انقضى كتب الكتاب والحناء على خير وسط فرحة عارمة وسعادة من الجميع، ولكنها لا تعلم ما سبب تلك الغصة بقلبها. كانت سهر بغرفتها جالسة أمام مرآة الزينة. فاليوم يوم فرح، إذن لماذا تلك السعادة ناقصة؟ ما سبب ذلك القلق الذي يتسلل لقلبها ياترى؟ انفرج الباب وطلت منه اعتماد وولجت للداخل. وقفت خلفها واضعة كفيها على كتفها وقالت بتعجب: _مالك يابتي؟ ندى وجوزك تحت مستني عشان ياخدك للكوافيرة. هتفت سهر في ضيق:
_مش عارفة يما مالي، حاسة إني مخنوقة، وجلجانة. هتفت اعتماد في عجل: _تلاقي الحريم اللي تندب في عينها رصاصة حسدتك يابتي، هروح أجيب بخور. امسكت سهر معصمها قبل أن تذهب وقالت: _كفاية تأخير، أنا هنزل معاكِ يلا بينا. ردت اعتماد في حيرة: _ماشي يابتي، بس ابقي اقري سورة الفلق وأنتِ في العربية، خلي الضيقة تفك. هزت سهر رأسها وغمغمت بخفوت: _حاضر يما، حاضر. بالأسفل.. احتضنت ندى والدتها وهي تشهق باكية. فصاحت بخيتة بسخرية:
_إيه ياندى؟ اتبكي ليه؟ ما أنتِ شهر وراجعة. انفصلت فتحية عنها وردت في حنق: _مالكيش صالح يابخيتة، مش كفاية أنها هتبعد شهر بحاله عني. ضم أيوب ندى بيده وقربها إليه، فتخضب وجهها خجلاً. رمقته فتحية بأعين متسعة، فقال أيوب بمرواغة: _إيه ياحماتي، بصالي ليه كده؟ بتك بقت مراتي خلاص، وبعدين متقلقيش مش هخليها تعيط، ده شهر عسل، مش هجرة. اقتربت منهم اعتماد وسهر خلفها. فقالت: _ربنا يهنيكم ويسعدكم يا ولدي. رمقها أيوب بمحبة قائلاً:
_ادعيلنا والنبي يا أمي، لحسن محتاجين دعواتك. هتف مصطفى الذي تقدم منهم قائلاً: _نيالك يا عم أيوب، الليلة ليلتك وأمك دعيالك. قالت اعتماد وهي تنظر لبخيتة بمكر: _هدعيلك يا ولدي، وادعي لمصطفى ربنا يجعل ورد من نصيبك. هتف مصطفى بسعادة: _ينصر دينك يا مرات عمي، خليكي كده على طول. قاطعهم يسري بضيق: _مش يلا يا أيوب ولا إيه. قال أيوب بعدما ضم كف ندى بيده قائلاً: _يلا بينا.
خرجوا خلف بعضهم ليصعد أيوب من الأمام وبجانبه ندى، وسهر ويسري من الخلف. قال يسري بهمس وهو يميل على أذن سهر: _سبت أختي إيمان عـ تبكي فالبيت، كان نفسها تيجي، بس عشانك انتي وأمك زعقت فيها وجعدتها مطرحها، ودي أول مرة تحصل إني ازعل أختي. قالت سهر بخفوت: _هي اللي عملت في روحها كده، لو مكنتش هتخرب عليا فرحتي، كانت راحت معانا. قبض يسري على كفها بعنف قائلاً: _لينا حساب تاني لما نبقى في بيتنا. شعرت سهر بألم من أثر قبضته فقالت
ودموعها على وشك أن تسيل: _بعد يدك عني، بدال ما أقول لأخوي. صاح أيوب بتعجب بعدما لاحظ نظراتهم الحادة: _في حاجة معاكم ولا إيه. ترك يسري يد سهر قائلاً: _ولا حاجة، ركز أنت فالطريق. فرت دمعة من أعين سهر، لتزيحها بصمت وهي تمسد على يدها كي يخف الألم.
