ما يجدي البكاء نفعًا بعد الندم؟ هل سيعود ما خسرناه بأيدينا؟ ولما الندم وكل شيء كان بإرادتنا؟ لن يعود شيئًا أضعناه بقسوة حتى لو ظللنا نبكي عليه الدهر كله. جلست أمام قبر ابنتها تكاد تموت من شدة البكاء، تُناديها بمرارة: لا أصدق أنها رحلت. تحدثت بألم شديد: لماذا تركتيني؟ أعلم أنني كنت أقسو عليكِ دائمًا، لكنني أحبك. لقد كسرتِ ظهري الآن. كيف لي أن أعيش والذنب يلاحقني يا ابنتي؟
لم أحنو عليكِ يومًا. لقد فضلتُ الدنيا عليكِ وركضت خلف المال، وها أنا اليوم أحصد خيباتي في فقدك. أعلم أنكِ تسمعينني، فسامحيني يا ابنتي، سامحي لأجل الله. وأنا أعدك أن أكون امرأة صالحة مثلما كنتِ تريدين. لكن كيف لي أن أعيش دونك؟ لذلك أدعو الله أن يربط على قلبي ألم فراقك. لكن أبشري صغيرتي، لقد صحوت الآن من غفلتي. اشتد صوت بكائها، فتحتضن قبرها وتودعها قائلة: سأكون بجوارك قريبًا، لن يطول فراقنا.
-خفق قلبها بجنون عندما رأته يجلس أمامها. ليزيد توترها، ليقطع الصمت قائلاً: لماذا كل هذا التعجب والدهشة؟ تحدثت بخفوت: لماذا أنا؟ هل لأنك رأيت ضعفي؟ أردف قائلاً بهدوء: لماذا تنظرين للأمر هكذا؟ لكنكِ حقًا مخطئة. أجابته بهدوء يصاحبه بعض الألم: أجل، أخبرني ما الأمر إذن؟ شعر ببعض الألم في صوتها ليجيب بصدق:
لقد رأيت فيكِ ما يريده الرجل في زوجته، وكنت أبحث عن امرأة صالحة. ووضعكِ الله في طريقي، كرسالة لي، ولسبب آخر ستعلمين لاحقًا إن قبلتِ. لم تنكر أن في حديثه صدق، لكن الخوف يسكن قلبها الآن. لتتحدث بصوت خافت صغير: سأفكر بالأمر وأستخير الله، وأعطي الجواب لـ فراس. وتركته وذهبت بخطوات مسرعة إلى غرفتها. اتفق فراس مع أنس أن يمهله بعض الوقت لحين إعطائه القرار الأخير. ليودعهم في رحب ويرحلوا في هدوء.
ذهب إلى غرفتها، وجدها تبكي بشدة. ليقترب منها في خوف: ماذا أصابكِ يا مريم؟ ماذا حدث؟ هل أغضبك ذاك الشاب أنس؟ هزت رأسها بالرفض لتجيب بألم: لقد ماتت، فراس، ماتت! احتلت الصدمة معالم وجهه ليردد: من هي؟ اهدئي قليلاً وأخبريني ما الأمر! حاولت أن تهدئ من هول الصدمة لتتحدث وسط بكائها: أتتذكر الفتاة التي أخبرتك عنها؟
تلك التي طلبتني على الهاتف وكانت تبكي، وأنت من تحدثت معها وأخبرتك قصتها حينها. لقد ماتت اليوم، ماتت وهي ساجدة بين يدي الله. لقد أخبرتها إن الله سيعوضها، لكنني لم أكن أعلم أن العوض سيكون بهذا الشكل. لقد اصطفاها الله لتذهب إليه وهي بين يديه. لقد أحسن خاتمتها. رغم شدة ألمي لفراقها، إلا أنني فرحة لنعيمها الآن في الجنة. شعر بشيء يؤلم قلبه. فمنذ ذلك اليوم الذي حدثته، وهو يشعر أن في قلبه شيء لها. فردد في حزن:
إن لله وإن إليه راجعون. رحمة الله عليها. تذكريها دائمًا في دعائك، وافرحي لأجل ما هي به الآن. ربط الله على قلبك وقلب أهلها. -جلست على رمال الشاطئ تداعب أمواج المياه بخفة، لتشرد بحالها قليلاً. كيف تغير منذ أن التقت به؟ لتجد يد تمسد عليها بحنان، لتتحدث بمشاكسة: لقد أخذكِ الحب مني، رحيق. ما عدتِ تتحدثين معي. ابتسمت بخفة لتجيب: لن يستطيع شيء أن يأخذني منكِ، صغيرتي وابنتي الأولى. ألم تعلمي مدى حبي لكِ!
