الفصل 9 | من 16 فصل

رواية نيرة والعابث الفصل التاسع 9 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
19
كلمة
1,895
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

مـر الصباح هادئا على الاثنين، حيث توجه كل منهم إلى العمل، ودخل مكتبه ثم لم يخرجا منه حتى أتت الظهيرة. اتصلت والدة نيرة بها تخبرها بأنها ستنتظرها هي وزوجها في النادي، حيث هناك ينتظر الجميع ليتناولوا طعام الغداء معًا. كادت ترفض، لكن والدتها لم تعطِ لها فرصة بذلك وأغلقت الخط بعدما أخبرتها أنها معها ساعة من الآن لتكون موجودة هي وزوجها. تنهدت وهي تنهي آخر أوراق بيدها، وسحبت حقيبتها متجهة إلى مكتب زوجها لتنقل له الخبر.

زوجها كان جالسًا على مقعده، فاتحًا أزرار قميصه كلها وأكمام القميص، واضعًا قدميه على المكتب أمامه، ومستريحًا بظهره إلى الخلف على مقعده، يعبث بخصلات شعره بإحدى يديه، وباليد الأخرى يمسك أوراقًا ما ويقرأ فيها باهتمام وتركيز، لدرجة أنه لم يشعر بها عندما دخلت. لهتفاجئت من جلسته تلك، فصاحت فيه وهي تغلق الباب خلفها جيدًا: -أيان! اعتدل في جلسته صائحًا بفزع: -إيه! في إيه؟ هتفت بغضب وهي تنظر لحالته المزرية تلك:

-إيه اللي أنت عامله في نفسك ده؟ قال بتأفف وهو يعدل من هيئته ويعاود الجلوس على مكتبه من جديد: -ما بعرفش أركز غير كده. قالت بتعجب: -ما بتعرفش تركز غير وإنتَ قالع؟ افرض حد دخل عليك غيري؟ سكرتيرتك مثلًا! لاعب حاجبه هاتفا بمكر: -يا ريت والله، كانت هتطري الجو. -والله؟ قال بتزمر: -الله... ما خفت أقول ياريتك إنتِ يا جميل تقلبيلي وحش يا وحش. تابع كلمته بغمزة من عينيه الأسرتين. حاولت ألا تتأثر من أفعاله وهي تسأل بجدية مصطنعة:

-كنت بتعمل إيه؟ أمسك أوراقه من جديد وقال بينما ينظر لشيء ما بتركيز: -بحل هرم الكلمات المتقطعة. صح تعرفي بلد عربية أول حرف فيها "ميم" ومن تلت حروف؟ أمسكت القطعة الحديدية المكتب عليها اسمه لتعرف الداخل أن المكتب خاص به وألقتها به بينما تصيح: -كل التركيز ده عشان لعبة يا أيان؟ بعد رأسه عن مرمى القطعة الحديدية فوقعت بعيدًا عنه. التف لها يقول بضيق: -الله! خلصت شغلي وأنا بحب اللعبة دي يا نيرة. المهم، إنتِ جاية ليه؟

أتبع حديثه بغمزة مكملاً: -وحشتك ولا إيه؟ زفرت أنفاسها لتساعدها على تحمل ذلك الأبله المدعو بزوجها و: -العيلة مستنيانا في النادي عشان نتغدى سوا. أنهت حديثها لتجده قد انتفض عن جلسته نفضًا معدلًا هيئته بينما يقول بسعادة: -الله... هناكل، يلا عشان أنا جعان جدًا. وتوجه نحو باب المكتب، فنهضت وسارت خلفه بينما تضرب يدًا بيد وهي تهتف بداخلها "ويخلق ما لا تعلمون". توقف فجأة من سيره والتف لها سائلًا بجدية: -ما قولتيش ليا صح...

