طرق عتمان على الباب مرات متتالية وبعنف. وما إن وقع نظر هشام عليه حتى أسرع في خطواته واقترب منه وحدق في وجهه في دهشة قائلاً: _أنت بتعمل إيه هنا يا جدع أنت. تمتم عتمان بهدوء: _ولا حاجة بس.. قاطعه دفع هشام للباب وهو يقول بعجل: _بعد من قِدامي. دلف هشام للداخل ووقف ينتقل ببصره بين جدته واعتماد وقال مشدوهاً: _الست دي إيه اللي جابها هنا ياستي. اعتدلت زبيدة والتقطت نفساً عميقاً قبل أن تستطرد:
_مفيش حاجة يا ولدي الست اعتماد جاية تشوفني وتطمن على صحتي. قالت اعتماد بجمود: _أظهر إن ستك غالية عليك، وانت غالي عليها، خوفوا على بعض هيكون أحسن. قال هشام بنبرة حادة: _انت بتهدديني يا ست انت، وفي بيتي كمان، لا دي بجاحة. هتفت اعتماد في قوة: _انت متعرفنيش، بس ستك تعرفني كويس، ابقى اسألها أنا مين، يلا فوتك بعافية يا زبيدة. واستقامت اعتماد واقفة لتغادر المكان. قال هشام بعد رحيلها: _الست دي عملتلك حاجة.
وضعت زبيدة كفها تمسد على رقبتها وقالت بصوت منخفض: _هاتلي شوية مية الأول يا ولدي، عاوزة أبل ريقي. ناولها هشام كوب الماء الذي كان على الطاولة بالقرب منه، وانتظر حتى انتهت منه، فقال وهو يعيد الكوب مكانه: _جوليلي جات ليه، عاوزة إيه منك، الأفضل إنه نجول لأيوب كل حاجة ونخلص. ردت هي بصوت واهن: _اسمع يا ولدي، اعتماد دي مش سهلة ومش هتسكت الفترة دي خلينا ساكتين.. قاطعها قائلاً بعزم:
_أنا هروح دلوق واجول لأيوب كل حاجة مش واحدة ست اللي اتخليني أخاف. امسكت زبيدة معصمه وتحدثت: _مش خوف يا ولدي حبل الكدب قصير مهما طال، والحقيقة هيجي يوم وتنكشف. هز هشام رأسه وهو يقول: _ماشي هسكت شوية عشان الست دي تطلعنا من دماغنا، وبعدها الكل لازم يعرف سرها. في السرايا.. يجلس مصطفى وأيوب مقابل بعضهما وتحدث أيوب قائلاً: _خير يا مصطفى في حاجة. قال مصطفى بصوت أجش: _فيه يا ولد عمي، عاوز استشيرك في موضوع كده. تمتم أيوب:
_سامعك.. قال مصطفى: _عارف السرايا ومشاكلها، ولو اتجوزنا أنا وانت فيها مش هنرتاح رغم وسعها. غمغم أيوب وهو يأيده: _معلوم يا ولد عمي. هتف مصطفى: _عمك جمعة اللي جنبنا ناوي يبيع بيته ويعيش مع ولده في القاهرة، وانا فكرت اشتريه ونعيش فيه أنا وانت، البيت حلو وواسع وفي أكتر من دور ويسع من الحبايب ألف، إيه رأيك؟ ابتسم أيوب قائلاً:
_تصدق كنت بفكر إني طول ما هعيش هنا من هخلص من المشاكل، فأكيد موافق، اتفق انت مع عمي جمعة وأنا معاك. مد مصطفى يده له.. وتصافحا، قائلاً: _اتفقنا يا أيوب، متعرفش أنت عملت إيه كأنه هم وانزاح. رد أيوب في مرح: _ده انت اللي عملت فيا معروف. دقت عقارب الساعة السادسة مساءً.. جالس يسري ووالدته وبالمقابل لهم مصطفى وسلمان وأيوب.. تحدث أيوب قائلاً: _إيه يا يسري مجبتش حد كبير معاك ليه. ردت رشيدة بدلاً عنه بضيق قائلة:
_إيه يا ولدي سلامة نضرك مش شايفني ولا إيه. غمغم أيوب بحنق: _شايفك، بس الأكيد إنه مش هتجعدي وسط الرجالة، حتى عمي سلمان اليوم مكان أبو عروستي. ردت اعتماد هذه المرة وهي تقترب منهم وتحمل بيدها وعاء عليه أكواب من الشاي قائلة: _ولدي، ولد أصول يا ست رشيدة وشايفة إنه معاه حق، انت تيجي معايا ونسيبهم هما يحكوا. تماسكت رشيدة وقالت على استحياء: _صح عندك حق جعدتي وسط الرجالة متنفعش.
