الفصل 4 | من 16 فصل

رواية نيرة والعابث الفصل الرابع 4 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
18
كلمة
1,722
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

صباح اليوم التالي، كان ايان يتجه إلى الشركة مستخدماً دراجته النارية "الموتوسيكل" مرتدياً ملابسه الشبابية التي تشعرك كأنه ذاهب إلى المصيف وليس إلى مكان عمل محترم. وصل أخيراً إلى المقر، صف الدراجة النارية أمام المقر ودخل إليه بخطوات واثقة.. فهو يعلم داخلياً أن عبث تصرفاته تلك تعمل على ازدياد المعجبات به، وقد كان..

هناك الكثير يتتبعه بنظرته معجباً به، وآخرون ينظرون له مصدومين من ثقته التي تجعله يأتي إلى المكان الذي فيه عروسته التي تركها منذ سبعة أشهر. وقد علموا داخلياً أن هناك حرباً بلا شك ستندلع في الأيام القادمة. همست واحدة تسير بالقرب منها إلى صديقتها: -دا جوز مدام نيرة اللي هرب يوم الفرح. قالت الفتاة بدهشة: -وليه عين يجيلها برجله؟ تدخلت أخرى: -الحقيقة دي حركة شجاعة منه. وأخرى: -بس حقه يهرب، دي أرجـل منه وقوية عنه.

وعند هنا يكفي، حقاً يكفي.. إلى متى ستلاحقه تلك السيرة الحمقاء، إلى متى سيلاحقه لقب "الهارب". تنهد بضيق قبل أن يسرع بخطواته ويترك مكان وقفة أولئك الحمقاوات. واتجه إلى مكان يعلم طريقه جيداً "مكتب زوجته المصون". *** كانت نيـرة تجلس على مكتبها.. مرتدية نظارتها الحافظة للنظر مما أعطاها مظهراً جدياً وظريف، تعمل على أوراق أمامه بكل تركيز محاولة أن تتناسى كل ما حدث أمس وخصوصاً عودة ايان. ولكن هل هو يفعل؟!

فا الباب يُفتح وتطل رأسه منه. زفرت بعدما تركت أوراقها هاتفة بغلظة: -انت عايزنا نعمل مشاكل كمان في الشغل ياايان؟ هتف ببراءة وهو يغلق الباب ويدخل لها: -والله أبداً دا أنا جاي أشتغل. رفعت إحدى حاجبيها بعدم تصديق، فأكد هو ببسمة في غاية البراءة. هتفت بضيق: -وانت يوم ما تيجي تشتغل ما تشتغلش غير هنا! هتف وهو يهز كتفيه بلامبالاة: -حظك. اقترب منها، جلس على طرف المكتب أمامها، مال نحوها فعادت هي بظهرها إلى المقعد حتى التصقت به.

قال وهو يلاعب حاجبيه بمكر: -هنلعب مع بعض كتير في المكتب إيه رأيك؟ تابع حديثه غامزاً. هتفت هي بنبرة مهددة: -لو فكرت تقرب مني أنا هفضحك. صك على شفتيه بسخرية: -هتفضحيني؟ لا متخفيش أنا كدا كدا مفضوح خلقة، مبقاش في حد مش عارف إني هربان. نيـرة وهي تحاول أن تعتدل في جلستها وتبعده عن المكتب: -طيب ممكن تسيبني وتروح تشوف شغلك علشان محدش يتكلم. ايان بامبالاة: -هيتكلموا يقولوا إيه؟ واحد ومراته. قالت بأستفزاز:

-طليقته، أنا هبقى طليقتك. صك على أسنانه، تلك الفتاة تحاول أن تصيبه بجلطة بكل قوتها، في الحقيقة هي وكل العائلة تحاول أن يفعل ذلك. لكنه لن يسمح لها، لذا قال وهو يحاول أن يغير مجرى الحديث: -سيبنا من حوار الطلاق اللي بقي زي اللبانة في بوقك دا وقوليلي إزاي يا هانم يا محترمة تشتغلي من غير ما تاخدي إذني. قالت بدهشة مصطنعة: -وأنا آخد إذنك ليه؟ -لإن جوزك مثلاً!! قالها بأصطناع الزهول. فقالت هي وهي تهز كتفيها ببساطة

بينما تجاهد لتخفي ضحكتها: -أنا أخدت إذن أنس خطيبي وهو وافق. انتفض عن المكتب صارخاً: -نعـــم!! ولعل صوته تكاد تجزم أن صوته وصل إلى عامل البوفيه الذي يقبع بالطابق الأرضي، بينما هي هنا تسكن في الخامس. اقترب منها بخطوات بطيئة، فعادت هي بالمقعد عن طريق عجلاته إلى الخلف وهي تقول بحذر: -ايان متتهورش. لكنه لا يستمع.. اقترب واقترب حتى وصل لها، مال نحوها.. حاصرها بمقعدها بين ذراعيه الذي أسندهم على الحائط