تعرفي بلد عربية أول حرف فيها "ميم" ومن تلت حروف؟ *** بالنادي... جلسوا جميعًا في النادي، على طاولة موجودة وسط مكان ملئ بالخضرة والورود وحولهم الأشجار. كان الجو على عكس الأيام الفائتة، به نسمة هواء عليلة غمرت روحهم بشعور من الارتياح. جلست أسرة أبو النصر مع أسرة الصباغ كما تعودوا يفعلون بالماضي قبل أن تحدث المعضلة الأخيرة. ويبدو بتكرار تلك الفعلة الآن أن النفوس بالفعل بدأت بالتصافي تمامًا.

حاولت نيرة أن تتناسى وجود أيان وتستمتع بهذا التجمع العائلي وتشارك أسر ونور الضحكات والنكات التي كانوا يتبادلون بها. بينما أيان كان يحاول التظاهر بالتشاغل بهاتفه، وكل فنية والأخرى يبعده وينظر لها مبتسمًا بسعادة وهو يرى ابتسامتها تلك، التي كاد يتناساها بالايام الفائتة. بسمتها... كم هي جميلة ورائقة. تناولوا طعام الغداء، وساد الصمت على الجميع قبل أن تقطعه والدة أيان، بينما تغمز بالخفاء لوالدة نيرة:

-أنا وداخلة شفت ملعب التنس فاضي يا أيان لو حابين تروحوا تتمرنوا شوية إنت ونيرة زي زمان. كادت نيرة ترفض متعللة بالكسل، لكنها سبقها بالرد بحماس بينما ينهض ويسحبها من كفها لتسير معه: -أحب واوي كمان يا ماما. وأخذها وسارا باتجاه الملعب. بعدما ابتعدا قليلًا عن مرمى أنظار العائلة، وقفت تتطلع له بغضب بينما تهتف: -مين قالك إني عايزة أتزفت ألعب تنس؟! حاول أن يتعامل ببرود:

-حكم العادة اللي قالتلي يا نيرة، وإننا كل مرة بنيجي هنا لازم نلعب سوا تنس. نيرة وهي تكتف يديها أمام صدرها: -والعادة دي أنا بطلتها ومش عايزة ألعب. قال ببرود وهو يحثها على السير معه من خلال يده التي وضعت على خصرها وبدأ يسير وهي جواره عنوة: -خلاص متلعبيش... تعالي اتفرجي وشجعي جوزك زي أي زوجة جدعة.

رمقته بغيظ من استفزازه، كادت ترد بغضب عليه، لكن توقفت الكلمات بحلقها وهي تستمع لبعض الهمسات الآتية بالقرب منها، لمجموعة من الفتيات والشباب المرتدين على النادي، والذي تعلمهم لأنهم من نفس وسطهم ومتقاربين من سنها: -مش دا أيان ونيرة؟ هما رجعوا لبعض تاني ولا إيه! قالتها واحدة منهم وهي تنظر لهم باهتمام ثم عادت تولي هذا الاهتمام لأصدقائها. فأجابتها أخرى: -آه سمعت كده... ده لما رفضت ترجع كمان طلبها في بيت الطاعة. قالت ضاحكة:

-مش معقول قد إيه جرئ. -مش عارفة إزاي رجعتله! للدرجة دي معندهاش كرامة! قالت أخرى بلهجة: -الحقيقة هو ميتسبش... ده يابختها بيه. يهتف آخر: -وهي على فكرة قمر، وخسارة فيه كمان... مش عارف إزاي نيرة الصباغ بجلالة قدرها بتبقى هبلة وعديمة الكرامة كده معاه... دي شخصيتها بتتلغي حرفيًا! وعند هنا كفى... طغت الدموع على عينيها والتفتت تنظر له، فوجدته ينظر لها بضيق وأسف وبدا على ملامحه أنه استمع أيضًا لما استمعت له.