في إحدى قاعات الزفاف الكبرى في البلدة؛ تجمهر الناس لحضور الزفاف. أصوات الموسيقى العالية تصُم الأذان. ومع ولوج العرسان ازدادت الحماسة والتصفيق، فدلف كل منهم وجلس بالمكان المخصص لهم. جائت الفرقة الراقصة لتقدم العرض الاستعراضي مع مشاركة العروسين. وقعت أنظار اعتماد على هشام الذي كان يتحدث مع ورد. فحاولت التقدم إليهم من وسط الزحام. توقف هشام أمام ورد قائلاً: _ست ورد، فكراني؟ أنا هشام. ابتسمت ورد برقة قائلة:
_أيوه فكراك، اتفضل. هتف هشام بصوت عال: _فكراني، بس شكلك نسيتي تقولي لأيوب بيه إني طالب أشوفه. قالت ورد بتريث: _لا فاكرة، أنا جلت للست اعتماد وهي جالت إنها هتجوله. هشام شفتيه وغمغم في حدة: _اعتماد.. عقدت ورد حاجبيها بغير فهم لأنها لم تستمع لما قال، وصاحت: _مسمعتش، جلت إيه. رد هشام قائلاً: _يا ست ورد، أظهر إن الست اعتماد نسيت، ياريت لو تجوليله أنتِ. رمقته ورد بريبة من إصراره، ولكنها لم تبالي كثيراً وتمتمت:
_حاضر هبلغُه، بس هو بعد الفرح ما يخلص هياخد عروسته ويسافر. زفر هشام في حنق ونظر على يمينه ليجد اعتماد تقترب منهم، فقال على عجل: _أول فرصة تجيلك ابقي خبريه، عن إذنك. لم تلحق ورد الرد عليه لأنه اختفى من أمامها. وفزعت حينما قبضت اعتماد على يدها فقالت بضيق: _في إيه يا ست اعتماد؟ أنا اتخضيت. هتفت اعتماد في حدة: _الواد اللي كان عـ يحكي معاكِ ده، كان عايز إيه؟ أجابت ورد بضيق واختصار:
_ده هشام وكان عاوز يجابل أيوب، طلب اجوله، وأنا جولتله هيسافر، بس. تركت اعتماد يدها، ولم تعقب. وتوجهت إلى المرحاض الملحق بالقاعة، تحت دهشة ورد التي تمتمت بخفوت: _الست دي أمرها غريب. دلفت اعتماد إلى المرحاض وغلقت بابه الخارجي ظناً منها بأن لا يوجد أحد بداخله. وقفت أمام صنبور المياه، تنظر إلى المرآة أعلاه، وقالت بقوة كمن أصابه الجنون:
_مش هسمح لده يحصل.. محدش هيعرف حاجة.. السر مش هينكشف.. أيوب ولدي أن محدش يقدر ياخده مني. تنهدت بقوة، ووضعت يدها فوق صدرها واستطردت كمن تحاكي شخصاً: _متخافيش يا قلبي، كل اللي بنيته ليا سنين مش هينهد بالساهل ده. صمتت قليلاً، وتبدلت ملامحها من الغاضبة إلى الهادئة وابتسمت بتريث قائلة: _الليلة فرح ولدك أيوب وهدان وبتك كمان، افرحي يا اعتماد، واللي خلق الكون اللي هيجف في طريقي هجتله وأشرب من دمه.
ألقت جملتها تلك مع نفسها وغادرت المرحاض. لتخرج بخيتة من إحدى أبوابه الصغيرة المتراصة، وقالت بتعجب: _إيه اللي جالت المجنونة دي؟ تجصد إيه؟ وسر إيه اللي جالت عنه؟ أنا لازم أراقب كل تحركاتها إلا ما يقع تحت إيدي حاجة أذلها بيها طول العمر. توجهت اعتماد لأبنائها. ضمت سهر أولاً وقالت: _ألف مبروك يابتي. ربتت سهر على ظهرها وغمغمت: _الله يبارك فيكِ يما.
