذنيه بكل ما يحمله من قوة صوت: -أيــــان الحق نيـرة بتموت ياايــــااااان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...