تلألأ الدمع في عيناها لتتحدث عيناء بألم صادق: مجرد التفكير أنكِ ستتركيني لتذهبي لبلدة أخرى يؤلمني جدًا. ربطت على كفيها بحنان لتقول بأمل سكن قلبها: لكني أيضًا لن أستطيع أن أترككم أبداً. سأتحدث مع أبي ليخبر عابد عن رغبتي بالمكوث هنا بجواركم، لعل يتقبل مخاوفي ويجيب. أدخلت السرور إلى قلبها وتحضنها بفرح قائلة بغرور: ومن يرفض طلب الشيخ صفوان؟ وأوعدكِ أيضًا أن أتحدث مع صهري. قهقهت الفتيات بشدة، لتقطع عيناء نوبة الضحك التي
هاجمتهم قائلة باهتمام: بماذا كنتِ تفكرين إذًا؟ ما الذي يشغل تفكيرك؟ تنحنحت بحياء لتجيب بهدوء خافت: الحب! كنت أتعجب من قصص العشاق، لكني ما كنت أعلم أنني سأكون واحدةً منها. حاثتها عيناء على تكملة حديثها، لتسترسل كلامها بحب يلمع بلؤلؤة عيناه وخفقات قلبها تضرب كالطبول: منذ أن أرسلني والدي لمقابلتهم، وعندما تحدث معي، خفق قلبي بجنون. شعرت بشيء يخطفني إليه، كأن روحي سُلبت مني لتذهب له. عيناء بود: ولماذا القلق يا رحيق؟
إنني أرى في عينيكِ القلق وبعض الألم أيضًا. أجابت رحيق بهدوء قائلة: إني خائفة من الأمر. لقد سار بسهولة، أخاف أن أكون قد تسرعت. شعرت بخوفها ومعاناتها التي تخبئها دائمًا، لتردف بجد قائلة: هذا من عند الله، لا تقلقي. سيكون خير، ضعي ثقتك بالله فقط. أجابتها بهدوء وبداخلها شوقًا لرؤيته: الحمد لله. اللهم إن كان فيه الخير، قربه لي. لكن أتعلمي أنني أفتقده كثيرًا؟
رغم فقر اللقاء بيننا، لكني أشعر أنني أعرفه منذ سنوات. منذ رحيله، وهناك غصة تؤلمني. أتمنى أن يعود قريبًا. تبسمت عيناء في حنان وقالت بصدق وفرح لها: سيعود وتنعمي معه في رحلتكم، وتُكتب قصة حبكم في كتب التاريخ. -أتى اليوم الموعود للرد على أنس، فدق هاتفه ليجيب بلهفة: السلام عليكم فراس، كيف حالك؟ فراس بود صادق: في خير من الله. كيف حالك أنت يا أنس؟ أنس بهدوء يصاحبه لهفة: بخير، وسأكون بخير أكثر عندما تفرح قلبي.
ابتسم فراس ليسمع صوت ضحكاته الخافتة ليجيب: لقد وافقت مريم، وفي انتظارك لنحدد موعد الخطبة. هلهل بفرح قائلاً: هذا من فضل ربي. سآتي لزيارتك في الغد بأمر الله. وأغلق الهاتف وعلى شفتيه بسمة تزين وجهه البشوش بفرحة سكنت قلبه. -صدح صوت أبيها ينادي عليها بأعلى صوت. تهرول إليه بخوف حتى كادت أن تتعثر مئة مرة، لتقترب منه في قلق: ما الأمر أبي؟ هل أنت بخير؟ صفوان بحب على خوفه عليه: لا تقلقي، أنا بخير. لكن هناك اتصال لأجلك.
تغير معالم وجهها قليلاً فتحدثت بحياء: من يا أبي؟ أعطاها الهاتف لتتحدث قائلاً: إنه عابد. اخرجي تحدثي معه بالخارج. ووضعت سماعة الهاتف على أذنيها، ليعلو صوت أنفاسها بخجل، حتى كسر الصمت قائلاً: كيف حالك رحيق؟ حاولت التحدث لتجيب بصوت خافت: في خير من الله. وأنت كيف حالك؟ تبسم في هدوء ليردف قائلاً: أصبحت بخير الآن. خفقة هزت جسدها بحياءٍ لتجيب بتوتر: متى ستأتي؟ فرح لكونها تفتقده وتريد رؤيته، ليجيب بمغازلة صريحة:
في خلال يومين. لقد اشتقت للبحر كثيرًا. الجم الخجل لسانها، ففضلت الصمت، حتى قاطعه هامساً: أراكِ قريبًا في رعاية الله يا رحيقي. أغلقت الهاتف وعلى وجهها نظرة حالمة، حتى رددت في خفوت: أراك على خير يا عابد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!