الفصل 13 | من 16 فصل

رواية نيرة والعابث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
20
كلمة
1,903
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

"اقترب من السقوط في الهاوية.. انقذيني" نظر إيان للذي فتح الباب والذي لم يكن سوى أنس بعينين غاضبتين، كاد يقف ويتجه له يبرحه ضربا، لكن يد نيرة التي أمسكت يديه ونظرت له باستعطاف وتطالبه بأن يهدأ جعلته يبقى في جلسته مرغما وهو يزفر بضيق.. اقترب أنس من نيرة وبيده باقة من الورود، أعطاها لها بينما يقول ببسمته المعتادة: -حمدلله على سلامتك يا نيرة، أنا أول ما عرفت الخبر جيت على طول. تناولت منه الباقة وهي تشكره:

-ميرسي يا أنس، كلك زوق، اتفضل.. أشارت له ليجلس لكن لم تجد مقعد آخر بالغرفة ليجلس عليه، فتنحت قليلا بالفراش وأفسحت له مجالا و.. قبل أن تتحدث كان إيان قد فهم ما تريد فعله تلك المجنونة، فأمسك المقعد بيده فجأة وقربه من أنس حتى أنه كاد يصطدم بوجهه وهتف بصوت خافت بالكاد سمعتْه نيرة القريبة منه: -اتزفت اقعد هناك. تمتْ ضحكتها وهي تراه يجلس هو على الفراش جوارها،

جلس أنس على المقعد وهو يرمق الآخر بضيق ولم يغب عنه ما حدث وما فعله ذلك العابث. مرت لحظات قليلة ساد الصمت فيها على الجميع حتى قال إيان قاطعا ذلك الصمت: -هتغور إمتى بقى؟ أنس: -نعم! حاول إيان أن يحلي كلماته فـ: -قصدي هتهونّا إمتى، أوف قصدي هتتكلم على الله من هنا إمتى؟ تجاهل أنس أسلوب إيان الوقح وقال بينما ينظر لنيرة بنظرات هيام ووله: -لا أنا مش همشي غير لما أطمّن على نيرة. هتفت نيرة وهي تبتسم بإحراج:

-أنا بقيت كويسة أوي يا أنس متشلش هم، أنا عارفة إن وراك شغل فمتعطلش نفسك علشاني وأنا هبقى أكلمك. فهم من كلماتها أنها تريده أن يرحل كي لا تحدث مشاكل فتنهد وهو يؤمِّن بحسنا، هاتفا بداخله إن العدّة قاربت على الانتهاء.. بعدها سيستطيع أن يعترض على وجود ذلك العابث ويمنعها من التحدث معه وسيكون له كل الحق في التقرّب منها و.. أخيرا غادر أنس "خطيب الغرفة". التفتت نيرة لإيان لتراه يضم يديه معا بقوة بينما أذناه قد احمرتا..

ابتسمت وهي ترى حالته تلك التي تدل على غضبه الشديد و.. اكتشفت أن تلك هي علامات غضبه بالحقيقة في أول مرة رأتْ فيها أنس. نعم هو لا يبدو في تلك الحالة الغاضبة إلا في وجوده منذ صغره. تنهدت وهي تعود بذاكرتها إلى الماضي قليلا.. منذ عدّة سنوات.. عندما كانت هي وإيان بالصف الرابع الابتدائي، كان إيان متغيِّب في يوم ما لإصابته بالزكام، وجلستْ هي وحيدة في المقعد الخاص بهم.. دخل معلِّمهم ومعه طالب بنفس عمرهم،

لأوّل مرة يأتي للمدرسة، قال المعلم معرِّفًا إياهم عليه: -دا يا أولاد أنس صبري، نقل لمدرستنا جديد ومن النهاردة بقى واحد منكم. نظر بعينيه يبحث عن مقعد شاغر، فوجد المقعد الخاص بنيرة والآخر يقبع بآخر الفصل فقال وهو يشير إلى الذي بجوار نيرة: -اقعد هنا يا أنس النهاردة ولما إيان يرجع.. ابقى اقعد وراه. أومأ أنس بطاعة واتجّه إلى المقعد.. جلس عليه والتفت إلى نيرة يقول ببسمة لطيفة وهو يرمقها بإعجاب طفل: -هاي.