استقامت رشيدة ذاهبة مع اعتماد بالطابق الذي تقطن به.. وما إن جلسا قالت رشيدة: _اومال عروستنا فين يا اعتماد. تمتمت اعتماد: _جاية دلوقِتي يا خيتي. باغتها رشيدة بسؤالها الفضولي قائلة: _اومال ولدك خاطب بت مين فالبلد. اجابتها اعتماد: _بت عمه صبري، الله يرحمه. قالت رشيدة: أيوة عرفتها بت فتحية صح. غمغمت اعتماد بهدوء: _صح. لوت رشيدة فمها بحنق قائلة:
_كنتي مالك وانتي بتكلميني على تليفون حد دايقك، ده أنا كنت حالفة أنه نفضها سيرة وكل واحد يروح لحاله، لولا ما رجعتي كلمتيني جرب المغرب. تحدثت اعتماد قائلة: _ميبجاش جلبك أسود كده، كنت مدايقة شوية مع العيال، انت عارفة مهما كبروا يفضلوا عيال في نظرنا برضه. تقدمت منهم سهر قائلة بخفوت: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ردوا كلا منهم تحية السلام وتابعت رشيدة: _تعالي يابتي اجعدي جمبي إهنا، وأنت يا اعتماد خلاص سامحتك.
وظلوا يتحدثون في مواضيع عدة. مضى ما يقارب الساعة والنصف، اعتلت "ورد" درجات السلم واخذت تطرق باب طابق اعتماد.. وانفرج الباب وطلت منه سهر قائلة بإبتسامة: _تعالي يا ورد فوتي. ابتسمت ورد وهي تقول: _تسلمي ياسهر، وألف مبروك ليكي، ربنا يتمملك بخير انتي وندى فرحتلكم من قلبي والله، كأنكم أخواتي. ردت سهر بلطف: _عقبالك يارب يا غالية.. هتفت ورد على عجل:
_الكلام هياخدنا، وكنت هنسى جاية ليه، جولي للست رشيدة يسري بيه مستني جنابك تحت. تمتمت سهر بخفوت: _حاضر.. وهبطت ورد إلى الأسفل. دلف سهر للداخل وقالت: _ست رشيدة يسري منتظرك تحت. استقامت رشيدة قائلة: _ماشي جاية أهو، يلا يا اعتماد افوتك بعافية. قالت اعتماد بإصرار: _لا مش هتمشوا من هنا غير لما تتعشوا معانا، عاوزة تجولي علينا ناس بخلة ولا إيه. عانقتها رشيدة بود قائلة: _بكرة إن شاء الله بعد ما يلبسوا العيال الدهب.
ردت اعتماد وهي تبتعد عنها: _وماله النهاردة وبكرة. اقتربت رشيدة من سهر وضمتها وهي تقول: _معلش، مرة تانية عشان إيمان مش بتحب تاكل لحالها، بكرة اجي أنا وولدي الكبير ومرته وعياله، يلا أفوتك بعافية. ردت اعتماد: _ماشي ياحبيبتي، والله يعافيكي ياحبيبتي. بغرفة ندى كانت تدور حول نفسها بسعادة وهي تفرد ذراعيها وشعرها يرفرف حولها، وقلبها من الداخل يتراقص فرحاً بعدما أخبرتها والدتها بتمام أمرها وغداً ستكون خطوبتها..
