كانت بغرفتها جالسة على الفراش تعانق وسادتها وتبتسم ببلاهة وتتردد في ذهنها جملته "أنا مش هتجوز غير ندى" فيطرق قلبها كالطبول ويتراقص فرحا. تتمنى من أعماق قلبها ان يكون هذا واقع عاشته وليس كابوسا تفيق منه بعد برهة من الزمن. طرقات خافتة على باب غرفتها جعلت جسدها ينتفض بفزع. فقالت بهدوء وهي تترك الوسادة وتعتدل في جلستها: _أدخل. دلفت فتحية وجلست بجانبها قائلة: _أيوب طلبك للجواز يابتي. ردت ندى بصوت مبتهج:
_عارفة يما، ده أنا هموت من الفرحة. قالت فتحية بعجل: _بعيد الشر عنك يابتي. ثم تابعت: _أنتي طبعاً موافقة عليه. ردت ندى بتهكم: _ودي عايزة سؤال يما. أمسكت فتحية يدها وقالت بهدوء: _أنا أمك مش عدوتك، وعاوزة مصلحتك قبل أي حاجة. قالت ندى بقلق غزا قلبها من حديث والدتها: _وأنا عشان أنتي أمي سامحتك، فـ قوليلي يما الكلمتين المحشورين في زورك. أذدردت فتحية لُعابها وقالت بتريث: _أيوب مش مناسب ليكي يابتي. سحبت ندى يدها بحدة قائلة:
_يعني العمدة هو اللي كان مناسب يما، أنتي عايزة إيه تاني مني، ليه هتحرميني من فرحتك ولا كأني ضرتك. هتفت فتحية بحنق: _اسمعي أمه طبعها صعب، ومش بتحبك، وهتطفحك عيشتك، أنا باصة لقدام يابتي. ردت ندى ببرود: _أنا هتجوز أيوب مش أمه يما، وكلنا عارفين مين أيوب وجدع إيه بيحبني. وصمتت ندى لتلتقط يد والدتها تضمها بين راحتيها واسترسلت برجاء: _يما متقفيش في وش سعادتي، مش عايزة أمي تكون هي السور الفاصل ما بيني وبين فرحة قلبي. هزت
فتحية رأسها وقالت بتريث: _ماشي يابتي جرارك وانتي المسئولة عنه، مبروك عليكي ياحبيبتي. ابتسامة زينت ثغر ندى وضمت والدتها بسعادة قائلة: _مش عارفة أقولك إيه يما، بس أنا فرحانة جوي. ربتت فتحية على ظهرها بحنو قائلة: _ربنا يسعد جلبك يابتي. *** بمنزل سيدة جالسة إعتماد ومصطفى وسلمان بصالون منزلها البسيط المتواضع. تحدث سلمان قائلا: _بصي ياسيدة من غير لف ولا دوران أحنا جايين نطلب إيد ورد بتك لـ مصطفى ولدي. وتحدثت إعتماد:
_وبتكم جمال وأخلاق ومتربية على أيدينا، ها قولتي إيه. هتفت سيدة بهدوء: _واحنا مش هنلاقي زي مصطفى بيه ياست اعتماد، بس أنتي عارفة الرأي رأيها هشوفها وأرد عليكم. تقدمت منهم ورد وهي تحمل صينية عليها أكواب العصير لتقديمها لهم. وقامت بوضعها على الطاولة الصغيرة بالمنتصف. لتقول إعتماد: _أهي ورد جات أهي قولي يابتي موافقة على جوازك من مصطفى. قالت ورد بجمود: _لا ياست اعتماد، مجيتكم فوق راسي بس مش موافقة. استقام
مصطفى واقفا وهو يقول: _ليه يا ورد إيه اللي حصلك. عقدت ورد ساعديها وردت قائلة: _زي ما سمعت يامصطفى بيه، مش موافقة، أنت من طريق، وانت من طريق تاني خالص. قال مصطفى باندهاش: _يعني إيه الكلام ده يا ورد. وثب سلمان قائما وهو يقول: _يعني اترفضت ياولدي جوم بينا خلّينا، ده نصيب. استقامت إعتماد قائلة: _استهدوا بالله بس ياجماعة أحنا هنمشي دلوج، تكون ورد فكرت كويس وتبجا تدينا خبر سيدة على جرارها الأخير. هتفت
سيدة بخجل من تصرف أبنتها: _أشوفها بس فيها إيه ونرد عليكم. مر مصطفى أولاً من أمامهم بغضب واتبعه سلمان وإعتماد، تاركين سيدة وابنتها معا. جلست ورد على الأريكة بوهن وذرفت أعينها الدموع. اقتربت منها سيدة وهي تجلس بجانبها وقالت بهدوء: _هتبكي ليه دلوج، مش أنتي اللي رفضتيه، إيه اللي جرالك يابتي؟ قالت ورد بغصة باكية:
