كانت تقطع الممر الموصل لغرفته بخطوات راكضة.. تبكي كالمجنونة وشهقاتها وصل مسمعها لكل زوار هذا الطابق من المشفي. كانت تبكي بقوة وهي تفكر هل ستفقده؟ لا.. الفكرة تصيبها بالجنون.. لن تتحمل أن يحدث هذا. قسم أن حدث له شيء ما سيء.. ستموت حزنًا عليه بلا شك. اصطدمت بالطبيب المعالج الذي كان خارجًا من غرفته بذلك الوقت، الذي ما إن رأى حالتها حتى هتف بتسارع ليطمئنها: -إيه كل القلق ده بس؟
الشاب زي الفل.. هو اغمى عليه من الخضة بس لكن مفهوش ولا جرح حتى، نص ساعة وهيفوق وهيمشي معاكي كمان يا آنسة.. هدي نفسك وروقي كده. مسحت دموعها وهي تسأله بخوف: -هو كويس بجد؟ أومأ بنعم وهو يبتسم على حبها الظاهر عليه.. تابع وهو يستعد ليغادر: -زي ما قلتلك هو نص ساعة وهيفوق، لو حابة ممكن تدخلي وتستنيه جوه.
ولم تنتظر بل دفعت الباب ودخلت له بالفعل، فوجدته كما قال الطبيب لا خدش فيه، فقط نائم وكأن لم يحدث شيئًا، غير عالم بالذي حدث لتلك المسكينة عندما أتاها اتصال من المشفي لأنها مسجلة عنده باسم "مراتي" وكانت آخر من اتصل به ليقول لها الخبر.. الخبر الذي ارتعد جسدها كليًا ما إن سمعته وكاد قلبها أن يقفز من مكانه هلعًا. جلست بجواره على الفراش، قالت وهي تمسد بخفة على جبينه:
-من يومك تاعب قلبي يا أيان، إن ما كنتش مزعلني فبكون زعلانة عليك.. ولو ما كنتش متعبني ف أنا زعلانة على تعبك، لو ما كنتش واجعني ف أنا ببقى حاسة بوجعك انت.. من صغري وأنا بقاسم معاك كل مشاعرك ومواقفك الوحشة والحلوة، وانت من صغرك متعب فكان الوحش أكتر من الحلو. تنهدت ونظرت بعيدًا بشرود.. تتذكر الماضي وتقول وهي تبتسم بخفة:
-أنت أول صديق أعرفه، أول حد أسمح له يقرب مني ويصاحبني.. ما كنتش بسمح لحد يقرب مني غيرك، طول فترة ابتدائي قضيتها معاك وبس، ولما بعدها حاولت أتعرف على غيرك أنت اللي منعت ومسمحتش أقرب من حد غيرك.. -معرفش ليه! يمكن خوفت أبعد عنك؟ -المهم إنك بقيت بتعوضني عن ده إنك تشاركني في كل حاجة عشان ما أحاولش أعرف غيرك وأصاحب، كنت بتحط مانيكير معايا حتى.. قالت آخر عبارة وهي تضحك بقوة.. تنهدت و:
-كنت كل ما تبدأ تزهق من قربي أفكرك إني عايزة أتعرف على غيرك فتقرب أكتر وتلزق فيا أكتر، كنت مانعني أصاحب غيرك بس أنت تصاحب عادي.. كنت أناني أوي بس ما كنتش بتكلم وأقولك أشبعنا لإني كنت مبسوطة أصلًا بقربك وما كنتش عايزة أغيرك، لما وصلت لثانوي كنت خلاص عرفت إني مش عايزة غيرك كصديق.. وفي نص الثانوي عرفت إني بحبك.. وإنك مش بس صديق، بقيت بغير عليك وأتعصب.. بس أنت كنت بارد ومش فاهم. -وصلنا للجامعة.