إني عشقتك.. واتخذت قراري فلمن أقدم ياترى أعذاري لا سلطة في الحب تعلو سلطتي فالرأي رأيي والخيار خياري. "نزار قباني" قادتها قدمها لشرفة غرفتها، فنظرت للسماء واستنشقت الهواء براحة.. فحقا ان الغرفة لا تسع أجنحتها من الفرحة، تشعر بأنها طائر خفيف يحلق بالسماء الواسعة. زفرت بارتياح قائلة: _اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. شعرت ببرودة الجو بدأت تغزو جسدها فأسرعت للداخل، واحتضنت وسادتها بسعادة
عارمة وقالت تحدث نفسها: _الوقت بيمر ببطء ليه كده، الأحسن إني أنام عشان بكرة يجي بسرعة. مر الليل دون أي أحداث أخرى. وفي الظهيرة.. أنطلقت الزغاريد من فم اعتماد، كالموسيقى الرنانة التي انزعج منها أيوب قائلاً: _يما كفاية عاد، أنا هقطع الخلف من الخضة. اجابته اعتماد بسعادة: _ده من فرحتي يا ولدي والله، بتي و ولدي هفرح بيهم في يوم واحد أعوز إيه أكتر من كده. تبسم أيوب قائلاً: _طاب يلا ابعتيلنا حد لفوق يستعجل البنات.
جاءت لهم ورد قائلة: _أنا لسة نازلة من عندهم وهما خلاص نازلين أهو. قالت اعتماد: _انت مجهزتيش ليه يابتي. ردت ورد بدهشة: _وجهز أنا ليه؟ هتفت اعتماد بحنو: _عشان تيجي معانا، طب إيه رأيك بجا أنا مش ماشية من هنا غير لما تلبسي وتيجي معانا، ولا أنت إيه رأيك يا أيوب. وجد أيوب نفسه يتمتم مشدوهاً من تصرف والدته: _أكيد يلا يا ورد اجهزي. كادت ورد ان تعترض، فأسرعت اعتماد القول: _يلا مش عاوزة اسمع غير كلمة حاضر. غمغمت ورد بتعجب:
حاضر. ومرت من أمامهم. *** اجتمع الجميع بالأسفل وجاءت هدى ونورا ومفيدة التي قالت: ألف مبروك يا خوي ربنا يتمم بخير. قال أيوب مبتسما: عقبال ولدك ياحبيبتي. هنأته أيضا نورا. وقالت إسعاف: معلش يا أيوب يا ولدي، البنات محدش منهم قدر يجي أشغال نعمله إيه بقى. رد أيوب بلطف: أشوفهم في الليلة الكبيرة إن شاء الله. دلف يسري مع عائلته وبعد الترحيب بهم، تجلت ندى وخلفها سهر. فقالت اعتماد:
بسم الله ماشاء الله، عيني عليكم باردة، عرايسنا مفيش زيهم. ألتفت أجسادهم بدريسات بسيطة أظهرت حسنهم، وبزينة خفيفة على وجههم أبرزت جمالهم. تحدثت فتحية: البنات جاهزين مش يلا بينا. تمتم أيوب: يلا. تقسم كلا منهم إلى مجموعات وصاعدا بالسيارات، ندى ووالدتها وهدى معهم، وأيوب ووالدته بسيارة، وأخرى سلمان وعائلته، وسهر مع يسري، وورد بجانب بخيتة. وصلا إلى إحدى محلات الصاغة الكبرى.
ولج الجميع للداخل، وجلسوا على حدا عدا العروسين كلا منهم خلف طاولة صغيرة وأمامهم تشكيلة من الدهب لاختيار ما يشاؤون. اقتربت اعتماد من سهر قائلة: إنتِ يابت اختاري الحاجة التقيلة دي اللي هتنفعك، إنما الشكل ده خليه آخر حاجة. نظرت سهر لوالدتها بخجل، بينما قالت رشيدة بحنق: سيبي البت تختار اللي على مزاجها يا اعتماد، اتفقنا محدش يدخل بينهم. تمتمت اعتماد: بوعيها يا خيتي. ألقت كلمتها تلك وجلست جانبا.