قلبتْ عيناها واردفتْ بقرف وهي تلف وجهها إلى الناحية الأخرى: -هاي. سرعان ما لفتْ رأسها إلى ناحيته متابعة بشرر: -أنت هتقعد هنا النهاردة بس علشان إيان مش موجود وعلشان دا أول يوم ليك وصعبت عليَّ لكن متفكرتش تقرّب من الكرسي دا تاني حتى لو إيان غايب علشان مش هسمحلك.. فاهم؟ أردفْ بخوف: -فاهم. ورغم تعصُّبها منه، الا أنها طوال اليوم ومع محاولته للتقرُّب منها، اكتشفتْ أنَّه طفل هادئ ولطيف وتصاحبتْ عليه..

فغيَّرتْ من تعابير وجهها المخيفة وعادت ترمقُه بنظراتها الرقيقة.. اللطيفة. وبعد الدوام المدرسي توجهتْ إلى إيان لتطمئن عليه، وبحماس طفلة راحت تحكي له عن كل ما حدث معها مع ذلك الأنس والآخر يستمع بغضب حتى انتهتْ ورأتْ ملامحه متضايقة.. وأخبرها أنَّه متعب وأنَّه سينام فرحلتْ وهي متعجِّبة من أمره. ورغم أنَّه كان سيغيب يوم آخر لأنَّه ما زال متعب،

الا أنَّها بصباح اليوم التالي وجدته يدخل إلى المدرسة أوَّل طالب وهذا على غير عادته. وعندما دخلا الفصل، وتصرَّف أنس باستهبال وجلس على مقعد إيان.. رأى إيان الموقف فاحمرتْ أذناه وقبضْ يديه.. وهنا علمتْ نيرة كيف يكون إيان عندما يغضب وهذا بفضل أنس. اقترب إيان من أنس الذي بالكاد جلس على المقعد وسحبَه من ياقته وأوقَعَه بعيدا عن المقعد وهو يصيح فيه: -دا مكاني وأنا مبحبّش حد يقعد في مكاني، إياك تفكِّر تقرّب منه تاني.

أومَأ أنس بخوف وهو يتجه إلى المقعد الشاغر بالخلف ويجلس فيه.. وبعدما استراح في جلسته نادى بصوت عالي: -نيرة! فالتفتْ زوجان من العيون، أحدهما خاص بنيرة والآخر خاص بإيان الغاضب. قال أنس: -تيجي تقعدي جنبي؟ توسَّعتْ عينا إيان بزهول وقال بينما ينهض ويتجه له: -أنت شكلك عايز تضرب. اقترب منه ليكمَّه لأوَّل مرة، ومن بعدها لا يمكن أن تحصي عدد المرات التي ضربْ فيها إيان.. أنس.. بسبب نيرة. عادتْ من ذكرياتها التي كانت تتذكَّرها

وتحكيها له وهي تقول ضاحكة: -من يومك مفتري. تفَهْ هو بنزق: -وهو من يومه غلس. عادتْ تضحك بحنين و: -بس رغم كدا.. كانت أحلى أيام. إيان بشفاه مزمومة: -بالنسبالك أنتِ بس، لكن بالنسبة لأنس واللي ضربتهم كلهم علشانك كانت أيام سودة. نيرة ببراءة: -أنتِ اللي كنت مفتري وبتحب تضربه. مقالْ بصدق وهو ينظر لها بحب: -مكنتش بحب أشوف حد غيري قريب منك،

لأنِّي كنت متأكِّد إنَّه هيحبّك وأنا مكنتش عايزك لا تحبِّي حد ولا حد يحبّك علشان ميفكِّرش فيكِ طول الوقت. قالتْ بضحك: -كنت أناني. أردَفْ بتلقائيَّة: -أنا أناني في حبّك بس. *** على الظهيرة، أتَتْ والدة نيرة وغادر إيان إلى المنزل ليستريح قليلا على وعد بالعودة ليلا.. لكن الى منزلها لأنَّها بالأساس ستخرج في وقت العصريَّة.. حاولتْ أن تظهر اللامبالاة وكأن أمر زيارته المرتقبة لا تعنيها،

لكنَّها كانت بداخلها تنتظر أن تمرَّ الساعات بكل شوق.. وكأنَّه لم يكن جالس معها طوال الصباح وبالأمس أيضا. غريبة هي.. تشتاقُه حتى وهو أمامها! ليلا.. كانت جالسة في غرفتها فوجدتْ الباب ينفتح ويدخل هو وبيده كيس كبير مليء بحلوياتها المفضَّلة، دخلَتْه أشبَهَتْها بالذكرى التي تذكَّرَتْها بالصباح ابتسمتْ له وهو يقترب منها، قفَزْ على الفراش وجلسْ جوارها كما كان يفعل صغيرا وهتَفْ بينما يمنحُها كيس الحلوى: -أنا قولت أكيد..