_لو مشيت ورا قلبي يما أنا اللي هخسر، أهو شوفتي بعينك أمه مجتش معاهم، ولو وفقت هعيش الباقي من عمري في إهانة وأنا بسمع كلام أمه اللي زي الدبش. ربتت سيدة على كتفها بحنو قائلة: _لا عاش ولا كان اللي يهينك يابتي، وبعدين مصطفى هيحبك وهيشيلك جوة عيونه. أردفت ورد قائلة: _بس لأمتى هنستحمل، و لأمتى هيقف معايا فالنهاية دي أمه، أخاف نزهق ووقتها الحب مش هيفيدنا يما. هزت سيدة رأسها بتفهم قائلة:
_وأنا مقدرش أغصبك على حاجة يابتي الرأي رأيك ودي حياتك، بس منردش عليهم على طول خدي وقتك فكري كويس، العمر بيجري يابتي ومصطفى مش هيفضل مستني طول العمر. غمغمت ورد بهدوء: _حاضر يما هفكر. *** دلفت إلى السرايا امرأة بجلباب أسود وحجاب من نفس اللون وبجانبها فتاة في العشرين من عمرها، وشاب في أواخر العشرين ويحملون بأيديهم أكياس سوداء. اقتربت منهم إعتماد قائلة: _يا مرحب يا مرحب بيكم، خطوة عزيزة نورتونا. عانقت المرأة والفتاة
بود وصافحت الشاب قائلة: _أهلاً باللي هياخد الغالية مني. ابتسم يسري قائلا: _الغالية هحطها فعيني وتيجي تشوفيها وقت ما تحبي. راق لها حديثه فقالت إعتماد: _أصيل كيف أبوك الحاج الله يرحمه، يلا تعالوا اتفضلوا. جلسوا على الأرائك الخشبية المزخرفة بمنتصف ساحة السرايا. ليقترب منهم سلمان وقال بعتاب: _أهلاً بيكم شرفتونا، إعتماد يلا جايلك من شوي أنكم جايين ليلة كده كنتوا لاقيتم البيت كله هيرحب بيكم. تمتمت المرأة بهدوء:
_انتوا أهل الكرم كله، وتلاقي إعتماد سهت منها بس. هبط أيوب من أعلى درجات السلم لتقول إعتماد: أهو أهو عروستنا جه أهو. عقد أيوب حاجبيه وتقدم منهم قائلا: _أهلاً وسهلا نورتونا. ونظر لوالدته يحثها على التحدث ليعلم من هؤلاء. قالت إعتماد بتوتر تجلى في نبرتها: _لمؤاخذة ياست رشيدة أصل أيوب ولدي كان غايب ونسيت أقوله. وأشارت على الشاب وتابعت:
_وده ياولدي يسري ولد الحاج نعمان الفايد وأمه الست رشيدة والجمر دي أخته إيمان، جايين يطلبوا يد أختك سهر لـ يسري. صافح أيوب يسري بود قائلا: _أهلاً بيك نورتنا. ونظر لوالدته متابعا: _تعالي يما عايزك على انفراد ثواني بس. ابتسمت إعتماد قائلة: _عن إذنكم البيت بيتكم ياجماعة وسلمان قاعد معاكم أهو هشوف أيوب وراجعة. قالت رشيدة بلطف: _وما له ياخيتي إذنك معاكي، خدي راحتك. مر أيوب وإعتماد من أمامهم ليقفوا جانباً
ويقول أيوب بصوت منخفض: _مجولتيش ليه من الأول، إزاي تعملي كده من غير شورتي، وتكسفيني جدام الناس. ردت إعتماد باقتضاب: _ياولدي وهو أنا قصدي برضه، أنا كنت هقولك يوم ما مشيت من البيت بسرعة. هتف أيوب بحدة: _هعديها عشان الناس دي، بس ليا كلام تاني معاكي. _ماشي ياولدي بس روح هات أختك من فوق هي عند ندى هتتجهز. هز أيوب رأسه بنعم وذهب على مضض. *** كانت سهر بغرفة ندى، جالسة أمام مرآة الزينة. صدر صوت ندى وهي تمسك بيدها
حجاب بلون اللافندر قائلة: _ده ياسهر هيليق معاه. نظرت لها سهر فكان زيها عبارة عن دريس بلون الأبيض مزخرف ببعض الفرشات من نفس لون الحجاب. تمتمت سهر بهدوء: _أيوه هاتيه، خليني أخلص قبل ما الناس ما تيجي. طرق أيوب على باب الطابق بالخارج ففتحت له "فتحية" الباب. فقال هو: _سهر جهزت يامرات عمي. ردت فتحية ببرود قائلة: _جوة في أوضة ندى خبط عليهم وشوفهم. دلف أيوب، وطرق على الباب. لتفتح ندى الباب فوقفت بصمت مبتسمة.