وبعد قليل اختار كل واحد منهم المتفق عليه، فصاح أيوب قائلا: أحنا نلبس هنا، وبالمرة نتفق على ميعاد الفرح. هتفت فتحية بعجل: بالسرعة دي. قال أيوب: أظن أحنا مش محتاجين فترة تعارف، إحنا نعرف بعض كويس جوي يا مرات عمي. ونظر لـ ندى قائلا بهمس: ولا إيه رأيك يا عروسة. ابتسمت ندى باستحياء ولم ترد، ولكنها رفعت أنظارها لوالدتها وهزت رأسها دليلا على موافقتها. فقال أيوب:
أهو، على بركة الله، يتحدد فرحي، ويسري وسهر ياخدوا وجتهم وبعدين نحدد معاد. قالت رشيدة باعتراض: لا، ليه تأخر فرح ولدي؟ أنتو عارفين عننا كل حاجة واحنا كمان يبقى ليه التأخير. قالت اعتماد: خلاص يبقا الفرح بعد شهر إيه رأيكم. هتف أيوب بلهفة تجلت في نبرته: شهر إيه يما، هما أسبوعين كفاية. قهقه الجميع في مرح عليه، وقال سلمان: عريس ومستعجل يا ولد ليه نكسر بفرحتهم طالما الكل جاهز يبقى على بركة الله، مبروك علينا كلنا. ***
انطلق الجميع عائدين للسرايا، وبطريقهم مروا من أمام منزل العمدة عبد الجليل الذي صاح قائلا وهو يشرب من الأرجيلة أمام منزله: واد يا محسن. هرول إليه المدعو محسن قائلا: أوامر جلالتك يا عبد الجليل بيه. قال عبد الجليل: إيه العربيات اللي عدت دي ياواد ناسها بتزغرط، حدانا فرح فالبلد ولا إيه. هتف محسن: أنا سمعت كده إن أيوب ولد وهدان واخته النهاردة هيلبسوا دهب يا بيه. قال عبد الجليل بمكر بعدما نفث دخانه:
وجه الوقت اللي هنتقم منك يا ولد وهدان. عقد محسن حاجبيه واردف بتعجب: أتجول حاجة يا بيه؟ قال عبد الجليل ممتعضا: إنت لسة واقف غور من هنا. *** في سرايا وهدان الكل منشغل بالحديث مع الآخر. اقتربت سهر من والدتها وهمست: عايزاكِ شوي تعالي. ذهبت معها اعتماد بعيدا عن الضوضاء وقالت: خير يابتي في حاجة. هتفت سهر في حدة: يما جواز إيه اللي بعد أسبوعين ده، أنا محدش قالي قبلها ليه. هتفت اعتماد في حدة مماثلة لها:
محدش قالي إزاي مكنتيش تعرفي إنك هتتجوزي، أهو دلوق أو بعدين البت مصيرها تتجوز. أوضحت سهر قائلة: أيوة بس يما أنا مش حاباه، مش عارفة أحبه. قبضت اعتماد بعنف على يدها وقالت: حب إيه ده يابت، ولسة فاكرة تجولي دلوق، الناس تجول علينا إيه. هزت سهر رأسها وقالت بخفوت: هسكت يما، بس اعرفي إن مش موافقة على كل اللي حاصل ده وذنبي في رقبتك. هتفت اعتماد بغضب: ذنب إيه يابت إنتِ ناوية على إيه. قالت سهر بجمود:
ولا حاجة يما، اعتبريني مجلتش حاجة. ردت اعتماد بضيق: ماهو ده اللي هيحصل. *** كان ينظر مصطفى بين الحين والآخر على ورد الواقفة بين أبناء عمه تتحدث معهم. لاحظ أيوب ذلك فاقترب منه وقال: عارف ياصاحبي ورد اتمردت عليك، لازملها قرصة ودن. قال مصطفى بتعجب: كيف ده. استطرد أيوب: اسمع اللي هقولك عليه ونفذه. غمغم مصطفى بهدوء: سامعك. قص أيوب عليه خطته، فقال مصطفى بعد تفكير دام لثوان: تفتكر كده هتوافق. قال أيوب بتهكم:
اللي خلى اعتماد توافق مش هيخلي ورد توافق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!