ابتعدت عنها لتصافح يسري وتبارك له ورد هو عليها باقتضاب. لم تبالي له وتوجهت لأيوب وفعلت نفس الشيء. انطفأ الضوء.. ألا من ضوء خافت وصدر صوت موسيقى هادئة وتوجه كل من العروسين إلى ساحة الرقص. ضم أيوب ندى قائلاً وهم يتمايلون على أنغام الموسيقى: _خايف أكون في حلم وأفوق منه على واقع ما تكونيش فيه. همست ندى في أذنه: _اللي يعيش حياته في خوف عمره ما هيحقق حلمه. ابتسم أيوب، وأردف:
_عندك حق، بس من كتر اللي بنشوفه بقيت خايف من بكرة. قالت ندى بحكمة: _بكرة ده مش بتاعنا، محدش ضامن هنعيش لبكرة ولا إيه. ابتسم أيوب ضاحكاً وحملها ودار بها تحت التصفيق والتصفير من الحاضرين. عند سهر ويسري اقتربت اعتماد تهندم من فستان سهر الذي التف على قدمها. في تلك اللحظة اقتربت إيمان وهي تقول: _يسري سيب عروستك وارقص معايا شوية. كاد يسري أن يمتثل لأمرها، فاعتدلت اعتماد ترمقها بحدة وهي تقول:
_أخوكِ ده فالبيت ياحبيبتي، إنما دلوج هو جوز بتي، سيبيهم وتعالي معايا. قبضت اعتماد على كفها وسحبتها معها. فقال يسري بضيق: _عجبك اللي عملته أمك ده. صاحت سهر بقوة: _ما أختك هي السبب. قاطعها يسري قائلاً في حدة: _اقفلي خشمك وإياكِ تعلي صوتك مرة تانية، فاهمة؟ ويلا تعالي نجعد مش هنرقص. تركها يسري وذهب لمكانه. وامسكت هي بفستانها ولحقته لتجلس بجانبه. كانت تحاول الثبات بعدما امتلأت عينيها بالدمع. صلى على محمد.
هدأت الأوضاع ورحل الجميع. ظل الأهل وبعض الأقارب فقط. مال أيوب على أذن ندى قائلاً بمرح: _حان الآن موعد انطلاق رحلتنا الجديدة. ابتسمت ندى بخجل ولم تعقب. فاقتربت فتحية تضمها بحنان قائلة: _خدي بالك من نفسك يابتي، ربنا يجعل كل أيامك فرح وسعادة. ربتت ندى على ظهرها بحنو قائلة: _حاضر يما، وأنتِ خدي بالك من نفسك. ابتعدت عنها فتحية ورمقت أيوب بنظرات حادة قائلة: _خد بالك من بتي يا ولد اعتماد. ابتسم أيوب ضاحكاً وقال:
_حاضر يا حماتي، بتك في عنيا. وفعلت اعتماد نفس الشيء مع ابنتها، وقالت ليسري: _دي حبة الفؤاد ونن عين أمها، خلي بالك منها. هتفت رشيدة بعجل والتي كانت واقفة بجانب نجلها: _بتك في عينينا ياحبيبتي، روحي وأنتِ مرتاحة البال. وانطلق كلاً من العروسين بعد وداع حار من العائلة. وصلت سهر أمام الشارع الذي يقطن به منزل زوجها وتوقفت السيارة فجأة تحت دهشتها. فنظرت لـ يسري قائلة: _يسري، هي العربية وقفت ليه هنا.
كاد يسري أن يتحدث حتى طلت رشيدة من نافذة السيارة قائلة: _انزلوا يا ولاد، هتدخلوا الشارع مشي، خلوا الجيران يشوفوا عروستنا، يلا، يلا. هبطت سهر على مضض وكذلك فعل يسري، تشابكت أيديهما ودلفا للداخل، تحت زغاريد وتهنئات الجيران. تحدثت امرأة كانت تنظر من النافذة: _ألف مبروك يا أم يسري. ردت رشيدة وهي تنظر لأعلى: _الله يبارك فيكِ يا أم عمرو، عقبال عمرو والبنات.