ضربته على صدره ضربتين متتاليتين بأقوى ما لديها وهي تقول له بصراخ: -شوفت... شوفت أنت عملت فيا إيه! ولم تترك له فرصة للحديث بل توجهت ناحية بوابة الخروج ناوية الرحيل. انتبه الشباب على ما يحدث فالتفوا لهم مشدوهين من تواجدهم واستماعهم لما كانوا يقولوه بحقهم. فرمقهما أيان بنظرة حارقة قبل أن يلحق نيرة وهو يزفر بتعب. يالله! متى ستظل تلك الفعلة تحاوطهم؟ ***

دخل إلى المنزل، فوصل له صوت بكائها العالي، الذي أوجع قلبه وأحرق روحه. تنهد توجعًا عليها قبل أن يتوجه إلى غرفتها. دخل فوجدها جالسة على الفراش، كاتمة أنفاسها بالوسادة، تبكي فيها بكل قوتها وجسدها يرتعش كلها. اقترب منها وحاول أن يبعد الوسادة عنها بينما يقول بنبرة حنونة في محاولة منه أن يهدئها: -نيرة حبيبي... مينفعش كده، أهدي. وكأنه ضغط على زر الانفجار؟ حيث ها هي اعتدلت في جلستها تبعد يديه التي لمست كتفها

بعنف وهي تصيح فيه بانهيار: -متقوليش أهدي... اسمع، متقولش أهدي. أنا بسببك بقيت سيرتي على كل لسان، الكل شايفني معنديش كرامة... معنديش دم. وحقهم والله حقهم مادام أنا عارفة إني معنديش دم أصلًا، إزاي يبقى عندي دم وأنا قاعدة معاك في بيت واحد بعد اللي عملته... بعد ما كسرتني قدام الكل. اقتربت منه وصارت تضربه على صدره بقوة متابعة بصراخ أعلى: -كلهم قالوا عني كلام أزبل من ده، كلهم قالوا إني أكيد واحدة... ***

علشان كده سبتني يوم الفرح. كلهم شافوا إن الغلطانة والعيب فيا وإنك يا حرام كنت هتاخد في عروستك مقلب. كلهم شافوك الضحية وأنا المذنبة، شافوك البطل وشافوني المجرمة. تعرف ليه الكل بيقربلي؟ ليه أنس اتقدملي وأنا على ذمتك؟ عشان إنت مش راجل. اللي يسيب مراته ويهرب في يوم زي ده فعلًا مش راجل، ولا عمره هيكون راجلك.

كان يستمع لها بحزن وتأنيب ضمير، منتظرًا أن تفرغ كل ما بقلبها حتى يعتذر، لكن مع نطقها لآخر كلماتها، ملامحه بدأت تتبدل إلى أخرى... غاضبة... متضايقة. تابعت هي، غير دارية بمدى بشاعة كلماتها: -أنا هطلق منك... لازم أطلق منك والكل يعرف إن الغلط فيك مش فيا. لازم أطلق وأتجوز أنس. أنس اللي لسه متمسك بيا رغم كل اللي سمعته عني... سامع؟ نظرت له بعينين باكيتين، مليئتين بنظرات قوية متحدية و: -هتطلقني وأتجوزه ولو رفضت هخلعك...

هخلعك وأروحله. وبدأت تهتف بتتابع كلمة "أروح له" تلك التي أحرقته من الداخل، فحاول أن يصمتها ولكنها لا تكف عن نطقها وهي ترى ازدياد غضبه نتيجة سماعها. تهدده بتركه... بخلعه والذهاب لغيره. عند هنا وكفى... صاح وهو يلقي قطعة ما بالحائط: -اخرس بقى... اخرس! بدأت وكأنها لم تسمع لصراخه، حيث هتفت: -طلقني. مسك رسغها بقوة ألمتها، فاطلقت آه متألمة. قربها منه وهو ينطق بينما عيناه تطلق شرارات الغضب: -أطلقك عشان تروحيله!

ده في أحلامك... سامعة؟ ده في أحلامك. طول ما أنا على وش الأرض، إنتِ هتكوني على ذمتي وملكي يا نيرة... ملكي أنا وبس. ختم حديثه المتملك هذا بقبلة عاصفة، يؤكد من خلالها على صحة حديثه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...