"وعند رؤيتك يبتهج قلبي كأنه يوم عيد، يأتيك مأخوذا من نبضاته كأنه ولد من جديد، والشوق لعيناك يزيد، فهل لي أن أغفو يوماً بين يديك فأحيا من جديد." تعجبت سهر من تأخر ندى وعدم الاستماع لصوتها فاستقامت واقفة واقتربت عند الباب لتقول مبتسمة فور رؤيتها لـ أيوب: _أيوب، جيت تاخدني. عانقها أيوب بمحبة وهو يقول: _لا، سي يسري هو اللي هياخدك منا ياستي. انفضلت عنه سهر ونظرت لـ ندى بمكر قائلة:
_وأنا أقول الست ندى راحت فين، صدق اللي قال من لقى أحبابه نسى أصحابه. وكزتها ندى ونظرت لها بحدة. فقال أيوب مبتسما: _ندى، هحكي مع سهر دقيقتين سيبنا لحالنا. اجابت ندى بخفوت: _حاضر. ومرت من أمامهم. أمسك أيوب يد سهر وجلسا على الفراش فقال هو: _مش عارف أمتى كبرتي والعمر عدى بينا، بس قوليلي مبسوطة موافقة من كل قلبك. ردت سهر بمرح قائلة: _والله لو حلو زيك كده يبقى هوافق. قال أيوب بمحبة:
_محدش يقدر يجبرك على حاجة، لو مش موافقة قولي. أردفت سهر: _مش عارفة بس أكيد مع الوقت هحبه. وكل أصحابي متجوزين ومعاهم عيال كمان. جعان مالوش لازمة معاكم. رد أيوب بحدة: _أهو ده بحد ذاته غلط لو... قاطع حديثهم دخول ندى وهي تقول: _أيوب مرات عمك بتنده. يلا عشان الناس عايزين يشوفوا العروسة. تمتم أيوب بخفوت: _جاي أهو يا ندى. وقالت سهر قائمة وهي تقول: _هم بينا يا خوي ومتخافش علي. لو فيه حاجة هقولك. هز أيوب رأسه بتفهم وذهبا معا.
-عند ورد تجهزت بثياب للخروج. ودلفت لوالدتها قائلة: _يما أنا هروح أجيب شوية طلبات للسرايا لأن الحجة نعيمة رجلها تعبانة شوية. هتعوزي حاجة. هتفت سيدة: _لا يا بتي. ربنا معاكي ويستر طريقك. غمغمت ورد بخفوت وهي تحمل حقيبة يدها: _أفوتك بعافية يما. غمغمت سيدة بهدوء: _الله يعافيكي يا بتي. غادرت ورد منزلها. وأثناء خروجها كان يقف هشام مبتعدا عن أنظار عتمان. منتظر خروج أيوب. حتى رأى ورد. فأتبع خطاها. وما إن رآها تبتعد عن السرايا
اقترب منها وهو يصيح قائلا: _لو سمحتي، يا ست... نظرت له ورد باندهاش قائلة: _حضرتك عليا. هز هشام رأسه بنعم. لتقف هي مكانها متعجبة: _خير في حاجة حضرتك تعرفني. قال هشام: _أنا شوفتك خارجة من سرايا وهدان. حضرتك شغالة عندهم. عقدت ورد حاجبيها بتعجب قائلة: _وانت بتسأل ليه؟ عاوز إيه؟ تأفف هشام قائلا:
_والله يا ست أنا ما بعاكس. كل الموضوع أني عاوز أوصل لأيوب بيه. وجيت كذا مرة عشان أشوفه وبحس عتمان ده مش بيخليه. أنه سألت عليه. جدتي عاوزة توصله عشان تبلغه حاجة. ردت ورد حائرة: _طيب ياسيدي أنا وأمي الحجة سيدة شغالين عندهم. ممكن جدتك تعرف أمي. وشوف هي عاوزة توصل إيه وأنا تحت أمرها. هتف هشام بعجل: _لا أنا بس عاوزك تجوليله إن فيه واحد عاوز يشوفك ضروري مسألة حياة أو موت. وممكن تجوليلي اسم حضرتك إيه عشان أبقى أقول لجدتي.
