في صباح يومٍ جديدٍ، تبسمت فيه الشمس لتعلن بداية دخول الأفراح لقلوبهم. انتقت مريم ثيابًا من اللون السماوي لترتديها في المساء، وأخذت ترتل بعض آيات الله الكريم وهي ترتب المنزل. ليقترب منها فراس قائلاً بحنان وحب صادق: "بنوتي كبرت وبقت عروسة." أردفت بابتسامة مشرقة: "ربنا يبارك لي فيك يا فراس، أنت سندي في هذه الحياة." شاكسها قائلاً: "هيا أسرعي وكُفي عن الثرثرة، لقد اقترب موعد قدومهم." لكمته بغضب مصطنع:
"هل ذهبت عن وجهي الآن؟ قهقه في رحب: "أجل سيدتي." تممت عملها وذهبت ترتدي ملابسها لتلقي نظرة رضا على حالها، لتسمع صوت جرس الباب يدق. فدق قلبها بشدة خوفًا من القادم. انتظرت بعض الوقت لتجد فراس يناديها. خرجت بهدوء والحياء يجعل التوتر حليفها. جلست بجواره تستمع لحديثهم حتى تكلم عابد قائلاً: "نقرأ الفاتحة." أمن الجميع فور انتهائهم من قرأتها، ليتحدث أنس قائلاً: "إن لم يكن لديكم مانع، نجعل الزفاف بعد شهر مع عابد." دهش
فراس من استعجاله ليجيب: "لكنه وقت غير كافٍ." تدخل عابد بالحديث: "خير البر عاجله، نحن سنسافر في الغد وستطول رحلتنا لشهر، وبعده سنتمم الزواج." استأذن منهم وحاور مريم بالأمر حتى وافقت، فذهب وأخبرهم بموافقتهم. وجلسوا يتبادلون أطراف الحديث بعض الوقت حتى تحدث عابد: "هيا أنس، فـ رحلتنا طويلة غداً." ودعهم فراس لتلتقي نظرة أخيرة بينهم، ليخفق قلبه شوقًا لها حتى تمنى من الله أن يجمعهم قريبًا في حلاله. ***
أحزموا أمتعتهم للسفر حتى صارت السفينة إلى حيث وجهتها. ليجلس عابد ينظر للبحر في هدوء، ليقترب أنس منه ليقول بتعجب: "ما بك منذ البارحة وأشعر بتغيرك؟ التفت إليه يتحدث بحيرة: "أشعر بشيء يربطني بـ فراس، لكن لا أدري ما هو. يلازمني أحلام في صحوي أنني رأيت هذا الوجه من قبل، لكن أين ومتى لا أدري؟ صدم أنس قليلاً ليجيب في حيرة من كلامه: "من الممكن أن يكون جمعكم عمل منذ زمن." عابد بإصرار: "لكن هناك شيء غامض."
ابتسم أنس في ود ليجيب: "لا داعي للقلق، لا تترك عقلك لأشياء ليست موجودة، واترك أمرك لله، وهيا دعنا نستريح قليلاً فالسفر سيطول والرحلة شاقة." *** جلست على سجادة صلاتها، نفس السجادة التي كانت تصلي عليها عنان. سجدت لله بتضرع وخشوع وصوت بكائها يصدح في أنحاء الغرفة، تناجي الله أن يلهمها الصبر على فراق قطعة من روحها. أتمت الصلاة لترفع كفها ببكاء قائلة:
"اللهم ارزقني الصبر على فراقها يا الله، تقبلها عندك من الصالحين، واسكنها مع أمهات المؤمنين، واجعلها تشرب من يد نبيك الكريم، واجعل في قبرها نورًا يرافقها، واغفر لها ما بدر منها من سوء واعفُ عنها واكرم نزلها، واجمعني بها على خير وسامحني يا الله على تقصيري في حقها وعلى قسوتي معها واقبل توبتي يا رحيم." مسحت دموعها وارتدت ملابسها في عجل لتخرج من المنزل، توزع الحلوى على الصغار مثلما كانت تفعل عنان.
اجتمع الأطفال حولها يبكون لتحضنهم والدمع يسيل على خديها، لتتحدث ببكاء: "كانت عنان تحبكم كثيراً، لكنها الآن عند الله، لذلك لا تبكوا فقط ادعوا لها." تحدثت طفلة صغيرة تقول: "هل ذهبت عنان للجنة؟ كانت تحدثنا عنها كثيراً؟ هبطت الدموع تغرق وجهها قائلة: "أجل يا صغيرتي، هي الآن في جنة الله." ابتسم الأطفال في ألم ليردوا جميعهم بمحبة لها:
"لقد زُففتِ عروس الجنة، عنان أنتِ حقاً كنتِ تشبهين الجنة، لن ننساكِ مدى الدهر يا من كنتِ تمتلكين قلباً من الجنة، وعند الله الملتقى." ويبقى الأثر الطيب حتماً بعد الرحيل. *** شعر فراس بتوترها وقلقها ليجلس جوارها قائلاً: "لماذا أنتِ قلقة وخائفة هكذا؟ قالت بألم والدمع يرافقها: "أنني أخشى الفقد، خائفة إن تعلقت به أفقده مثلما فقدت والدي." "ولماذا تخافي؟ اتركي أمرك لربك." أجابته بدمع وألم:
"أخاف الحب يا فراس، أخاف أن يترك بي وجع. أخاف أن يئن قلبي يوماً ما، وأيضاً أخاف الفراق لأنه مؤلم حد الموت، إنني تائهة وضائعة ولا أدري ماذا أفعل." مسح دموعها بحنان يطمئنها قائلاً: "أنس شخص رائع، لن يجعل الحزن يدخل قلبك يوماً ما، إنه شخص يعرف الله كثيراً. اتركي أمرك لربك يا مريم، ولا داعي لكل هذا الخوف، أريدكِ أن تنعمي بحياتك حبيبتي، وأنا سأظل سندك مدى الحياة." ابتسمت بحب وحضنته في حنان وود لتردف:
"دعوت الله أن يرزقك الزوجة الصالحة قريباً." "إنني أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر، أتمنى أن أراك ببدلة العرس يا أخي الغالي." تبسم بمحبة صادقة: "سأفعلها قريباً عندما أجد من تخطفني واقع أسير حبها." قهقهت مريم لتقول: "ألم تنم البارحة جيداً؟ أراك تحلم يا رجل." شاركها البسمة ليجيب: "وما خلقت الأحلام إلا أن تتحقق يا صغيرتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!