مضت بعض الدقائق حتى وقفوا أمام المنزل، وما كادت أن تخطو سهر أولى خطواتها بالمنزل حتى صاحت رشيدة في عنف: _وقفي عندك. فزعت سهر من نبرتها وارتدت للوراء. فتقدمت منهم رشيدة ووقفت أمامها كالجبال الراسيات، وقالت: _هاتي يابت يا إيمان الغربال واللبن، نسيتي عوايدنا ولا إيه. وأنتِ ياسهر مالك خفتي ليه كده؟ جربي يابتي. خطت سهر خطوة للأمام ويسري بجانبها ودلفت إيمان للداخل. وعادت بعد قليل وبيدها كوب من الحليب والمُنْخُل.
ناولتها المُنْخُل قائلة: _خدي يما الغربال أهو. أخذته رشيدة ورفعت يدها تهزه فوق رؤوسهم، فتلك عادة من عاداتهم المتوارثة. وأخذت كأس الحليب أعطته لـ يسري واستطردت: _سمي الله واشرب يا ولدي وعروستك تشرب بعدك. امتثل يسري لقولها وارتشف منه القليل، وناوله لسهر، وفعلت نفس الشيء. تحت سماع الزغاريد من جوف رشيدة والتي قالت بعدها: _ادخلوا يا ولاد، اطلعوا على شقتكم يلا.
في الصباح. توسطت الشمس عنان السماء، وخيوط دفئها تحي آمالاً جديدة بقلوبنا. في سرايا وهدان. دلفت اعتماد إلى المطبخ وهي تقول: _سيدة، عاوزة الوكل ده يكون جاهز قبل الضهر، دي زيارة عروسة مش عاوزة تأخير. هتفت سيدة: _حاضر يا ست اعتماد، على الضهر الوكل ده كله هبقى جاهز. غمغمت اعتماد بخفوت: _ماشي أما نشوف. وانسحبت بهدوء لخارج السرايا. وكالعادة وجدت عتمان جالس وخلف إحدى كتفيه سلاحه ويحمل بيده كوب الشاي يترشف منه بتمهل. _عتمان.
انتفض عتمان ناظراً إلى مصدر الصوت وقال برجفة ذعرة: _أوامر جانبك يا ست اعتماد. قالت بنبرة لا تحمل إلا الشر: _الواد هشام حفيد الداية زبيدة محتاج له قرصة ودن خفيفة عشان يتعلم الأدب. هز عتمان رأسه بمكر قائلاً: _وماله يا ست اعتماد، نربيه. هتفت اعتماد بحنق: _خوّفه بس مش ناقصة مشاكل، ولو متعلمش درسه وجتها لنا كلام تاني. في منزل يسري. استيقظوا على صوت طرقات عالية على باب شقتهم. قالت سهر بفزع: _يسري، هو فيه إيه؟
الباب من كتر الخبط عليه هيتكسر، مين ده. أزاح يسري الغطاء من عليه وقال بنعاس: _هروح أهو أشوف مين. هزت سهر رأسها وهي تجذب الغطاء، تتمسك به جيداً. اقترب يسري من باب الشقة ليفتحه، فطلت من خلفه والدته وشقيقته. تفحصت رشيدة مظهره، فكان هو بثيابه الداخلية فقط وقالت: _روح يا ولدي البس هدومك لتستهوي، بس قولي مراتك فين. أجاب يسري بضيق: _هتكون فين يعني يما، نايمة جوة. هدرت رشيدة في قوة: _نايمة جوة وجومتك أنت تفتح الباب!