أكيد أنتِ نفسك رايحة عليها، لأنَّها السويت المفضَّلة ليكِ وقت مرضك. ضحكتْ وهي تسحب منه الكيس.. أخرجتْ منه الحلوى وبدأتْ بتناولها بينما تقول بتلذُّذ: -طعمها حلو أوي. والتفتتْ له تقول بنبرة شاكرة: -ميرسي أوي.. فعلا كانت وحشاني. فغمزْ لها بعينيه و: -أي خدمة.. أخرَجْ من جيب بنطاله فلاشة وقالْ وهو ينهض عن الفراش ويبحث عن اللاب توب الخاصِّ بها: -أنا جبتلك حبَّة أفلام كرتون من بتاعت زمان إنَّما إيه تحفة..

تحبِّي نسمع بن تن ولا توم وجيري؟ نيرة: -ودي عايزة سؤال؟ توم وجيري طبعا. جاء باللاب توب وجلسْ بجوارها، وضَعْ الفلاشة وبدأ بتشغيل الكرتون ثم جلسَا معا يتابعانه بتلهُّف وشغف، مظهرُهُما كان يبدو في غاية اللطف وكأنَّهُما ما زالا أطفال بالعاشرة. في وسط غمرة الفرجة، مَدَّ يدَه يضعُها حول كتفِها ويقرِّبُها منه.. يأخُذُها بين أحضانِه، لم تحاولْ أن تعترضْ بل استنكَتْ في جلستِها بين أحضانِه أكثر وهي تبتسمْ بارتياح..

وكأنَّ هذا المكان هو الوطن لها. هتَفْ وهو يميل برأسِه ويقبِّلُ جبينَها بينما ما زالتْ عيناه منصوبَتَانِ على شاشة اللاب توب: -لو أعرف إنَّنا لما نكبَرْ هنضيِّعْ لحظاتْ بحلاوة لحظاتْ الماضي اللي عيشناها كنتْ دورْتْ على طريقة توقِّفْ لينا الزَّمنْ يا نيرة. نيرة: -الحاضر برضو فيه لحظاتْ كتيرْ حلوة.. هنحسْ بحلاوَتْها في المستقبَلْ لما ندوقْ مرارَة المستقبَلْ..

في الطُّفُولَةْ كانتْ وقْعَةْ من العجْلَةْ تخلينا نعيطْ وننْسَى المتْعَةْ اللي حسينا بيها طولْ فترْةْ اللْعِبْ فبالنْسْبَةْ لينا كانتْ فترْةْ جَحِيمْ، دلْوَقْتِي.. نسينا كلْ لحظْةْ ضحْكْنا فيها وفرْحْنا وبنْفْتَكْرْ بَسْ الْوَحْشْ.. وبالْنْسْبَةْنَا لحظْاتْ السَّعادَةْ هي لما نْفْتَكْرْ وَقْتْ اللْعِبْ بالْعْجْلَةْ الْلِي حَصَلْتْ في المَاضِي.. في المُسْتَقْبَلْ.. وَقْتْ الحُزْنْ..

هَنْفْتَكْرْ الْلِي حَصَلْ دَلْوَقْتِي وَمْحْسْنَاشْ بِفْرْحْتْهْ وَهَنْفْرَحْ بِيْهْ سَاعْتْهَا يَا إِيَانْ.. الْحَيَاةْ كَدَا.. عْجْلَةْ وَبْتْدُورْ. إيان وهو يشدْ من احْتِضَانِهْ لَهَا: -أَنَا عَايِزْ عْجْلَتِي كُلْهَا تْدُورْ وَتْلِفْ وَأَنْتِي مَعَايَا، كُنْتِي مَعَايَا فِي الْمَاضِي.. كَمِّلِي الْحَاضِرْ وَخَلْيْكِي فِي الْمُسْتَقْبَلْ أَرْجُوْكِي. ابتَسَمَتْ وَهِي تُؤَمِّنْ بِنَعْمْ بِدُونْ شُعُورْ مِنْهَا،

فَمَالْ يَأْخُذْ مِنْ جَبِينِهَا قُبْلَةْ حَنُونْ.. وَقْبْلْ أَنْ يَبْتَعِدْ انْفَتَحْ الْبَابْ وَ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...