-أنت سبت خالص، اتعرفت على بنات كتير.. بس كنت بتلف وتلف وترجعلي.. كنت تدور ومرساك عندي فـ سكت! -لما عرضوا جيت تخطبني بعد ما أهلك عرضوا عليك أو غصبوك معرفش الحقيقة، كنت طايرة من الفرح.. ليلة الخطوبة كنت حاسة إني طايرة لكن ليلة كتب الكتاب.. لما ملامحك اتغيرت.. أنت روحت ما نمتش من الفرحة، وأنا روحت قضيت الليلة دي عياط لإني حاسة إنك مش عايزاني بس مفيش دليل و.. زفرت طويلًا متابعة بدموع:
-وما كنتش هقدر أبعد بعد ما بقيت مراتك وبقيت جوزي وحصل اللي تمنيته من أول ما عرفت إني بحبك.. أنا حبيتك من وأنا صغيرة.. حبك ماليني ومكتفني، مخليني ما بعرفش أبعد عنك.. حبك بيكبر معايا وجوايا، مهما أقول بكرهك ببقى كدابة.. ومهما أقول نسيتك ببقى كدابة أنا.. أنا معرفش ومبشوفش راجل غيرك يا أيان. خرج صوته قائلًا: -وأنا ما فيش بنت بتملي عيني غيرك.
التفتت تنظر له بدهشة فوجدته قد استيقظ ويبدو أنه فعل منذ فترة.. واستمع إلى كل ما قالته، حيث يبدو عليه التأثر والحيرة. بكت واعتدلت في جلستها تفكر في مغادرته، لكنه سبقها عندما أمسك يدها و: -أنا آسف، آسف على غبائي وعلى كل مرة وجعتك فيها، أنا آسف أوي يا نيرة، أرجوكي سامحيني مش على هروبي ليلة الفرح بس.. على كل مرة بكيتي فيها بسببي حتى وإن ما كنتش أعرف السبب. نظرت أرضًا وهي تردف بخجل:
-أنا مبزعلش منك.. مبعرفش أزعل، ولو زعلت هي دقايق وقلبي بيرجع يسامحك على طول. ابتسم بصفاء وقال:
-يمكن اللي هقوله كلام أهبل وغير معقول بس أنا فرحان بحكاية الهرب دي، لما هربت ورجعت مش بس عالجت شخصيتي، أنا عالجت الماضي وفهمته.. أنا عرفت حاجات كتير كانت مستخبية عني، قدرتك ودي أهم حاجة.. عرفت قيمتك وإنتي مين بالظبط، يمكن لو اتجوزنا وقتها كنا عانينا أوي، وكنتي فعلًا وقتها هتكرهيني عشان كده.. أنا زعلان على الوجع اللي سببته بهروبي بس مش ندمان.
ابتسمت وهي ترى أنه معه حق، فحقا أيان الذي أمامها الآن.. ما كان ليكون عليه أبدًا ولو بعد مئة سنة سوى بصدمة كهذه. نهض عن الفراش فسألته بقلق: -إنت كويس؟ أومأ بنعم وأخذها من يدها وغادرا من المشفى. *** مرت عدة أيام بعد ذلك اليوم. قضوها معًا سويا، يتمازحان ويخرجان.. يفرحان و.. و.. و.. بالحقيقة عوضها في خلال تلك الأيام عن أي حزن قد يكون سببه لها يومًا. وهي.. كانت كلما يمر يوم تتعلق به أكثر.. تغرق فيه أكثر.
ظلا على تلك الحالة حتى انتهى الشهر الثاني من العدة. وفي يوم.. بعد أن قضيا يومهم سويًا.. أوصلها منزلها وانتظرها لتدخل. وصلت إلى باب المنزل ثم عادت له، قبلته على وجنته وهتفت قبل أن تركض: -أنا موافقة أعطيك فرصة تانية.. لو عايز نرجع ونتجوز من تاني أنا موافقة. وركتضت قبل أن تسمع له ردًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!