روحي يا بت يا إيمان شوفيها، جولي لها أمك جاية، ورانا مصالح. استمعت سهر لحديثهم، فوثبت قائمة وهي تبحث عن شيء تستر به جسدها، فأخرجت عباءة من خزانتها. وما أن انتهت حتى انفرج عليها الباب. فقالت إيمان بمكر: _صاحية أهو، زين، عشان تيجي تشوفي اللي وراكِ. صاحت سهر قائلة في حدة: _أنتِ إزاي تدخلي عليا كده؟ دي أوضة نوم ياهانم، وبعدين مصالح إيه دي اللي في يوم صباحيتي. أتاها الرد من رشيدة التي طلت من خلف الباب قائلة:
_دي شقة ولدي يا بت اعتماد، نيجي ونروح على راحتنا، أنتي فاهمة. هتفت سهر بقوة: _ده اسمه قلة أدب، ما تقول حاجة يا يسري. هتف يسري في حدة: _إياكِ تاني مرة تعلي صوتك في وش أمي أو أختي، هخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه. صدمت سهر من حديثه، وقبل أن تفكر فالأمر قالت رشيدة: _يلا يا بت غيري هدومك وانزلي المندرة اللي تحت، محتاجة تتروق، أمك جاية. صمتت سهر قليلاً متعجبة من أمرهم فهتفت بحنق:
_الساعة لسه تسعة ونص، أمي مش هتيجي دلوق يا خالة، وبعدين أنا تعبانة، مندّرة إيه اللي هعملها دي. قالت إيمان وهي تبتسم بنصر: _أنتِ عاوزة تنامي واحنا نخدمك؟ لا يا قلبي ده دورك. صاحت رشيدة قائلة: _بزيادة دلع يا حبيبتي، هنزل قدامك ربع ساعة وحصلينا. استطردت سهر في غضب: _أنا مش هسكت وهقول لأمي. قبض يسري على معصمها بعنف قائلاً: _تجولي لأمك إيه يابت؟ وهو أنتِ فاكرة نفسك مين يعني؟ كل ده عشان طلبوا منك تساعديهم في شغل البيت.
دفعت سهر يده بعنف واجابت في حدة: _وهي دي طريقة لطلب المساعدة؟ قاطعتهم رشيدة قائلة: _عاوزانا نيجي نحب على يدك يا بت اعتماد عشان يعجبك. قبض يسري مرة أخرى على معصمها وقال: _أنا عاوز أنام شوية وأنتِ انزلي من سكات، وإلا أبعتك مع أمك وأنتِ بقى عارفة إيه اللي هيحصل فيكِ بعدها. امتلأت مقلتا سهر بالدموع، تشعر بأنها سقطت في بئر يسوده الظلام من الصعب النجاة منه. في منزل زبيدة. جلست بجانب حفيدها على الأريكة وقالت بهدوء:
_أنا عارفة إنك كنت في فرح أيوب امبارح، يا ابني متخلنيش أندم إني جولتلك، أنا خايفة عليك يا ولدي. صاح هشام في غضب: _وتخافي عليا ليه؟ أنا عيل. ردت زبيدة بتريث: _أنت راجل وسيد الرجالة كمان، بس إحنا مش قد اعتماد وعمايلها يا ولدي. هتف هشام في حدة: _ولا تقدر تعمل حاجة، أطمني أنتِ بس. قالت زبيدة بوهن: _أطمن إزاي بس، يا خوفي لتكون شافتك فالفرح. رد هشام بإصرار: _أيوه شافتني، ومش هسكت غير لما أكشفها. صرخت زبيدة في خوف:
_يا مرك يا زبيدة، ياريته لساني اتجطع جبل ما جولتلك حاجة. ربت هشام على يدها قائلاً بهدوء: _ليه الخوف ده بس، أطمني مفيش حاجة هتحصل. ضغطت زبيدة على يده وقالت بترقب: _اسمعني يا ولدي، ابعد عنها دلوق، وهنكشفها بس لما أيوب يرجع تكون هي نسيتنا واتلهت عنا. أبعد هشام يدها برفق وقال وهو يستقيم واقفاً: _حاضر هعمل زي ما تجولي بس هدي حالك عشان صحتك، وأنا هطلع شوية برة. قالت زبيدة بقلة حيلة: _ماشي يا ولدي خد بالك من نفسك.
