أصبحتُ أتنفسك، أصبحت روحي، تشعر بك في كل مكان. بالقرب مني هنا أشعر بك بجواري. ينبض قلبي بعنف عندما أشعر بقربك مني رغم أنني لا أراك. وإن بيننا مسافات، لكني أيقنت أن الذي بداخلي لك لم يكن سوى روحك التي تركتها تسكن جميع حواسي، وتمتلك تلك النبضات المتعجرفة، وتلك الضحكة البلهاء، وروح الطفولة بداخلي، وتلك الراحة التي تغمرني بوجودك معي.
ما أشعر به تجاهك هو ليس حبًا، إنه إدمان للروح، وشيء أعدك أن أقرأ كتب العاشقين، علني أحصل على إجابة لذاك الشيء الذي يأخذ كل تفكيري، يومي، وأيضًا يسلب نومي، ومرات عدة يبكي عيني. هذا هو حبك السرمدي الذي خطفني من أول لقاء. تنفس ببطء بعد شعوره بنغزات خافتة تجتاح موضع قلبه شوقًا لها. ليغزو صدره بعض الراحة لقرب سفره إليها.
شرد بها وبذلك الوشاح الذي يغطي ملامحها العذبة، عيناه الكاحلتين التي سلبت لُب قلبه، رقتها التي جذبت قلبه، وخفة روحها التي سكنت فؤاده. كان يحلم أن تأتي فتاة تكون له عوضًا عن كل شيء خسره، وقد تحقق الحلم. ولكن دار في ذهنه سؤال قلق: هل سيكتمل حلمي بعد أن عسرت عليّ؟ أم أنه سيذهب بعيدًا وأُحرم منه مثل كل شيء قد خسرته. عصر الألم قلبه خوفًا من القادم، ليرفع كفه بتضرع صادق قائلًا:
اجمعني بها في حلالك يا الله ولا تُذقني مرارة فقدها. صدح رنين جرس الباب فجأة مما جعله يفيق من شروده بها. ليذهب بثقل إلى الباب وفتحه بهدوء. ليصدح أنس بغل: كل هذا الوقت لكِ تأذن لي بالدخول، أم أنك لا تريد رؤيتي؟ نظر له بغيظ: كُف عن حركات الصغار هذه، لقد أصبحت هرمًا عجوزًا. تغيرت ملامح وجهه بغيظ شديد مرددًا: أشعر أنك تغار مني لأني أصغر منك سنًا وأطول شعرًا. ليذهب كلاهما في نوبة ضحك. ليقطعها عابد بهدوء وكأنه
لم يكن يضحك منذ ثوان: لماذا جئت إليّ؟ هل هناك شيء؟ تحدث بجدية قائلًا: إنني ذاهب للخطبة، أريدك معي. أنت تعلم أن والدي خارج البلاد ولم يبق لي سواك. دهش قليلًا ثم قال: بهذه السرعة؟ ولما لم تخبرني من قبل؟ قهقه أنس بشدة: بنفس سرعتك يا رفيق. لقد أصابتنا لعنة الحب من الوهلة الأولى. ابتسم له في ود وضمه إلى صدره قائلًا: مبارك عليك يا أنس، يكاد قلبي يطير فرحًا يا رفيق الدرب. يقولون أن زوجة الأب تقسو على أولاده.
ولكن أيعقل أن تقسو أم على أبنائها من أجل زوجها؟ هذا من علامات حب الدنيا وإهمال الأبناء. يأمرنا الأبناء أن نبر والدينا دائمًا، ولكن ماذا عن بر الآباء والأمهات لأولادهم ومراعاة الله فيهم؟ فإن لم نجد الأمان في بيوتنا، فأين إذًا سنجده؟ وماذا عن شعور بنت تفقد حضن أمها وحنانها وهي على قيد الحياة؟ بكت بألم صادق أوجع قلبها المكسور من أفعال والدتها معها. لتحصل على المال لها ولزوجها وتسلب منها الحرية والأمان.