بالخلف منها وأردف بشرر: -انتي عايزة تفهميني إنك بتستأذني من انس المهزق وكلمته بتمشي عليكي وأنا لا! لم تتحدث وهي تراقبه بقلق، بينما تابع هو بغضب يتزايد تدريجياً: -وعايزة تفهميني إنك خرجتي معاه امبارح بما إنك خطيبته وروّحتي الكافيه بتاعنا من أيام الطفولة.. اللي مبدخلش فيه إلا معاكي ومبتدخليش فيه غير معايا؟ أومأت بنعم بقلق وهي تبتلع ريقها الذي قارب على الجفاف. ايان بعصبية وهو يقرب وجهه منها فتلفح أنفاسه وجهها:

-انتي بتحرقيني يا نيرة. والعبارة زلزلتها.. أوجعتها باللذة وياله من وجع. تابع وهو يغمض عيناه ليخفي عنها تهوره والحريق الذي يحترق داخله: -بتوجعيني من غير ما تحسي، انتي عمرك ما وجعتيني. قالت بتألم: -وانت مش بتعمل حاجة غير إنك بتوجعني يا ايان. لم يبدو لها وكأنه استمع لها، حيث تابع: -كنت ناوي أعتذر وأطلب السماح وأذن بطلب الطلاق. ألمتها آخر كلماته وكادت تثور، إلا أنه لم يترك لها الفرصة حيث أكمل:

-بس أول ما عرفت إن في غيري دخل حياتك الدنيا اسودت في وشي يا نيرة، فكرة إن هيكون في حياتك حد تاني غيري جننتني، انتي بتاعتي من صغرك بتاعتي وصاحبتي أنا وبس، مش من حق حد يقرب ليكي غيري، إزاي انس اتجرأ وفكر يقرب، إزاي عايزاني أقبل فكرة إنه يكون خطيبك وجوزك إزاي؟

كانت كلماته تخترق قلبها اختراقاً، تزلزل كيانها وتعصف به، يتحدث بنبرة لم تسمعها منه قط، يعلن أخيراً أنها تهمه وتخصه، يعلن لأول مرة أنها تلعب دوراً في حياته، ليس كما الماضي الذي كان يعاملها فيه كهامش. لكن هل تلك الكلمات ستصفح له؟ لا والله والف لا. لذا.. أبعدت وجهها الذي يصادف وجهه ويكاد يلاصقه إلى الناحية الأخرى وهي تهتف بجمود لا تعرف كيف جاءت به: -هتقبل لأني عايزة كدا.. لأني بحبه وعايزاه و...

لم تكد تتابع حتى وجدته يضم ذراعيه حول رسغها يعصرهم بين ذراعيه بينما يصيح بعصبية مفرطة.. غريبة عليه: -اخرسي، سامعة اخرسي، طول ما انتي مراتي اياكي تتكلمي عن أي راجل تاني بالطريقة دي سامعة؟ ردي عليا سامعة. يغار.. وما أجمل الرجل حين يغار.. حين يثبت رجولته بذلك الفعل. لكن.. الغيرة بدون العنف تكون أجمل وألطف! ببرود العالم هتفت: -طلقني.. طالما مش قادر تسمع.. طلقني، سيبني أشوف حياتي.

أدفن وجهه في أحضانها بطريقة مفاجأة لها.. أجفلتها، كبل يداه حولها تلك المرة يحتضنها وهي يردف بصوت مختنق: -حياتك معايا أنا، مش هتكون غير معايا. هذا ليس ايان أبو النصر، تكاد تقسم بذلك، ذلك المتهور القديم غير المتهور الذي أمامها الآن، القديم كان بارد معها.. جامد.. وجلف، يعتبرها كهامش وكفازة لا أهمية لها، هذا الذي أمامها بطريقته تلك يشعرها كأنها العالم بأسره. ومن تصدق؟!

حاولت أن تبعده، لكنه يتشبث أكثر، هتفت بصوت مختنق حاولت جاهدة أن تتحكم فيه كي لا يظهر فيه تأثرها بقربه: -ايان ابعد. ايان بصوت ملئ بمشاعر عاصفة: -مش قادر.. طالما كنتي أماني ومأمني يا نيرة، طالما كنتي بيتي وثباتي، طالما كنتي الركن اللي مهما لف برجع له، طالما كنتي صديقتي وأختي يا نيرة. صديقتي وأختي! هي كانت ومازالت لا تحتل سوى هاتين الصفتين، كادت تتنهد بخيبة، لكنه تابع تلك المرة:

-وانهاردة اكتشفت وإنا في حضنك.. إنك مش الركن الثابت، انتي هي حياتي الثابتة والباقي متغير.. ميفدنيش وجوده من عدمه، انتي مش مجرد حد باهت وهامش زي ما بتقولي، انتي الشئ الزاهي والثابت الوحيد والباقي مجرد هوامش ملهاش فايدة. ترتجف؟ هي حقاً تفعل، ماذا يقول هذا بحق الله، هي بالكاد تجاهد لتثبت أمامه وها هو ببضع كلمات يعصف بذلك الثبات إلى الجحيم.

ابتلعت ريقها وقد كادت تتضعف، كادت تلين هي الأخرى وتشد من احتضانه وهي تهمس له بكلمات أقوى وأعنف تبث فيها مشاعره له. لكن.. الباب الذي انفتح فجأة قطع عليهم تلك اللحظات النادرة.. حيث دخل انس وعلى وجهه بسمته الهادئة والتي سرعان ما اختفت وهي ينظر إلى ذلك المشهد بذهول تام وصدمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...