ردت ورد بضيق: _لا مش هقول اسمي. وهوصل رسالتك لأيوب. قال هشام بعجل: _ربك يشهد على اللي جاي. أنا ما كدبتش عليكي في حاجة وربنا أعلم بنيتي. صمتت ورد قليلا. ثم قالت: _اسمي ورد. خلاص كده. ابتسم هشام قائلا: _الله يراضيكي يا ست ورد. تشكري. غمغمت ورد بخفوت: _الشكر لله. -داخل السرايا. اقتربت منهم سهر وهي تقدم عصير الضيافة. وما إن انتهت من توزيع الأكواب وضعت الصينية أعلى الطاولة فقالت رشيدة: _تعالي يا عروستنا اجعدي جمبي.
جلست سهر بينها وبين ابنتها. فنظرت لها رشيدة قائلة: _أخلاق وحلاوة. صح يا يسري. رد يسري قائلا: _اللي تشوفيه يا أمي. قال أيوب بتهكم: _إيه يا يسري هو أنت اللي هتتجوزها ولا حد غيرك. وكزته اعتماد بجانبه سريعا. فقالت رشيدة: _أصل يسري ولدي بيتكسف. مبيعرفش يعبر عن رأيه. على العموم أحنا موافقين وجاهزين من كل حاجة. الشقة جاهزة ناقصها عفشكم. واللي تقولوا عليه أحنا معاكم. ردت اعتماد قائلة:
_خير البر عاجله. أحنا ليه نتأخر. طالما الكل راضي يبقى نجيب دهب بعد بكرة. مال أيوب على أذن والدته قائلا بخفوت: _مسمعش حسك تاني يما. أنا مش كيس جوافة أهنا. أنا وعمي جاعدين أهو أحنا اللي نتفق. بدل ما آخدك من يدك وأحبسك فوق لحد ما نخلص. رمقتهم رشيدة بتعجب قائلة: _إيه يا أيوب يا ولدي في حاجة معاك. رد أيوب قائلا: _لا. بس بجول لامي طالما خير البر عاجله يبقى أنا كمان أجيب دهب لخطيبتي. أهو يبقى كل حاجة رسمي.
وكزته اعتماد بجانبه ونظرت له بامتعاض. فغمز هو لها بعينه. ونظرت رشيدة لابنتها الجالسة بجانبها بتمعن. لتستقيم قائمة وهي تقول: _طيب يا اعتماد نجوم أحنا نمشي. لينا زيارة تانية إن شاء الله. ردت اعتماد قائلة: _ما لسه بدري يا ست رشيدة. أردفت رشيدة بخفوت: _بدري من عمرك يا حبيبتي. يلا فوتك بعافية. عانقتها اعتماد قائلة: _لينا كلام على الموبايل. غمغمت رشيدة بهدوء: _وما له نبقى نتكلم. هموا بينا يا ولد يلا.
-بمنزل الحجة زبيدة. جلس هشام على طرف فراشها وقص عليها مقابلته لـ ورد. وأنهى حديثه قائلا: _أنا تعبت والله يا ستي من انتظار أيوب ده. أنا مش عارف إيه السر بينك وبينه. ياريت تجولي وتريحي نفسك. قالت زبيدة بجمود: _أنت تعرف ورد اللي قابلتها النهاردة تبقى بنت مين. رد هشام متعجبا: _جالت اسم أمها سيدة. هيكون مين يعني؟ هتفت زبيدة: _ورد مش بنت سيدة يا ولدي. نظر لها هشام متعجبا وهو يقول: _اومال بنت مين يا ستي؟ تمتمت زبيدة بخفوت:
_ورد تبقى بنت اعتماد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!