هبطت ببطء على سجادة صلاتها تشكو حزنها لخالقها. أطالت وأطالت في السجود حتى أنها نسيت الوقت والعالم بأكمله. وظلت بجوار ربها تناجيه. فذهبت روحها إلى خالقها في رضا وإيمان. لتفوز حتمًا بالجنة جزاء صبره على مر ما قد رأت في دنياها. لتُلقن أصحاب القلوب القاسية درسًا يرافقهم مدى الحياة. "عنان". خفق قلبها بألم فجأة لتسرع لغرفتها راكضة بخوف أن يكون لحقها مكروه. لتجدها ساجدة بين يدي ربها بسكون مريب.
لتحركها بعد مدة بهدوء لتقع أمامها بوجهها يشع نورًا وأثر الدمع ترتسم على وجهها بألم مزق قلبها على ما أوصلتها إليه. صرخة دوت تصدح في أرجاء الحي. ماتت الفتاة التي ظلمها المجتمع وقست عليها الأيام. ذهبت إلى جوار ربها بعدما عانت من أقرب الناس لها. احتضنتها بألم والدموع تغرقها: أن عودي يا ابنتي، سأسقيكِ الحُبَ. اعذريني على قسوتي، والله لن أعيدها. ارجعي لحضني، لا تتركي لي الألم. ذهبتِ للرحيم مثلما أردتي.
وتركتِ لي الكسرة والحسرة. شُيدت جنازتها المؤلمة، فخطى الجميع يسكبون الدمع. بكت كل المدينة عليها، حتى الأطفال التي كانت توزع عليهم الحلوى. بعد مدة كان قد وصل لبيتها. عدل من هندامه بدقة، تاركًا الابتسامة تزين وجهه. ليطرق على بابهم عدة طرقات خافتة. سمح لهم فراس بالدخول. ألقوا السلام في ود وجلسوا يتحدثون. حتى تكلم فراس باهتمام:
أنكم من أنجح رجال الأعمال في الشرق الأوسط، حتى لم يكذب الناس عندما أخبروني أنكم تشبهون بعض كثيرًا، والذي يجمعكم لم يكن عملًا فقط. ابتسم عابد وبداخله يشعر بشيء غير مفهوم: هذا من كرم لطفك، نحن أسسنا شراكتنا بالحب والأخوة وليس بالمال والشهرة. فراس بصدق: تشرفت بكم كثيرًا. حمحم أنس بهدوء ليتحدث قائلًا: كان قد سبق وأخبرتك سبب زيارتي إليكم، لقد جئت لأطلب القرب منك في شقيقتك. تبسم فراس بصدق:
وأنا لن أجد لها أفضل منك، لكن أمهلني قليلاً من الوقت لأخبرها بالأمر. توتر قليلًا لشعوره برفضها، ولكن ذكر الله في سره وترك الأمر له. خطى لغرفتها وأطرق على بابها. تأذن له بالدخول حتى أردف قائلًا: لقد جاء الضيف وأريدك أن تأتي من أجل رؤيته. تغير لون وجهها للأحمر القاتم وفركت يديها في توتر من زاد حياؤها. لتجيب بخفوت: إنني خجلة جدًا يا فراس، هل تعافيني؟ قهقه بهدوء ثم استرسل حديثه بحنان:
سأخرج معكِ، هيا لقد تأخرنا، لا وقت لهذا الجدال. ابتسمت في صفو من تحت نقابها اللامع. لتجيب وهي ممسكة بيديه قائلة: حسنًا، هيا لنذهب. خفضت بصرها في توتر لتُلقي السلام وعينها لم ترفع قط. جلست جوار أخيها بهدوء. ليتحدث فراس إلى عابد قائلًا: أتذهب معي للخارج بعض الوقت؟ عابد بتفهم: أجل، لنذهب. تنفس بعمق ليتحدث بهدوء قائلاً: كيف حالك الآن؟ شعرت بسماع هذا الصوت من قبل وتعجبت من طريقة حديثه. فرفعت بصرها في سكون لتجده هو.
لتجيب بتوتر شديد: أنت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!