عند سهر توجهت للمطبخ أولاً تصنع كوبين من الشاي كما أخبرها والدة زوجها بعد هبوطها من الأعلى. شعرت بخطوات تقترب منها فاستدارت للخلف، لتجد زينب زوجة شقيق يسري الأكبر والتي تعرفت عليها بخطوبتها. قالت سهر بتهكم: _أهلاً يا زينب، جولي ليّ عندك طلبات. رمقتها المدعوة زينب بشفقة وقالت: _أنا جيت أساعدك، كنت عارفة إنهم هيعملوا معاكِ كده، ما ده نفس اللي حصل معايا. تحدثت سهر وقد كسا الحزن ملامحها:
_على الأقل أنتِ هترجعي بيتك اللي فالجاهلية مع جوزك وولادك، إنما أنا مش عارفة هسلم منهم ولا شرهم هيطولني. اقتربت زينب تقوم بتحضير الأكواب قائلة: _هقولك حاجة واتمنى متزعليش مني. ردت سهر قائلة: _جولي، مش هزعل. قالت زينب وهي تعمل: _يسري ده مبحبهوش، شخصيته ضعيفة، ماشي ورا كلام أمه واخته دايماً، وفحالتك دي اللي هيتعبك أكتر. تعرفي لو واقف معاكِ كان الباقي سهل. فرت دمعة من طرف مقلتيها قائلة:
_أنا حاسة روحي تايهة، إيه اللي أنا عملته في نفسي ده. قالت زينب بتريث: _هجولك أنا عملت إيه. انصتت سهر لها. واسترسلت زينب: _البيوت أسرار، ناس معروفين إنهم كويسين بس محدش عارف اللي فيها، اتخدعت في استقبالهم وكلامهم الطيب، وسبت بيت أبويا وجيت لـ هنا. صمتت تلتقط أنفاسها وتابعت:
_يوم الصباحية طبوا عليا، وأخته البجحة دخلت أوضة نومي، حصلت خناقة بس مسكتش، رنيت على أهلي وجم. وحكيتلهم اللي حصل وبابا كان مستعد يطلقني منه وأسافر معاهم تاني. شهقت سهر قائلة: _دي كانت تبقى فضيحة. ردت زينب بجمود: _ولا فضيحة ولا حاجة، الناس دي عاوزة حد أشد منهم يقف في وشهم وإلا ياكلوا لحمك ني. وقتها بابا هددّهم أنه هياخدني على المركز وهقول إنهم ضربوني وهناخد تعويض، وأول ما سمعوا كده خافوا. غمغمت سهر بخفوت: _وبعدين.
أجابت زينب ببرود: _ولا حاجة، أخذنا شقة فالقاهرة أنا وجوزي وبننزل هنا يمكن كل سنة مرة. أنا جلتلك وحذرتك، فهمي أهلك ياحبيبتي، حتى لو وقفت على إنك تسيبي البيت. ردت سهر بضيق: _عوايدنا غير عوايدكم، متعرفيش أنتِ هنا لو حد شم خبر إني سبت بيت جوزي تاني يوم جواز سيرتي تبقى على كل لسان وهيطلع عليّ اسمي قصص وحكايات. قالت زينب بلا مبالاة: _أنا حاولت أساعدك، الباقي عندك بقى.
كان يسير بين الأراضي الزراعية، ويزفر بضيق حتى استمع لصوت أحدهم. _يا ولدي، عاوزك. عقد هشام حاجبيه بتعجب، واقترب من الرجل قائلاً: _أيوه، في حاجة. جاء شخصاً خلفه ووضع نصل حاد بجانبه وقال في حدة: _امشي معانا يا واد أنت، وإلا أكون فاتح بطنك وأسيبك تموت هنا. هتف هشام في ذعر: _أنتو مين وعاوزين مني إيه. رد الرجل في حدة: _امشي معانا من سكات، لو فتحت خشمك هجتلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!